يوم ثالث من شهادة حماده أمام بداية المحكمة مليء بالأحداث الأسد قال للحريري: "سأدّمر لبنان على رأسك ورأس جنبلاط..."

20 تشرين الثاني 2014 | 00:00

المصدر: لاهاي – علي حماده

صورة عن عدد "النهار" الصادر في 29 آب 2004 الذي تضمن محضرا لجلسة مجلس الوزراء طرحته المحكمة الدولية امس كوثيقة في سياق شهادة النائب مروان حماده.

يوم أمس كان يوم التمديد بالتهديد... التمديد للرئيس اميل لحود في المحكمة الخاصة بلبنان في لاهاي، حيث تابعت عبر المدعي العام غرايم كاميرون استجواب النائب مروان حماده بوصفه شاهداً على تفاصيل سياسية كثيرة طبعت المرحلة التي سبقت اغتيال الرئيس رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط 2005. فقد تناول الاسئلة التي طرحها المدعي العام وعدد من القضاة تفاصيل المعركة التي خاضها الحريري في تلك المرحلة ضد الرئيس بشار الأسد وحلفاء سوريا في لبنان، والتي اتخذت طابع التحدي الشخصي والمباشر بين الأسد والحريري. وبدا أن المحكمة أرادت من خلال متابعتها الإضاءة على المشهد السياسي الذي كان سائداً في تلك المرحلة التي سبقت اغتيال الحريري، ولا سيما التمديد للرئيس اميل لحود الذي تم في شكل قسري وفرض فرضاً على الحريري بعدما قام الأسد، وفق أقوال حماده التي سمعها آنذاك من الرئيس الحريري نفسه، بتهديده مباشرة ومعه رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط، قائلاً في اجتماع في أواخر آب 2004 الذي ضم الأسد الى الحريري في دمشق: "اذا كنت تظن أنت ووليد جنبلاط أن فرنسا وأميركا تستطيعان فرض رئيس جديد للبنان رغماً عن سوريا، فأنتما تغفلان أن سوريا وحدها تحسم الخيار، وإذا حاولتما الوقوف في وجه سوريا فسوف أدمر لبنان فوق رأسك ورأس وليد جنبلاط".

وفي رواية حماده أمس سرد مفصّل للمعركة من جانب تحالف الحريري – جنبلاط والبطريرك مار نصرالله بطرس صفير ومعه قادة "لقاء قرنة شهوان". كذلك تضمنت جوانب مما سماه حماده "السباق بين التمديد والقرار 1559" الذي صدر رداً من المجتمع الدولي على قرار القيادة السورية المضي في التمديد للحود.
وقد استفاضت المحكمة في موضوع التمديد والقرار 1559 باعتبارهما حدثين مفصليين لفهم الظروف التاريخية والسياسية التي كانت سائدة، على ما أوضح المدعي العام خلال الجلسة، وذلك انسجاماً مع سعي المحكمة الى البحث عن ممهدات جريمة الاغتيال التي وصفت في القرار الاتهامي بأنها كانت "مركبة ومعقدة وشديدة التنظيم"، بما يتجاوز قدرات أربعة أو خمسة أشخاص على القيام بها، قراراً وتخطيطاً وتنفيذاً في آن واحد. وهذا في ذاته ما يدفع الى الاعتقاد أن الجريمة باتت في ذهن المحكمة مرتبطة بالمناخات السياسية المحيطة، وأهمها الصراع بين الحريري والقيادة السورية وتحديداً الرئيس بشار الأسد.
أمس كان يوم التمديد بالتهديد... وتتواصل اليوم جلسات الاستماع الى حماده شاهداً حول مرحلة ما بعد التمديد، وكيف دُفع الحريري الى الاستقالة، فتشكلت حكومة برئاسة الرئيس عمر كرامي التي اعتبر حكومة التمديد الأولى والأخيرة.

اليوم الثالث من شهادة النائب مروان حماده امام غرفة الدرجة الاولى للمحكمة الخاصة بلبنان برئاسة القاضي دايفد راي، تناول بحرا من الاحداث، بينها زيارة الرئيس الشهيد رفيق الحريري لدمشق عشية التمديد للرئيس اميل لحود، وقرار مجلس الامن 1559. ورفعت الجلسة الى اليوم.
وبناء على اسئلة ممثل الادعاء غرايم كامرون تحدث حماده عن اجتماع الرئيس الحريري بالرئيس السوري بشار الاسد في 25 آب 2004 في شأن التمديد للحود. قال حماده: "في ذلك اليوم عاد الحريري مباشرة من دمشق الى منزل النائب وليد جنبلاط في كليمنصو. نزل من سيارته في وضع قلّما شاهدته فيه. مكفهر الوجه وشعره منكوش بعض الشيء ويتصبب عرقا. وقال فجأة الأسد يريد لحود ولا احد غير لحود ويصر على اعادة انتخابه لفترة جديدة. وشرح لنا ما جرى بوصوله الى دمشق حيث ذهب الى منزله، كما كان متفقا عليه مع اللواء رستم غزالي قبل ليلة، على امل ان يناقش مع الاسد احتمالات اخرى تكون اقل عبئا وخطورة على لبنان وسوريا، في مرحلة كان بدأ سباق محلي واقليمي حول قرارات في مجلس الامن تتعلق بلبنان وتحديدا ما سيصبح لاحقا القرار 1559 وبين عملية تعديل الدستور توطئة لاعادة انتخاب لحود.
وقال الحريري ان الاسد استقبله على الواقف بدون دعوته الى الجلوس متحدثا معه عشر دقائق في حديث في اتجاه واحد. وبادره الاسد "تعتقدون انكم تستطيعون املاء رئيس جديد في لبنان على سوريا. تخطئون بذلك لانكم تغفلون اننا نحن نحسم هذا الخيار وليس اميركا او فرنسا. وعندما احتج الحريري مشيرا الى ان الاخيرتين ليس لهما مرشح في لبنان وان باب الترشح مفتوح لكي نتساعد ونتفاهم على اختيار رئيس اقل استفزازا من لحود. اجابه الاسد "لا، سيكون اميل لحود، وان حاولتم ان تعارضوني فسأدمر لبنان على رأسك ورأس وليد جنبلاط. ورددها قائلا الافضل ان تعود الى بيروت وترتب اوضاعك على هذا الاساس".
واضاف حماده: "كان واضحا ان الاسد لم يترك مجالا للحريري ليناقش او يجيب. ولم اكن الشاهد الوحيد على كلامه كان حاضرا جنبلاط وغازي العريضي وباسل فليحان".
وطلب كامرون من حماده وصف نبرة الاسد خلال الاجتماع فقال نقلا عن الحريري: "النبرة قاسية جدا وصارمة. وتفاوتت الآراء بيننا في تفسير عبارة "سأدمر لبنان على رأسك ورأس جنبلاط". ولم يقفز احد منا الى التفسير التراجيدي لجهة ان التهديد مباشر للحريري ابدا. لكن التقدير تفاوت بين جنبلاط والحريري الذي اعتبر ان التهديد خطير جدا عليه وعلى جنبلاط. وكانت نصيحة جنبلاط له امام هذا النفس والقساوة في الكلام والتهديد المباشر للشخصين وللبنان، ان على الحريري تفادي المواجهة لانه رئيس حكومة لبنان وزعيم سني مهم، وزعامة لها انعكاساتها حتى في دمشق وكذلك هو موقع عربي. ولان السوريين اكثر قدرة في ميزان قوة الحريري من جنبلاط. ونبهه جنبلاط قائلا: "انا يا ابا بهاء اتحمل التهديد. سبق ان اقترفوا بوالدي شيئا مماثلا، وقد يكون هذا جزءا من مناعتي، وقد لا يكررونها. وانا في الجبل استطيع ان احمي نفسي". واجابه الحريري "لكن يا وليد قال لي الاسد انه سيطالك حتى عند الدروز". فرد وليد "هيدي بسيطة بس انت يا رفيق معرض اكثر بكثير. ونصيحتي لك ان تتجاوب مع الاسد وتسهل اعادة انتخاب اميل لحود".
وتدخل راي سائلاً: "لم نصح جنبلاط الحريري بالاستقالة؟". أجاب: "لأنه اعتبر أن على الحريري مغادرة لبنان بعد هذه التهديدات". في موضوع التهديد والعلاقة بين الحريري وسوريا والسجال مع محور تحالف الحريري وجنبلاط و"لقاء قرنة شهوان" والبطريرك صفير منذ عام 2000، كان جنبلاط على اقتناع بأن الحريري غير مرغوب فيه في دمشق أو غير محبوب منها. ويخشون نفوذه المتنامي في المنطقة وفي دمشق. وان حمايته الشخصية تقضي بالمغادرة كأفضل حل. وهذا النقاش جرى مراراً بيننا الى حد تحوله أحياناً في الجلسات المسائية كل يوم أحد الى تبادل شيء من النكات بين الحريري وجنبلاط بعد اجتماع دمشق بأشهر. كانا يراهنان من سيُقتل أولاً".
ورداً على المستشار القاضي وليد عاكوم ان حصل الاجتماع في خضمّ خلاف سوري – سعودي على الرئاسة قال: "الخلاف على انتخابات الرئاسة تجاوز الحدود اللبنانية طبعاً، ولكن لم يكن للسعودية أو غير السعودية مرشح في لبنان. وكان الكلام الذي نسمعه من الكثير من موفدي الدول الاجنبية، وقبل اجتماع دمشق، يدعو الى تأجيل الاحتكاك لتفادي تدهور الأمور".
وركّز كامرون على أهمية عبارة "سأدمر لبنان على رأسيكما"، فذكر حماده: "أدركت أن العلاقة بيننا وبين دمشق تخطت الخطوط الحمر. ولا بدّ من أن نستجمع قوانا كمعارضة سلمية لنعارض تمدد وانغماس سوريا في كل شاردة وواردة في لبنان، رغم التاريخ الحافل لإجرام النظام السوري في لبنان. جئت على ذكر كمال جنبلاط والرئيس بشير الجميل. وهذه ليست أسراراً لأن من قتلوا يتباهون بالقتل. هناك مقتل الرئيس رينه معوض وذكرت لكم أنه لا توجد ورقة واحدة في ملف التحقيق في قضيته، وهو أول رئيس جمهورية بعد الطائف، وأيضاً مفتي الجمهورية المعتدل الشيخ حسن خالد. لم أتوقّع أننا سنعود الى مسلسل دام. قلت إنها ستكون ضغوطاً كبيرة لإبعاد الحريري عن الحكومة. ولم أكن اعتقد أنهم سيتجرأون على قتل الحريري أو جنبلاط أو أحد آخر. ولذلك لم أتذكر أننا اتخذنا تدابير إضافية تتعلق بالجانب الأمني من هذا التهديد". وخشي الحريري على جنبلاط أكثر لأنه كان يعتبر أن خيمة عربية ودولية تحميه. ولا يتمتع جنبلاط بالحماية نفسها التي، علماً أن له مناعة اقليمية مناطقية اسمها الطائفة الدرزية الاساسية في لبنان. وأخذ الحريري بنصيحة جنبلاط، واصفاً الحريري بأنه من الرؤساء النادرين الذي يتحدث تقريباً مع كل رؤساء العالم. وهذا الأمر خدمه وانعكس عليه في سوريا اذ يمكن ان يخطف موقعه شيئاً من نفوذها في لبنان، الى تحسس من عمق علاقاته مع فرنسا".
وعن سبب الطلاق المتنامي مع النظام في سوريا أشار حماده الى ان شعبية الحريري بدا يتحلى بها في سوريا ومتابعة شعبها لتلفزيون "المستقبل". وظهرت صورته في بعض المحال التجارية في حلب مما يستثير السوريين. والأمر نفسه ينطبق على جنبلاط، ففي السويداء اثناء دفن سلطان باشا الأطرش حملوا سيارته. وبعد ذلك لم يُسمح لنا بالتوجه الى تلك المنطقة".
القاضي راي: "ولم كان على الحريري المغادرة في رأي جنبلاط؟". أجاب: "لأنه كان مقتنعاً بأن ما جرى في العامين الأخيرين من تعد وفرض تغيير حكومة والاعتداء على محطة الحريري التلفزيونية، وما سمي ببروتوكول دمشق اي فرض الانصياع للحود، وبيع اسهمه في جريدة "النهار"، والحملات المتتالية التي لم تتوقف ومجلدات السباب وما كان يتعرض له الحريري من محطات التلفزيون والصحف اللبنانية الموالية لسوريا. كان واضحاً له ان الاخطار تراكمت على الحريري الى حد اعتبر جنبلاط ان الأمر اصبح خطراً محدقاً".
وتابع حماده: بعد ذلك كانت جلسة استثنائية لمجلس الوزراء، وقصيرة، وتم اقرار التعديل بالأكثرية ومعارضة وزراء جنبلاط وغياب الوزير جان عبيد. ثم ناقش كامرون مقالاً نشرته "النهار" في اليوم التالي لجلسة الحكومة. وايد حماده القول إن ضغوطاً مورست على البرلمان. مشيراً الى معارضة نواب بينهم بيار الجميل الذي اغتيل لاحقاً، وقال: "بعد اربعة أيام من الجلسة النيابية جرت محاولة اغتيالي. واضاف: "ان وزير الداخلية حينذاك الياس المر أيد الحريري الذي كانت كتفه مكسورة في الجلسة بعدما هوى لهبوط ضغط الدم وكان في الخارج اثر اقرار الحكومة التعديل الدستوري. وعرضت صورة له في تلك الفترة تظهر تضايقه، بحسب حماده، وكتفه مربوطة. واشار حماده الى تعرض المر لمحاولة اغتيال بعد عام على التمديد، معرجاً على اغتيال جورج حاوي.
ثم انتقل كامرون الى مناقشة مضمون قرار مجلس الامن 1559. واعتبر حماده ان الاستعجال في اصداره يعود الى فرض سوريا تعديلا من أجل ابقاء رئيس موال لها منذ كان قائداً للجيش. وقال إن ما اثار غضب سوريا هو تدويل القضية اللبنانية عبر القرار 1550، مشيراً الى الغاء سوريا الميليشيات الحليفة لها لحصر المقاومة بـ"حزب الله" ومتحدثاً عن علاقة متينة بين الحزب المذكور وسوريا وعن تدفق الاسلحة الى اليوم من إيران الى بيروت.

claudette.sarkis@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard