... و"النقّ" مستمر بـ "نجاح" كبير!

11 تشرين الثاني 2014 | 00:00

يرن صوت المنبّه في هاتفه الخليوي بأغنية لفيروز، يفتح عينيه متأففاً، يحاول إطفاءه والعودة إلى النوم. الاّ أنَّ الهاتف لا يتوقَّف عن الرنين، فتعود فيروز بأغنيتها الفرحة الباعثة للأمل كل خمس دقائق، لكنه يستيقظ أخيراً، يمشي باتجاه المطبخ مردداً "ما بدي روح عالشغل اليوم"، "والله ما الي جلادة!". يحضّر فنجان قهوته الصباحية فيرتشفه بسرعة، ليعود ويرتدي ملابسه بسرعة لأنَّ الوقت بدأ يداهمه رغم أنه مستيقظ منذ نصف ساعة. يحمل حقيبة جهاز الكومبيوتر ويركض متوجهاً نحو المصعد، متابعاً ارتداء الجاكيت وربطة العنق مردداً ومن دون كلل: "أوف مش رح لحِّق". يترجّل ليصعد إلى سيارته فيجد أنَّ جاره ركن سيارته على باب موقف المبنى، فيعلو صوته ونغمة التأفف لا تفارقه: "يا الله تأخرت، بشرفك نزال مرقني"، فيركض جاره مسرعاً وينقل السيارة كي لا يتعكّر يومه. وما ان يمشي حتى يجد أنَّ الطريق أمامه شبه مقفلة والسيارات متوقفة، فزحمة السير في لبنان أصبحت من التراث. يشغِّل الراديو على إذاعته المفضَّلة، فيسمع "جوقة النق" الصباحيّة للمذيعة والمستمعين فيندمج معهم لتكتمل الأغنية المعهودة. يتوقف قرب باب مبنى الشركة ويصعد إلى مكتبه و"النق" لا يفارقه، فيتذكر انه يوم الاثنين: "يا الله اليوم التنين، مين إلو خلق يشتغل، عن جدّ كُولْ بالدَّين وما تشتغل يوم التنين" ليزداد "النق" لدى رؤيته للملفات مكدَّسة على مكتبه وترتفع حدّة "نقه" وتنفجّر "من وين بدي بلِّش؟، عن جد شي بيتعِّب... ما بقى بدي اشتغل!"

الأسرة اللبنانية العادية، حتى لا نقول المعدومة، عاجزة عن تلبية حاجاتها والمتطلبات التي لا تنتهي: ماء وكهرباء، كساء وغذاء، التي تقتضي دفع أكثر من فاتورة. أمام هذا العجز تبدو التحركات الشعبية الناقمة على الوضع غائبة عن المشهد اللبناني. ويطفو بالمقابل "النق" الذي اعتاد عليه اللبنانيون وأصبح نمط حياتهم اليومي! وإذا أردنا أن نحصي المجالات التي يتذمّر اللبناني منها وبسببها سنقف عاجزين عن العدّ. فما إن تصعد في سيارة الأجرة حتى تتكوّن لديك صورة عن نمط حياتنا، الذي في الغالب نعيشه من دون التفكير فيه. إلاَّ أنَّ سائق الأجرة يجسده بمعاناته وكلماته التي انتقاها بدقة وحرفية رغم قلة تحصيله العلمي، إلاّ أن مدرسة الحياة التي استقى منها أفكاره أوسع وأشمل.
يخبرني أبو وسيم عن قصة "بكرا النق" للكاتب سلام الراسي التي تشبه بكل معانيها الشعب اللبناني، والتي تحكي قصة رجل كان يشكو من أن زوجته "تنق" بشكل دائم، ما جعل الخلافات تزداد وتعكر صفو علاقتهما الزوجية والأسرية. حاول الناس إصلاح الأوضاع في ما بينهما، إلى أن تمَّ التوصل لإتفاق على أن تعود الزوجة إلى البيت بحيث تتمكن من الشكوى في اليوم الأول، والتوقف عنه في اليوم التالي. فعملت المرأة وفق الإتفاق فكانت في اليوم الأول "تنق" وفي اليوم التالي تقول لزوجها "بكرا النق وبكرا النق". برأي أبو وسيم أنَّ "هذه القصة تمثِّل نموذجاً عن شخصية اللبناني الذي مهما كانت حياته صعبة ومعيشته غالية، وحتى لو كانت مريحة وجميلة لدى البعض، إلاَّ أنَّ الإنسان العادي لا يمكنه التوقف عن "النق" لسبب أو لآخر، وكأنَّ "النق" غدا بروتوكول يومي. ويضيف: "عندما يطول مجيء فصل الشتاء، يبدأ اللبناني بـ "النق" ثم يلجأ الى الصلاة من اجل هطول المطر. ومتى هطل المطر، تحدث الكوارث الطبيعية، فتصبح الطرق أنهاراً وينابيع، وتكثر حوادث السير، وتتعطَّل الكهرباء. ويعلو صوت المواطن من الكارثة الطبيعية، ويرمي بثقله على الدولة. وهنا، يبدأ بالدعاء لقدوم الصيف كي ينعم بالشمس الدافئة، ونقاء الجو، ليشكو لاحقاً الحرارة المرتفعة، وعدم قدرته على إستخدام المكيّف بسبب انقطاع الكهرباء".

الطرق والزحمة
وبالإنتقال إلى الأزمات المرورية ووضع الطرق في لبنان، فحدِّث ولا حرج عن نقمة اللبناني عليها. الكل يشكو السرعة الزائدة للبعض، وعدم احترام الآخرين للإشارات المرورية، وينتقدون سائقي الدراجات النارية، التي يقودونها على الرصيف، والتي يسيرون بها عكس السير على الطرق وداخل الزواريب الضيقة في الأحياء الشعبية. فتعتبر غنى أنَّ "القيادة على الطرق في لبنان مغامرة، يجب أن نبقى على أعصابنا، وأن تكون كل حواسك متأهبة، عربة خضر من هنا، ودراجة عكس السير من هناك، وسائق متلهٍ بهاتفه أمامك، ورابع يسابقك. غالباً ما أفقد أعصابي وأبدأ بالصراخ، وبتُّ أفضل الذهاب بسيارة أجرة". أما في أوقات الذروة، فتتكدّس السيارات على جوانب الطرق داخل العاصمة، فـ"الباركميتر" والمواقف العمومية مشكلة إضافية وفق فؤاد، الذي يقول "كلما أردت الذهاب إلى شارع الحمراء أو وسط بيروت ينبغي أن أعاني وأن أخسر من وقتي ساعات للبحث عن موقف، فالطرق في الحمراء لا مكان فيها للركن سوى في ساعات المساء، أما المواقف فسعر الساعة فيها 5 الاف ليرة وصاحب الموقف غير مسؤول عن سلامة السيارة من السرقة أو الحادث".

"النق" يطال القطاع السياحي
أما الفنادق والمطاعم فليست بعيدة من الأوضاع الاقتصادية الصعبة والحالة الأمنية المتردية التي يمر فيها لبنان. فمنذ العام 2005 ولبنان يعيش جموداً اقتصادياً، والحركة في أسواق بيروت أقل من عادية خلال أيام الأسبوع أو خلال فترة الأعياد.
يقول زياد صاحب أحد المحال التجارية في سوق مار الياس، "غالبية الناس يقومون بـwindow shopping، يلقون نظرة على واجهات المحال سريعاً من دون دخولها، وإذا دخلوا لا يشترون أي شيء، رغم التنزيلات والعروض الخاصة". فيما تلوم لمى الراتب "في ظل المدفوعات الكبيرة، من كهرباء، ومياه، واشتراك "الموتور"، وشراء المياه، واثساط المدارس، والهاتف، والبنزين، من أين سيبقى لي المال كي أشتري ثياباً واشياء اخرى". من جهتها، تضيف سيرين "يجب أن يراعينا أصحاب المحال بالأسعار، ولكن أحياناً رغم ارتفاع الملابس والأكسسوارات إلاَّ أننا نحب أن يبقى مظهرنا أنيقاً ومواكباً للموضة". أما وائل فيبدو أنه لبناني بامتياز، لا يتوقف عن انتقاد الوضع المعيشي "في ظل وضع اقتصادي مأزوم يضغط على معظم الشرائح الشعبية يحاول الناس التقليل من المصاريف والمشتريات، وجلب ما هو ضروري ومُلحّ لا يمكن الاستغناء عنه .فإيجار المنزل باهظ، وأسعار المحروقات كذلك، وحتى الخضر والفاكهة لم تعد أسعارها مقبولة. ونرى أنَّ الناس كلهم في المطاعم وعلى الطرق غير آبهين".

قليل من "النق" على انتقاص الحقوق!
وبين "النق اليومي" والمطالب المحقَّة للبنانيين المحرومين من حقوقهم الأساسية في عيش حياة كريمة، تبرز مسألة الأقساط والكتب والقرطاسية مع بداية السنة. واللبناني المتخاذل عن الحراك لتحصيل حقوقه، لا يجد متنفساً له سوى "النق". فملف المدارس في لبنان، كما كل ملفات هذا البلد، شائك ومعقّد. "المؤسسات التعليميّة لا تخضع للمساءلة ولا للرقابة فمدرسة الأولاد رفعت هذه السنة أسعار الكتب، وغيَّرت في النُسخ. ظننت أنَّ كتب ابنتي سيأخذها من بعدها شقيقها الذي يصغرها بسنة، إلاَّ أنَّهم غيروا الطبعة وكذلك اللباس المدرسي الموحّد. أما القرطاسية فأجبرتنا المدرسة على شرائها من مكتباتها الخاصة"، هذا لسان حال ريما والدة تلميذين، والتي تمثِّل حال عدد كبير من الأهل المثقلين بالمدفوعات والذين يسددون مُكرهين مبالغ طائلة ومخصصات لا تمتّ بصلة إلى كلفة التعليم الفعلية. من جهتهم، "ينق" أصحاب المدارس الخاصة ويرفعون الأسعار، فيما المدارس الرسمية تشكو قلَّة التلاميذ لاستقطاب الخاص لمعظم شرائح المجتمع اللبناني. فللبناني نظرة سلبية عن المدارس الرسمية التي يُتهم أساتذتها بعدم الكفاية، وضعف اللغة الأجنبية، وقلة الاهتمام بالطالب، على رغم أنَّ معظم الأساتذة الموجودين في القطاع الخاص هم أنفسهم في القطاع العام. هؤلاء الأساتذة أيضاً دخلوا سياسة "النق". فمن منا لم يسمع بموضوع "سلسلة الرتب والرواتب" التي يعتبرها الموظفون حقاً من حقوقهم، والتي تشكو الدولة و"تنق" من جهتها من عدم القدرة على دفعها بسبب غياب الاعتمادات.

الحق في الاستشفاء لا يخلو من "النق"
وفي المجال الصحي تعلو الصرخة أيضاً، ويزداد "النق" بين الناس من مرضى وأطباء، اذ تتفاقم الأزمة الاجتماعيّة والمعيشيذة بسبب ارتفاع أسعار الطبابة والأدوية والاستشفاء. فتقول رلى "نحن لا نستطيع دوماً دفع فاتورة مستشفى أو زيارة طبيب، صرت أفضل تحمل الألم على استشارة طبيب. في زيارة واحدة دفعت ثمن استشارة وصورة شعاعية 130 ألف ليرة لبنانية، ولم يكن بمقدوري جلب الدواء لإرتفاع ثمنه. كما أنَّ مؤسسة الضمان لا تدفع إلاّ نسبة معينة من تكاليف الطبابة والاستشفاء والأدوية التي تزداد أسعارها مع ارتفاع أسعار الخدمات الصحية". بدورهم، يقول الأطباء أنَّ مناصبهم تستدعي أن يكونوا على قدر من الترتيب والحفاظ على المظهر العام من سيارة ومنزل، ولباس، إذ إنَّنا ندفع ثمن "اللقب". فيقول جاد "نحن لا نرفع الأسعار عشوائياً، فنحن أبناء هذا الوطن، والغلاء يطاولنا نحن وعائلاتنا أيضاً".

ازدواجيّة طبيعيّة ونفسيَّة
يشير الاختصاصي في علم النفس الدكتور روجيه بخعازي إلى أنّ مسألة "النق موجودة ومنتشرة لدى الشعب اللبناني كله، فمن لديه أزمة "بينق" ومن ليس لديه أزمة "بينق" خوفاً من مصيبة أو صيبة عين. ويعود السبب إلى مرور اللبناني بحروب وتجارب صعبة تولِّد لديه دوماً شعوراً بالخوف ومحاولة الهرب للخارج. كما أنَّ حبُّ الحياة بالنسبة إليه يتصاعد ويتدنى تبعاً للأوضاع الأمنية والإقتصادية. لذا، يتمثل دفاعه النفسي للتكيّف مع الوضع من خلال "النق". وللعوامل الطبيعية دورها أيضاً إلى جانب العوامل الأمنية والاقتصادية والمعيشية. فطبيعة لبنان ومناخه فيه نوع من الإزدواجية، بحسب بخعازي "عندما تعطي الأرض ازدواجية لحياة الإنسان مثل الجبل والبحر، يتأثر الإنسان بهذه البيئة الموجود فيها، وتبرز ازدواجية في حياته، وتعابيره وأفعاله، ومثال على ذلك المثل اللبناني الشهير "مين ما أخد إمي منقلّلو عمي". كما أنَّ هذا "النق" يعطي اللبناني دوماً شعوراً بالرضا الذاتي لأنه نوع من التنفيس والتعويض. هذا المواطن الذي لا يحب أن يدفع، بل يحب فقط أن يأخذ، عندما يعطي مرة واحدة يبدأ بالنق!. ويبدو أنَّ عليه أن يشغل نفسه في أمور مريحة كالقيام بنشاطات لتفريغ غضبه، ومشاهدة المسرح أو السينما، إلاَّ أنه غالباً ما يفرغ غضبه في الأكل! أما كل الأمور الأخرى فتتطلّب توافر الأموال وكيف تأتي الأموال وكيف تصرف، نكون قد عدنا من جديد الى دوامة لا تنتهي".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard