صباح المنبوذة من صحراء مراهقتنا

29 تشرين الثاني 2014 | 00:00

لماذا طردنا صباح من صحراء مراهقتنا العاطفية والفنية في لبنان الستينات والسبعينات؟ ألأنها لم تكن تخاطبنا بلغة المثال المتعالي للذات الجريحة، ولا تغنّي أحلام اليقظة والحنين والطفولة والحزن الشفاف، ولا ترصدنا لعناق ذواتنا التي نجاهد لاجتراحها من لغة طيفيّة؟

طوال أيام مراهقتنا العاطفية والفنية الممتدة حتى بدايات الحرب في العام 1975، ظلت رغباتنا العاطفية والجنسية العسيرة، خائفة مكتومة كفضيحة شخصية نكابدها منفردين في الخشية والخفاء، كأنها همٌّ وعار قدريان، غامضان وسفليّان، ألمَّا بالجسم والنفس، ولا سبيل إلى تداركهما وتصريفهما بغير إزاحتهما وترسيبهما أو اجتيافهما كطاقة مؤلمة، لا تلبث أن تتعفن في الجسم والنفس.
بعضنا دفعته تلك الطاقة المؤلمة المتعفنة إلى عراك يومي في الشارع. آخرون دفعتهم إلى رياضة كمال الأجسام. وقلّة حوّلتها طاقة روحية أو متروحنة متعالية، عبر الكلمات والصور والأغاني التي أتُخذت وسيطاً "فنياً" يكنّي عن توقٍ إلى الخلاص من تلك الوصمة، أو العار القدري. هكذا وُلِدَ شغفنا الولهُ بالكلمات والصور والأغاني: كلمات جبران خليل جبران، أغاني فيروز، وصور نساء الإعلانات في المجلات الفنية. هؤلاء وغيرهم، هم أبطال أو نجوم مراهقتنا العاطفية والفنية المتمادية في الستينات اللبنانية في بيروت، وفي ضواحي بيروت.
* * *

في "عواصفه" و"أجنحته المتكسرة" و"أرواحه المتمردة" و"عرائس مروجه" و"نبيّه"، وفي "صومعته" الأميركية الأسطورية، كان جبران خليل جبران النجم الأول الذي اهتدينا إليه في صحراء مراهقتنا، توقاً إلى اجتراح صورة فنية، ذاتية وخاصة وشخصية، لأنفسنا وللعالم. فيروز أيضاً، صوتاً وأغاني وشخصية نجومية، كانت سرابنا المائي في تلك الصحراء. أما صباح وأغانيها وصوتها، وهي كانت حاضرة بقوة في ستيناتنا اللبنانية الصحراوية، فسرعان ما نفرنا منها في مطالع تلك المراهقة، نفوراً علنياً، كنفورنا العلني من صور نساء الإعلانات الفاتنات في المجلات الفنية، فيما كانت صباح في السرّ والعتمة تشتعل في ليل صحرائنا التي طردناها منها في رحلة توقنا الروحي العلني إلى الخلاص.
كانت تلك الرحلة، رحلة صناعة سيرتنا الجديدة المتخيلة، من كلمات وصور وأغان جعلناها شمس حياتنا وخلاصنا الواعي واللاواعي. خلاصنا من العيش منسيين ومغفلين في عتمة اجتماعية وعاطفية وطبقية وتربوية وتعبيرية، وللخروج إلى الضوء الذي ننتظر أن ينهمر علينا نورانياً من الأعالي، لينتشلنا من العتمة والعدم، ويطهّرنا من عفن الرغبة والشهوة السفليتين، بأن يجعلنا مرصودين وموعودين، ويردم تلك الهوة الغامضة بيننا وبين أنفسنا، وبين انفسنا والعالم الروحاني الذي منه تخاطبنا الكلمات والصور والأغاني بلغة أحلام اليقظة والحنين، الضبابية الشفافة، فتضفي على وجودنا وذواتنا الوليدة غلالات روحية باهرة.
* * *

لماذا الحلم والحنين والطفولة هي مدار الخطاب الأدبي والغنائي الذي كنا نلتهم كلماته وصوره في رحلة صناعة سيرتنا الجديدة، الروحانية والمتخيلة، للتطهر الذاتي الخلاصي من مخاض المراهقة العسير، ورغباتها المؤلمة المتعفنة؟
في وجه من وجوههما كان الأدب والغناء اللبنانيان والعربيان في الربع الثالث من القرن العشرين (1950 – 1975) وما قبله، يكنّيان عن الاحتفال بالتفتح الذاتي وبالتوق المتمرد الى الحرية والتحرر، للخروج على التقاليد الاجتماعية والتعبيرية المحافظة. لكن ذلك الاحتفال كان حزيناً وجريحاً، وفقاً للباحث المصري ناجي نجيب في "كتاب الأحزان: فصول من التاريخ الوجداني للفئات المتوسطة العربية"، منشورات "دار التنوير" بيروت، 1983. باعث هذين الحزن والجرح، يكمن في أن "بزوغ شعور الفرد بذاتيته وحريته واستقلاله"، وفي أن قيامه بتدبير حاجاته ورغباته وتصريفها والتعبير عنها تعبيراً فردياً وذاتياً، ولدت كلها محاصرة ومكبوتة بالاجتماع والثقافة التقليديين، وفي حال من الغربة والانفصام عن الواقع الحي او الحسي. نجم عن هذه الولادة الحزينة والجريحة، شعور دفين ومسبق بالارتكاس والاحباط. وهو شعور تفتق عما يسمّيه ناجي نجيب "احزان المواطن الصغير" الممتلئ بالتوق المحاصر الى توكيد ذاتيته وفرادتها والتعبير عنهما، منذ بدايات ما سمّي عصر النهضة الأدبية العربية، وصولاً الى ما سمّي النهضة الثانية في ستينات القرن الشعرين وسبعيناته، في لبنان على وجه الخصوص.
لكن التوق ذاك كاد يقتصر على طاقة ونشاط نفسيين داخليين حميمين، نتيجة الصد الكبير الذي جابهه به الواقع الاجتماعي والسياسي وبناه التقليدية. هكذا صاحب الشعور بالفردية والذاتية والانعتاق احساس بضعف التجربة الحية وامتناعها، فاستُعيض عنها بإعلاء تصعيدي ينطوي على تمرد محبط وغضب مقيم، وعلى انسحاب من العالم او الواقع واتهامه على نحو عام ومبهم. على هذا النحو ولد الخطاب الأدبي والغنائي العربي واللبناني الحديث ولادة ممتلئة بما يسمّيه الباحث المصري تسميات شتى: "الحزن السعيد، الحزن الطروب، رومنطيقية الاشجان، هواية الأحزان، الأسى الخالد، سعادة الدموع... الخ". وهذا ما يتجلى بدرجات وأشكال مختلفة ومتفاوتة في كثير من النماذج الأدبية والغنائية: مصطفى لطفي المنفلوطي، جبران خليل جبران، أم كلثوم، عبد الحليم حافظ، فريد الأطرش، وصولا الى فيروز التي قد يكون غناؤها نموذجاً خاصاً أو متفرداً في التعبير عن ذلك الحزن، بانطوائه على شفافية آسرة تبعث العزاء.
في هذا المعنى يعبّر الخطاب الأدبي والغنائي العربي الحديث عن عطش مرير الى فردية وذاتية في مجتمعات تمنع الفردية والذاتية وتقتلهما، وتحاصر التجربة الحسية الحية الحرة. لذا تظهر الذاتية التعبيرية في هذا الخطاب بوصفها ذاتية الحزن والتأسي وتعزية الذات الجريحة. لكن الحزن في الأدب الجبراني والغناء الفيروزي يبدو شفّافاً آسراً، كأنه رحلة في الطبيعة اللبنانية وصورها. وهي رحلة تمزج الحزن بالحلم والحنين والطفولة والبراءة، وتقيم لها معابد للفرح الحزين والعزاء والتحرر من طريق الحلم والحنين والطفولة.
لذا أقمنا للحزن والألم والتمرد في الأدب الجبراني، وللحلم والحنين والطفولة والبراءة في أغاني فيروز، معابد في صحراء مراهقتنا العاطفية والفنية في الستينات والسبعينات اللبنانية اللتين كانتا مداراً لاحتفال كرنفالي صاخب بالمدينة والحرية والتحرر والتمرد والغضب، لكن هذا كله لم ينجلِ إلا عن الكارثة.
* * *

في مجال الغناء ونجومه، سرعان ما طردنا صباح وكل صوت غنائي لا يخاطبنا بلغة المثال المتعالي للذات الجريحة، من دائرة نجوم سيرتنا الذاتية المتخيلة في صحراء مراهقتنا العاطفية والفنية. فصباح، في مدارات رحلتنا الخلاصية شبه الصوفية، لم تكن تغنّي احلام اليقظة والحنين والطفولة والبراءة والحزن والشفاف والأسى والعزاء، ولا تعدنا بشيء ولا ترصدنا لعناق ذواتنا التي نجاهد لصناعتها من تلك اللغة الطيفية. على الضد من هذا كله، كانت صباح صوتاً فاتناً مترعاً بالغواية والاثارة، بل يتقصّد الغواية والاثارة، هنا والآن في الحاضر وفي اللحظات الحسية العابرة. انها نجمة غناء كل شيء عادي، نافل ومراوغ ولاهٍ، وأحياناً مبتذل في محاكاته الكيتش الدارج في الحياة اليومية، لكن بصوت صادح فتّان ضاحك فرح بصباه الحسي الأبدي، غير هيّاب من فتنته الشهية أو الشهوانية، ولا من مباشرته العلنية الطازجة، بلا إرجاء وانتظار.
في صوت صباح ليس من أثيرية ولا بوح خجول يرفعان العلم الى علياء مثالنا العاطفي المراهق خلف غلالات روحية نورانية تصفّي الواقع من ماديته ورغباته. لذا كنا أحياناً نفاجأ بأن ما نرغبه ونشتهيه في صحراء مراهقتنا، هو ما تغنّيه، وأقرب الينا من مثالنا المتعالي. لكن من دون أن ندري أن رحلتنا الصوفية لاجتراح سيرتنا الجديدة المتخيلة، تنطوي على إنكار طهراني شبه ديني، لما نكابده في حواسنا وأجسامنا من رغبات حسية مكبوتة مختنقة بسطوة المثال المتعالي الذي يحوّل الرغبة طاقة خيالية للحنين وأحلام اليقظة.
صباح المنبوذة من صحراء مراهقتنا، هل ظلت على مدى أجيال صوتاً لمراهَقة خالدة تخفي حزنها وآلامها وخيباتها لتغنّي فرح الغواية العفوية، كأنها تغنّي لتعيش في حاضر أبدي؟

mohamad.abisamra@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard