"معجن الأهل والأقرباء" "راجعة على ضيعتنا"

28 تشرين الثاني 2014 | 00:37

الشحرورة صباح. (الارشيف)

كانت صباح في السابعة عندما اكتشفها فتيان وفتيات من جيلها، ومنهم أقرباء لها ولكاتب هذه السطور، واكتشفوا صوتها. ويُروى في هذا المجال أنها وأترابها كانوا يتجمعون إما على عين الزيكان واما في عين النجمة في وادي شحرور واما في حرج فرّوخ الفاصل بين بدادون مسقطها ووادي شحرور مرتعها، واما أمام فرن "أبوخليل" (عبدالله الفغالي) ويتسامرون ويلعبون، وينتهي اللقاء بموال "أبو الزلف" يطلبون من جانيت أن تغنيه، ولا ترفض الطلب.
... ونزلت جانيت إلى بيروت حيث تابعت دراستها وانطلقت تغني من المدرسة إلى المسارح ومنها مسرح التياترو الكبير ولم تكن بلغت بعد السابعة عشرة، ومعظم مواويلها كانت لعمها أسعد الخوري (شحرور الوادي) الذي احتضنها وأحبها، وحفظت قصائد عديدة له متأثرة بعاطفة أظهرها لها ولشقيقاتها وخصوصاً بعد وفاة والدتها، ثم بعد مقتل شقيقتها وهي بعد في سني طفولتها برصاص انطلق من شبان في الحي الذي كانت تقطنه في الوادي، وكم مرة ردّدت أمامي وأمام كثيرين قصيدة الرثاء التي ألقاها عمها وهو يحمل ابنة شقيقه الضحية القتيلة، وفيها:
يا روح عمّك شو جرى فيكِ
حتى رصاص الطيش يرديكِ
رحتِ ضحية عن شباب الحي
والحي ما كان فيه يحميكِ...
ويضيف:
يا حسرتا لو شافتِكْ إمـّكْ
ويا حسرتا لو قدرت تلمّكْ...
قصيدة لم تنسها جانيت التي أصبح لقبها في بيروت شحرورة الوادي وفي مصر والعالم صباح، وهي كافية للتعبير عن هذه الإنسانة الممتلئة عاطفة، الحنونة، المحبة، المعطاءة، كذلك كان يحلو لها أن تدندن وحدها بين فترة وأخرى أو في وجود أقرب المقربين اليها، أغنية كانت تعني لها الكثير على الصعيد العاطفي مستذكرة شقيقها أنطوان (والد النائبة الفيديرالية اللبنانية في البرلمان البرازيلي جانديرا فغالي) بعد سفره الطويل:
يا طير الطاير قِللو
بحق الفرقة اشتقتللو
قللو بيحبـّو قلبي
انكـنــّو مضيـّع عن دربي
دخلك عا دربي دلـّو
... وكم من لبناني يردد هذه الأغنية مع انبلاج كل صباح وحلول كل مساء.
والحديث عن الأسطورة صباح لا ينتهي، وكذلك الحديث عما قاسته الإنسانة صباح طوال حياتها، إذ كانت "معجن" الأهل والأقرباء، وأم الجميع، وأعطت كل ما ملكت. ولكنها ككل ناجح ووجهت بحسد إن لم يكن بضغينة، وتعرضت لقساوة ما بعدها قساوة، بدءاً من تخريب مسرح "نهر الوفاء" أو نهر الكلب وهو تخريب هدف إلى الإضرار بها وبالمطرب الكبير وديع الصافي أواخر الستينات أو بداية السبعينات، مما أدى إلى إلغاء حفلات كانت مقررة أن تقام هناك وتكبيدهما خسائر بالغة، إلى الحملة التي استهدفتها في أوائل الثمانينات عندما تعرّضت لحملة إعلامية كبيرة بعد أدائها وصلة غنائية مع المطرب الإسباني العالمي أنريكو ماسياس على أكبر مسارح باريس، بحجة أن الأخير زار اسرائيل وغنى فيها، علماً أنه كان زار لبنان مراراً.
... ولكن محبي صباح تصدوا معها لتلك الحملة، إذ كانوا إلى جانبها في مؤتمر صحافي عقدته في منزلها في البناية التي كانت تملكها على تلة من تلال الحازمية، ولكننا كنا قلة هناك - على رغم كل الضغوط - لتغطية رد الشحرورة على الحملة المسعورة، وكان بين حضور المؤتمر الصحافيان الكبيران الصديقان المرحومان محمد الزين وريمون قوّاص.
ولكن... "يا حلو بنت الوادي قدّ الحمل وبزيادة...".
وفي الوطنيات كانت صباح من الأكثر دعماً للجيش سياج الوطن، وغنّت الكثير له، وأولى أغنياتها "محبوبي جندي بالجيش وقدّيش بحبـّو قدّيش"، ثم "تسلم يا عسكر لبنان"، وغيرهما الكثير. كذلك لم تقف حيادية على صعيد القضايا الوطنية، وربطتها صداقة بالمرحومين الرئيس كميل شمعون والعميد ريمون اده والنائب كمال جنبلاط، وغنّت للحكومة الرباعية التي تألّفت برئاسة الرئيس رشيد كرامي بعد ثورة 1958 ومع بداية ولاية الرئيس فؤاد شهاب، وأتت لتهدئة الوضع وإعادة الهدوء، وضمت كرامي والحاج حسين العويني وريمون إده وبيار الجميل، وفي أغنية صباح للحكومة:
يسلمولي الأربعة
طلـّوا يوم الأربعا
لا صار ولا بقا يصير
متلكن يا أربعة
الحديث عن صباح لا ينتهي. ثمة نبع من العطاء في الشحرورة ونهر من المجلدات. ولا شيء يفيها حقها على لبنان والعرب.
يوم الأربعاء رحلت صباح "راجعة على ضيعتنا"، ويوم الأحد يصلى على جثمانها، ثم تنقل "عالضيعة يُمـّا عالضيعة" لتدفن في مسقطها بدادون إلى جوار عمها الشحرور "أبو نبيل" كما أوصت، مروراً بوادي شحرور التي تحبها والتي لها فيها ساحة باسمها حيث ترعرعت.
ماتت شحرورة الوادي...
ظلام دامس، حقد وكراهية وحسد وضغينة، وقلوب سود، وصقيع، وأنياب مسنونة، وأظفار تنهش كل ما تصل إليه، أفواه جائعة منهومة، أنهار جافة، جبال جرداء، سهول قاحلة، فجور، عواء ومواء. رحلت صباح شحرورتنا المحبوبة، ولبنان لن يكون كما كان، فلا أبو الزلف ولا ميجانا ولا عتابا. لا صباح بعد اليوم في هذا الليل الطويل! لا محبة، لامغفرة، لا قلوب صافية، لا دفء، لا كرم، لا حسن استقبال.
صباح رحلتِ. صباح عرفتكِ عن قرب، سنظل نحبك شحرورتنا الصبوحة... لن يرث صباحَك المشرق وابتسامتَك أحد.
هناك، فوق، قرب عمّك أسعد شحرور الوادي ستغنين مع وديع "نهر الوفاء" و"الله معك يا زنبقة بالفي... وتردين... شاهين شوجابك عا ضيعتنا؟"... وستغنين كل المواويل ليُطرب كلُ
الخالدين.

habib.chlouk@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard