شذرات - رشّة ملح

18 تشرين الأول 2014 | 00:00

البحث عن عقلاء
في العام 1779 نشر كريستوف مارتين ﭬيلاند (1733-1813)، وهو واحدٌ من أهم كتّاب عصر التنوير في الفضاء اللغوي الثقافي الألماني، قصة هجائية ساخرة عنوانها "قضية ظل الحمار"، وهي واحدة من مجموعة قصص وحكايات بدأ بنشرها في مجلته الأدبية "عطارد" في العام 1774 وانتهى منها في العام 1780، وكانت تحت عنوان "الأبديريون"، نسبةً إلى أهل مدينةٍ يونانية قديمة تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد وتدعى أبديرة حيث كان قدماء الأغريق يضربون المثل بغباوة أهلها على رغم أنها أعطت اليونان أربعةً من أهم فلاسفته: لويكيبوس، ديموكريتوس، بروتوغاراس وأنَكسارخ.
ملخص القصة أن رجلاً استكرى حماراً من مالكه لقاء مبلغ من المال، وفي اليوم التالي اختلفا في ما إذا كان ظل الحمار ضمن عقد الإيجار أم لا، فذهبا إلى القضاء الذي لم يستطع الحسم فوراً وتحولت المسألة إلى قضية رأي عام تدخل فيها السياسيون وانقسم أهل المدينة حولها فريقين بين مؤيد ومعارض حتى تقاتلا. بعد كرٍّ وفرٍّ واقتتالٍ طويل ذهب ضحيته عدد كبير منهم، انتبه أحد العقلاء فيهم إلى أن الحمار الذي كان وسط الطرفين قد تمزق إرباً ولم يعد هنالك من ظلٍّ يتقاتلان من أجله، وعندما نبّههم إلى ذلك استجابوا فوراً لتعقله وحكمته وأوقفوا القتال.
أنتهز هذه الفرصة لإعلان البحث عن عقلاء في مدينتنا المضطربة ممّن يفهمون في ظل الحمير، وليس مشروطاً بالطبع، أن يفهموا في الحمير.
* * *
فوضى متواصلة
في مقطعٍ حواري من رواية "بريد بغداد" للروائي التشيلياني خوسيه ميغال باراس، التي تجري حوادثها بين بغداد وبراغ وسانتياغو في ستينات القرن الماضي، زمن المد اليساري واندلاع حركات التحرر الوطني التي سرقت صفتها الانقلابات العسكرية، أخرج بينيتو إحدى القصاصات من جيبه وقرأ أمام صديقه الرسام التشيلياني هويركيو بالفرنسية ما ترجمته: "في بلاد ما بين النهرين كانت الألفية الثانية قبل المسيح شبه فوضى متواصلة".
فردّ الرسام: "يا للخبر الجديد، وبماذا تختلف تلك الفوضى المتواصلة عمّا يجري الآن في الألفية الثانية بعد المسيح؟".
أجاب بينيتو بوقار: "سؤال صحيح".
ثم أضاف فجأةً: "وكانت كذلك أيضاً في الألفية الأولى قبل المسيح والألفية الأولى بعده".
يا سلام على الألفية الثالثة بعد المسيح. هل من جدوى هنا لإعلان البحث عن عقلاء مرةً أخرى؟
* * *
بسيطة!
يرى عالم الإجتماع الفرنسي غوستاف لوبون أن التغييرات الحقيقية التي تؤدي إلى تجدد حضارة ما، هي التغييرات التي تصيب العقائد والأفكار، وأن الشعب كائن عضوي لا يتغير إلا بالتراكمات الوراثية البطيئة.
بسيطة، يا مسيو لوبون!
* * *
درجات
قال اللون الأسوَد: أنا أقل درجات الأبيض.
وقال اللون الأبيض: أنا أقل درجات الأسوَد.
على رغم ذلك، تناكفا، ولم يعترف أحدهما بالآخر.
* * * 
في السياسة
قال أحدهم بأن السياسة تعبيرٌ مكثّف عن الإقتصاد.
فردّ آخر بأنها تعبيرٌ مكثّف عن الإيمان.
واعترض ثالث فقال: لا، إنها تعبير مكثّف عن التضحية بالآخرين.
فردّ رابع بأنها تعبيرٌ خبيث... عن المكثّف.
* * * 
اعتذار سياسي
اعتذر أحد الزعماء السياسيين لقرينه الآخر قائلاً: أود الاعتذار عن شعورك بالإساءة بسبب ما قلته في حق بلادك، فذلك لم يكن عن قصد، لكنه بالتأكيد... لم يكن مصادفة!
* * * 
النيرونات
قطرةٌ من سكّين وقطرةٌ من طائرات، تكفيان لحرق روما وإعادة تشكيل جزر اليابان على طريقة النيرونات: نيرون الحرّ، نيرون الديكتاتور، نيرون المؤمن، نيرون الملحد، نيرون التكفيري، نيرون المعتدل، نيرون المقاوم، ونيرون المستسلم.
نيرونات العصر يتسلقون الأبراج ليشاهدوا ضحايا الحريق.
ألسنة اللهيب تردّد: "نيرون مات وروما لم تمت".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard