ثلاثة قصائد إلى أمّي

25 تشرين الأول 2014 | 00:00

تبّاً يا أبي، وحدها أمّي تستحقّ القصائد

أنا ابنكِ الذي تغيّرَ كثيراً يا أمي
أنا ابنكِ الذي تغيّرَ كثيراً يا أمي؛ ابنكِ الذي يصبغ شعره الطويل في كل أسبوع؛ ابنكِ الذي باتت ذقنه بيضاء قليلاً؛
ابنكِ الذي تخلّت عنه كل النساء والصبايا اللاتي تجاوزن الأربعين أيضاً؛ ابنكِ الذي فقد نصف بصره دونك، وسترافقه بعد الآن نظارة طبيّة وهو لا يزال في العشرينات.
أنا ابنكِ الذي تغيّرَ كثيراً يا أمي؛ ابنكِ الذي يلفّ السجائر؛ ابنكِ الذي لا يأكل في البيت؛ ابنكِ الذي لا يغسل ثيابه؛ ابنكِ الذي لا يستحمّ أيضاً؛ ابنكِ الذي ينام بـبنطاله الجينز في أوقات الفراغ، ويرى في طقم البيجاما كفناً أبيض؛ ابنكِ الذي يفكّر بالموت ولا يموت؛ ابنكِ الذي يمارس الجنس ولا ينجب الأطفال؛ ابنكِ الذي يكتب كثيراً ولا يقرأ له أحد إطلاقاً؛ ابنكِ الذي لا يزال يبحث عنكِ ويصرخ كما لو أنه وُلِدَ للتوّ.
أنا ابنكِ الذي تغيّرَ كثيراً يا أمي؛ ابنكِ الذي طالبَ بالحريّة؛ ابنكِ الذي كان ينتظر الرصاصة لتخرج ابنة الجيران إلى الشرفة؛ ابنكِ الذي كان يتمنى أيضاً أن يُقتَل نصف الناس من أجلها؛ ابنكِ؛ ابنكِ الغريب في كل مكان والذي تغيّرَ كثيراً يا أمي، لكنه لم يصل إلى شجاعة زعيم كندَّش ولو للحظة. أنا ابنكِ الذي تغيّرَ كثيراً يا أمي.
* * *

أنا ابنكِ المشرد جداً يا أمّي
الآن يا أمي، أحاول أن لا أتذكر شيئاً؛ أنا ابنكِ المشرد جداً؛ ابنكِ الذي يعرفه الكثيرون؛ ابنكِ الذي تعرفه الكثيرات؛ ابنكِ الذي يتخلى عنه الجميع في لحظات الشدّة؛ ابنكِ الذي تعبت ذاكرته من ألوان الحقائب في المطارات وفي الحافلات أيضاً؛ ابنكِ الذي يترك كل هذه الأشياء خلف ظهرهِ في المدن التي يود أن يخرج من سجونها.
أنا ابنكِ المشرد جداً؛ ابنكِ الذي يكره الوداع؛ ابنكِ الذي يكره البكاء؛ابنكِ الذي يكره الجيران؛ ابنكِ الذي يكره الجدران؛ ابنكِ الذي يكره الأرصفة؛ ابنكِ الذي يكره الشوارع أيضاً، تلك التي لا تزال تنقلب على وجهه الحزين كل يوم.
أنا ابنكِ المشرد جداً يا أمي؛ ابنكِ الذي يملك الكثير من الأعداء؛ ابنكِ الذي يملك الكثير من الأصدقاء؛ ابنكِ الذي ينام في بيوتهم أيضاً كما هو الآن يا أمي ويلعب مع أطفالهم.
أنا ابنكِ المشرد جداً، تعرفه كل السفارات، تعرفه مكاتب الأمم المتحدة، تعرفه كل منظمات حقوق الإنسان؛ ابنكِ الذي يحتقر كل هؤلاء، أقصد مَن ذكرتهم في الأعلى.
أنا ابنكِ المشرد جداً يا أمي؛ ابنكِ الذي يفكر الآن بأتفه الأشياء، وهو لم يعد يملك شيئاً سوى أصابعه وسرير قديم في فندقٍ لم يتلوث بقذارة السياسيين بعد!
أنا ابنكِ المشرد جداً يا أمي؛ كأغانيكِ الحزينة قبل ألفِ عام من الحزن.
* * *

أنا ابنكِ الحزين جداً يا أمّي
أنا ابنكِ الحزين جداً؛ ابنكِ الذي يتوه في ذكراكِ وهو يقصّ أظفاره؛ ابنكِ الحزين جداً؛ ابنك الذي لا ينام؛ ابنكِ الذي لا يحلم؛ ابنكِ الذي يبكي بعيداً عن الناس؛ ابنكِ الذي لا يكفّ عن التفكير؛ ابنكِ الذي لا يكفّ عن التدخين؛ ابنكِ الذي لا يكفّ عن شرب القهوة أيضاً؛ ابنكِ الذي يزوره الكثيرون وهو يهرب منهم باستمرار.
أنا ابنكِ الحزين جداً؛ ابنكِ الذي يحاور الله كل لحظة؛ ابنكِ الذي تعبده الجميلات؛ ابنكِ الذي يضاجعهنّ حزيناً.
أنا ابنكِ الحزين جداً يا أمي؛ ابنكِ الذي سيترك الصحافة؛ ابنكِ الذي سيترك كتابة الشعر؛ ابنكِ الذي سيترك النصوص الساخرة؛ ابنكِ الذي لن يكتب سطراً بعد الآن؛ ابنكِ الذي سيترك كل شيء؛ ابنكِ الذي لن يعود إليكِ أيضاً.
أنا ابنك الحزين جداً يا أمي؛ ابنكِ الذي يبحث عن طوقٍ للنجاة في رؤوس الكلاب؛ ابنكِ الحزين جداً؛ ابنكِ الحيّ؛ ابنكِ الميت؛ ابنكِ المسافر؛ ابنكِ الضائع؛ ابنكِ المدخن؛ ابنكِ الغامض؛ ابنك المجهول؛ ابنك الفوضوي؛ ابنكِ الوحيد؛ ابنكِ الأوحد؛ أنا ولدكِ الكبير؛ أنا نجلُكِ وابنكِ العاطل عن العمل أيضاً؛ ابنكِ الذي أنجب نفسه بنفسه؛ ابنكِ الحزين جداً يا أمي، الغارق في الوجع دونكِ
ابنكِ الذي يبحث عن الله ليقول له شيئاً واحداً قبل موتهِ: "أنا مثلكَ أيضاً وحيدٌ جداً". هذا أنا يا أمي؛ ابنكِ الذي لا يزال يعدّ أصابعه ندماً على غيابكِ.
* كاتب وصحافي سوري

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard