أسامة محمد: في سوريا نافورة صور لن تتوقف والثورة لحظة لا تنتهي

4 تشرين الأول 2014 | 00:00

مع "ماء الفضّة"، يعود أسامة محمد الى السينما بعد سنوات من "الاستبعاد" البصري. التراجيديا السورية، العبارة التي سيكررها مراراً في حوارنا المتدفق معه في لوكارنو، كانت المسوّغ لإعادته الى خلف الكاميرا وإنزاله في أحشاء الصرخة التي يطلقها. يعود يحمل كاميرا لم يحملها طوال مساره، الا عندما كان يشعر بضرورة حملها. أسامة محمد لم يصنع الأفلام الا عندما كانت لتلك الأفلام القدرة على مناداته أو مناجاته، وعندما كانت للصورة التي يريد التقاطها صدى في ضميره السينمائي. كأن الأفلام القليلة التي قدّمها، هي التي بحثت عنه لدعوته إلى الكلام والتوثيق والبحث المتجدد في مقترحات اللغة المتبدلة بين مرحلة وأخرى.

أنجز أسامة محمد "ماء الفضة" بالاشتراك مع وئام سيماف بدرخان. فتاة كردية كتبت له تسأله: "ماذا كنتَ صوّرتَ لو كنتَ أنتَ وكاميراتك في حمص في هذه اللحظة؟". عندما طُرح عليه هذا السؤال، لم يكن يعلم بعد أن اللقاء الالكتروني بينهما سيخلص الى تحفة سينمائية تُعتبر أول وثيقة مهمة عن النزف السوري المتعدد، هذا النزف الذي يجري ضمن نزاع أكبر ينتظر العالم أجمع فصله الأخير.
الشريط الذي أشادت به الصحافة الفرنسية المتخصصة خلال عرضه في مهرجان كانّ الأخير، يقدّم شهادة مؤلمة عمّا يحصل في "بلاد البعث" منذ انطلاق الشرارة الأولى للثورة السورية في درعا. تحرك شعبي يصفه المخرج بهذه الكلمات: "من بانياس الى درعا مشى السوريون. مشوا ألوف الكيلومترات. مشى السوريون أغرب ماراتون في التاريخ. 42 عاماً يرفعون صورة الفرد. اليوم، بدأوا مشيهم المعاكس. مشي ضد مشي. 42 كلم - يا للمصادفة - هي المسافة بين درعا والقرى المحيطة بها. مشاها أهل القرى ليفكّوا الحصار عن الحرية".
استعان أسامة محمد بمشاهد صوّرها ناس مجهولو الهوية ورفعوها على موقع "يوتيوب". واقع جديد دفعه الى مساءلة دوره كمخرج، والتأمل في المسؤوليات الملقاة على عاتقه خلال هذه المأساة التي جعلته ينتقل من كونه صانعاً للصور الى كونه متفرجاً سلبياً لها. مأساة داخل مأساة...
فعندما يُقتَل سينمائي شاب مثلاً، كأنه يهمس في أذن أسامة محمد: "ليش ما بتصوّر انت؟ ايه تعا صوّر انت". الفيلم يبرز حكاية المشاركة هذه، بين أسامة وسيماف، من خلال مراسلات وصور متداخلة، وكلمات قاسية يولد بعضها من البعض الآخر، فينتهي الأمر بحوار بين الذي في قلب النار (حمص) والذي على أطرافه (المنفى). قليلاً قليلاً، تولد درّة سينمائية سيكون اسمها سيماف، باللغة الكردية، أيّ "ماء الفضة".
يقحمنا الفيلم أيضاً في أروقة السينما، من هيروشيما الى غودار (لا يعترف أسامة محمد بأيّ تأثير للمخرج السويسري عليه)، مروراً بكل وسائط الاتصال العصرية. صوت المخرج حاضر، يتردد صداه داخل الفيلم وخارجه: "أنا أسامة محمد، غادرتُ سوريا صباح 9 أيار 2011، يوم النصر على الفاشية. ذاهب الآن الى كانّ، بلا فيلم. أنا الفيلم. سينمائي سوري بألف صورة وصورة. ذاهب بها لأقولها، لأتكلم".
¶ بعض المخرجين يعجز عن التعبير وسط المأساة وفي قلب الحدث ــ التراجيديا. كاميرتك لم تعرف هذا العجز. تجاوزت الحدث الى شيء ناضج وشاعري يشبه شخصيتك السينمائية...
- لا معيار يُعمَّم على جميع المخرجين أو على جميع البشر، سواء يتعلّق هذا الأمر بالحياة والحبّ أو "صناعة" الفيلم، على رغم أني لا أحبّذ مفردة "الصناعة" عندما أتحدّت عن السينما. لا علاقة للصناعة بنا وبتاريخنا. "صناعة فيلم" تنتمي الى عالم لا ننتمي إليه. الحياة، والتجربة، والظرف والبنية الفكرية، تجعل المرء يفكر في أنّ السينما مبرر أساسي لوجوده في هذه الحياة. إما أن تُكافئ فرصة الحياة، وإما أن لا تكافئها. هناك خلايا داخلية إما تؤدي الى وجود فيلم وإما لا تؤدي. ليس ثمة سبب للسرعة. المعايير والحواس الإنسانية والفنية هي التي تعلمك اذا كان ما بلغته أو تكاد تفعل، يستحق أن يأخذ وقت الآخرين. هل هذه هي الخلايا التي تودّ مشاركتها مع البشر، لتكون بداية الحوار مع الآخر؟ في رأيي، السينما من أرقى لغات الحوار مع الآخر، ولا ترقى الى كونها حواراً ما لم يُضِف المؤلف، أو "صانع الفيلم"، مليمتراً جديداً أو خلية جديدة أو سؤالاً جديداً نحو المعرفة. الفارق بين الحوار وادعاء الحوار أو لعبة الحوار أو انتاج سلعة بما فيه تراجيديا كالتراجيديا السورية، موضوع خطير. في الحقيقة، ما يؤرقني الخطر الشخصي، ليس بمعنى خوفي على الذات، بل الخوف منها. اريد أن اعرف الى أي درجة أنجزتُ واجبي في أن تكتب التراجيديا فيلمها. هذا كان جواباً عن سؤال بسيط عن التأنّي. التأني مستويات. كانت هناك أسئلة لا حدود لها تطرحها التراجيديا السورية المكتوبة بالصور. كان لا بد من محاولة كسر اللغة النمطية بالفيلم والحياة والعيش، بدءاً من أفلام الفيديو القصيرة التي كان مصدرها الـ"يوتيوب"، لماذا عليّ أن أسمي المادة البصرية "يوتيوب"، وأحبسها في المصطلح؟ لم أكن أريد أن يصنع الآخر فيلماً في مخيلته ما إن يسمع كلمة "يوتيوب". أبدأ بالقول إنها صور التقطها بشر وجدوا أنفسهم لا يستطيعون ألاّ يصوّروا هذه اللحظات. هذا يشبه السؤال الذي يطرحه السينمائي على نفسه. السينمائي الذي لا يريد أن يبيع سلعة، بل أن ينتمي الى التاريخ الإنساني، بمعنى محاولة إضافة نقطة ماء قليلة الى المنجز الجمالي. هذه الصور التُقطت في لحظة استثنائية. ستجد نفسك أمام مادة استثنائية برمّتها. الأسئلة تتوالد من غير توقّف، كما في المُنتَج الدرامي. ستجد أنك داخل ملكوت الحيرة والأسئلة. كيف تعثر على الـ"باسوورد"... فتبصر، وتكتب بصرياً من هذا الكمّ الهائل جوهر اللحظة التي خلقت هذا الكمّ الهائل من الصور التراجيدية.
¶ هل راودتك شكوكٌ عن احتمال أن لا يكون فيلماً؟ كيف ستصنعه والى أين سيتجه؟ هل جمعت بينك وبين الفيلم علاقة عضوية؟
- أنا في حال الشكوك الكبرى دائماً، وأدرك كم كانت منهكة ومعذبة. طالما مررتُ في هذا النفق المهلك من الأسئلة في الأفلام التي أنجزتها. يروقني "اللعب" مع نفسي "لعبة" تبدأ باللغة من اللغة. من اللغة المكتوبة الى البصرية، أو من تلك غير المكتوبة وغير البصرية. من لغة المخيلة نفسها. لـ"اللعب" في هذه الحال طعمٌ مغاير. لماذا عليَّ أن أسمّيه فيلماً؟ ثمة حالٌ استثنائية نادرة غير متكررة: ذروة التاريخ. أحد الاكتشافات التي أنجزتها الثورة السورية يتعلّق باللغة. هو أن تشعر بأنّ اللغة ما عاد يمكن أن تقول ما كانت تقوله البارحة. حتى اللغة الأدبية وتسمية الأشياء ووصفها. واجهتُ ذلك في النصوص التي كُتبت في آذار 2011. شعرتُ بأن بعض الجُمل لم يكن صالحاً في اللحظات التي كنتُ أكتبُ فيها. هذه المفردة لم تعد إياها التي كانت منذ زمن. حتى الذي ظننته صالحاً، واعتقدتُ أنني متمرّد فأفعله كما أهوى، لم يعد صالحاً اليوم. هناك شيء مختلف ليس من السهل تسميته. ثمة مفردات نضطر الى قولها لأننا لم نخترع مفردة جديدة بعد تغنينا عن القديمة. الأمر عينه بالنسبة الى الفيلم. لم أطلق عليه تسمية فيلم. ولم أسمّه تجريباً أيضاً. "التجريب" من مخلّفات الكسل التفكيري في السينما. وهل ثمة فيلم عليه القيمة في تاريخ البشرية من غير أن يكون تجريبياً؟ التجريب هو القدوم نحو المنطقة الجديدة. اختراع المنطقة الجديدة، بدءاً من المخيلة الى أدوات السينما. لم يصنع فيلليني فيلماً إلا وكان تجريبياً. جزءٌ منه كان غير مجرَّب، فراح يجرّبه. لم أسمِّ الفيلم فيلماً. إن عدتَ وشاهدتَ "ماء الفضة"، فستقرأ بالعربية: "هذا فيلم ربما من ألف صورة وصورة، صوّرها ألف سوري وسوري، وسورية واحدة". لنبدأ الحديث عن اللغة والسينما انطلاقاً من هذا. وضعتُ كلمة "ربما" تحت كلمة "فيلم" لأنّ الفيلم مسار ما يُسمّى "ولادته". الفيلم مسار وصوله الى لحظة كونه حقيقة بصرية. أمام لحظة بدئه، لم يكن فيلماً. "ربما" في اللغة تعني "هذا فيلمٌ ربما"، "وهذا فيلم ربما من ألف صورة وصورة". يصحّ المعنيان. أدركتُ أن ثمة شيئاً ما، كتابة بصرية ما، بدأت سوريا اختراعها، وراحت تعبّر عن ذاتها عبر الصور. إذا تملكتكَ رغبة في اكتشاف خلاياك، فستجدكَ أمام واقع من البحث المضني. البحث استغرق 11 شهراً، فتجدد الشكل اللغوي، ليصل هذا المنجز الى ما وصل اليه. في البداية، لم يكن يشبه الشكل الذي هو عليه اليوم. التراجيديا كونٌ من التفاصيل، والعمل على اختيار التفاصيل سؤالٌ مقلق جداً. فالتفاصيل قد تشرح ما قبلها أو ما يليها، فتنتهك جمالية التراجيديا: أيّ الشهداء أجمل، ما هو الجمال؟ هل الرجل الممزق المفجر الرأس الجالس على كرسي، لقطة جميلة؟ التراجيديا في قوّتها الداخلية النابضة. التراجيديا عُرِّفت بأنها "موتٌ أو فناءٌ أو توقفٌ أو دمار قوةٍ كانت لا تزال في أوج طاقتها على العطاء". التراجيديا هي الألم المستقبلي. فيها رسالة للمستقبل، وقتل للزمن الآتي. للحظة، تتوقف الطاقة التي يمكن أن تكون للزمن المقبل عن ولوج اللحظات التالية. التراجيديا ألم المستقبل. التراجيديا السورية تراجيديا مختلفة تكتب نفسها بنفسها، بصورها وعالمها وجماليتها ولغتها المحكية والمكتوبة والمصوّرة. كانت الثورة السورية منجزاً جمالياً استثنائياً. ما أقوله الآن، يسألَ ضميرك المهني ويسألكَ عن طاقاتك الدفينة. صار مبرر الوجود الإنساني والسينمائي بالنسبة إليَّ، أن أعثر على كل ما قد اختزن من طاقة ومخيلة، لحماية رواية الضحية من أن تفنى وتداس، كما حصل مع الحالمين بالحرية الذين أطلقوا الثورة السورية، ولا يزال يحصل سواء مع النظام في البداية، ثم مع النظام والإسلاميين والجهاديين وغيرهم. الضحية تقريباً نفسها والقاتل يتعدد.
¶ نحن في زمن حرب الصورة، والفيلم يطفح بالصور. هل كان من الصعوبة التمييز ما بين الصور الحقيقية وتلك الزائفة المعرضة للتلاعب؟ هل خضتَ هذا البحث، أم أنّه لم يشكّل لك همّاً؟
- بالطبع! لا يحقّ لي الكذب في هذا الفيلم أو سواه. السينما لا تحتاج الى الكذب. لا روائياً ولا وثائقياً، ولا ما بينهما. السينما في قوّتها الداخلية محض أبجدية. ككل أبجدية، اذا استعنتَ بها، فذلك لقول شيء لم يُقَل. لا يتجزأ إيماني بالسينما واللغة والأبجدية. لا أنجز بروباغندا لألجأ الى صور مخادعة. الفيلم ليس لأقول إنّ النظام فاشي وقاتل. الأمر بالنسبة إليّ بديهي، منذ سقوط أول شهيد في درعا، ومنذ أول تصريح رسمي ينكر أن هذا الشهيد قُتل على يد النظام، ومنذ أول لغة رسمية تتهم القتيل بأنه قتل نفسه. النظام في روايته عن نفسه ألف "جمالية الشر". هذا النظام ينتمي الى ثقافة مضادة للحياة ومعاداة الإنسان. لا أقدّم فيلماً لأصف حال النظام، ولن أقبل بالبروباغندا حتى حين تناصرني. اللغة والجمال كفيلان بكشف فساد خلاياه. قمتُ بأنواع الأسئلة والبحث كافة، وشاهدتُ بلا توقف ما تنبغي مشاهدته.
¶ مصدر المعلومات لديك وأنت في فرنسا، هل كان الانترنت؟
- المصدر صورٌ التقطها سوريون وسوريات، صور تكتنز قوة جمالية وتعبيرية وانسانية عالية، إذا لم تُنتَهك بامرارها في "ماكينة لحوم" كتلك في الأخبار والمناظرات السياسية. الصور لحظة استثنائية في دفاع الإنسان عن حقه في الحياة، فيصبح اسمه "الحرية" في هذه اللحظة من حياة سوريا وتاريخها. هذه المادة (الفيلم) ملكٌ لكَ، كما أنها ملكٌ لي. كان يمكن أن تنجزه أنت. الفيلم لم يُرسَل إليَّ، بل للبشرية جمعاء. كأنه رسالة استغاثة، كحاجة أحدهم الى صوغ هذه الحقيقة، ثمّ نثرها في الهواء... لتحيا.
¶ ولكن هناك الكثير من نفسك في الفيلم، انطلاقاً من صوتك على الأقل...
- بالطبع. لكننا لا نزال نتحدث عن الصور.
¶ (مقاطعاً) هل تفصل الصوت عن الصورة في الفيلم؟
ـــ لا! لكنك مَن يسأل عن الصور. مشاهدة الفيلم تكفي لتلاحظ أنني لا أفصل بينهما. منذ اليوم الأول، وفي مخيّلتي فيلمٌ أبنيه. ظلّ يتجدد في رأسي عشرين مرة. شعرتُ بأن ثمة إمكاناً للغة غير مكررة. اكتشفتُ نفسي، في لحظات، كنت "أصحح" فيها الكاميرا (الكادر وتكوين اللقطة) لشاب يصوّر على ملمس مليمتر من الموت. فرحتُ أهزأ من نفسي. هذا كله يدخل ضمن بنيتي الشخصية في تكوين الفيلم. إنها رواية الزمن الآخر، أو الرواية الأخرى. سردٌ شخصي داخل السرد الكلي. هو ليس شرحاً ولا تعليقاً ولا دعائياً على الاطلاق. إنه اعترافي الشخصي برحلتي مع الحكاية، بدءاً من الهزء وأنت تخاطب أحدهم بالقول "حرِّك الكاميرا في هذا الاتجاه"، وأنت تعلم أنه قُتِل. أنت السينمائي في موقع تفرُّج، وهو يحمل الكاميرا! تُنتِج هذه الخلايا مادة سينمائية متعددة الغنى والمستويات.
¶ هل كانت لديك مشكلة برؤية غير السينمائي يصوِّر، وأنت السينمائي لا تفعل؟ هل يُزعجك أنه يسبقك في توثيق اللحظة؟
- تقول لنفسك انك ارغمت ولم تستطع أن تكون، ثم تكتشف أنّ في داخلك خطاباً ثانياً يفرض نفسه في آن واحد. خطاب يسألك عما تتفوّه به، ويجعلك تدرك أنّ هذا الكلام لا ينقذك ولا ينقذ روحك، ولستَ مستعداً أيضاً لقبوله. ثمة ما لا يمكن أن تتصالح معه: أن تراقب الصورة وأنتَ "آمن". ولّدت سوريا المعاصرة بعد 2011، ظواهر عاشها أفراد تتعلّق بسؤال الضمير نفسه: كيف يمكن ان تتصالح مع لحظة يدفع فيها الآخرون ثمن انتزاع حق الحياة والحرية. السوريون يدفعون حيواتهم مقابل الحقّ البسيط بالحياة، وأنت على مسافة. "المسافة"، هي هنا المفردة الأدقّ.
¶ لم تأتِ بعد على ذكر سيماف بدرخان، ألا تريد الحديث عنها؟
- أتّبع تسلسل أسئلتك. سيماف هي الفيلم. لا وجود له من دونها.
¶ (مقاطعاً) الفيلم فيلمان: فيلمك وفيلهما يتواجهان، ليس بمعنى المواجهة، بل الحوار...
- يمكن أن تقرأ السينما كما تحب. لكنّ تعدُّد القراءات لا يعني تناقضها. أجد الفيلم واحداً. هو المكان، واللحظة التي بلا نهاية. لحظة الحياة والموت في انعدام الفارق الزماني والمكاني بينهما. الثورة لحظة لا تنتهي، وحكايات مُكتَشفة في داخلها حكايات أخرى، تسير معاً في الوقت عينه. فيلمٌ واحد يجمعني بسيماف وألف شخص آخر. ولكن، ما كنا لنعي أنه يجمعنا، حتى لحظة اكتشافنا ذلك داخل الفيلم. صحيح انها لم تكن موجودة في بدايات الفيلم، لكني سألتُها في ما بعد وعلمتُ انها كانت ترى الأمور عينها التي أراها ويراها السوريون جميعاً: كنا نرى أنّ اللحظة الفارقة في الحياة هي العبور نحو سوريا الجديدة. الجمالية الكبرى والذكاء الخارق للشعب السوري في بدايات الثورة كانا بمثابة اقتراح مَخرج للجميع. كان حلاً لسوريا وجميع السوريين، لا يلغي أحداً ولا يُسيل قطرة دم. إنه الجمال بذاته. كنتُ أراقبُ البدايات، وكانت سيماف تراقبها ايضاً، كالسوريين جميعاً. إن عدتَ الى اللغة السينمائية للفيلم، فستكتشف أن الموسيقى في الفيلم هي صوت سيماف والسرد الثالث للحكاية. فصور المتظاهرين والناشطين سرد، وصوتي الذي يقول زمني الشخصي في العلاقة مع اللحظة سردٌ آخر. وصور سيماف وصوتها ورسائلها سردٌ ثالث. وحين نتراسل يلتقي السردان في رحم السرد الأول: صور المجهولين. وسرد آخر للحكاية يتجسد عبر الموسيقى و"الهامينغ" التي أنجزتها نعمى عمران [المحرر: زوجة أسامة محمد، وهي مغنية أوبرا ومؤلفة موسيقية]. مع ظهور سيماف في الفيلم، تكتشف ان الموسيقى التي بدأت الفيلم هي سيماف. كان هذا صوتها ووجودها. كانت روحها تهمهم "الهامينغ" في بدايات الفيلم. أعتقد إن اللغة الفيلمية تقول هذا، خاصة حين يصبح كلام سيماف ورسائلها أغنية "هفالو"، من نوتات "هامينغ" نفسها. اذاً، هذا القسم الذي تقول انه فيلمي، ليس فعلاً فيلمي، لأن سيماف كانت موجودة فيه، كانت موجودة في موسيقاه واللاوعي والروح. وحين كانت سيماف تختفي وتنقطع صورها، بفعل القصف وانقطاع الانترنت، كانت صور الناشطين في حمص تعود لترمم من غيابها المادي. كنت ابحث عنها في اي صورة من حمص ريثما تعود فترن.
¶ كيف جرى اللقاء بينكما؟ يُحكى أنه جرى عبر الانترنت...
ـــ هذا صحيح. في ليلة عيد ميلاد السيد المسيح 2011 - وهي ليلة مهمة بالنسبة إليّ. [المحرر: يحملنا الحديث الى الخروج عن اطار السؤال والحديث عن عيد الميلاد، وهذا ما يقول عنه اسامة محمد: أحبّ عيد ميلاد السيد المسيح، كما أحب السينما والأدب والشعر والروايات الجمالية، وغاندي ومانديلا. قصة المسيح ساحرة، أدب جمالي ساحر. المسيح من الحكايات العظيمة في مخزون البشرية. كنتُ أحيي العيد وعائلتي مذ كنت صغيراً. اذا كنت تعرف سوريا، فسوريا لم تكن طوائفية، كانت الطوائف نائمة في التعايش. عيد المسيح كان عيداً للجميع. لم تتغير الأمور كثيراً بعد 2011، وإن تراءى نقيض ذلك. صحيح ان ما ظهر الى العلن على مستوى الطوائف (بعد ان انهك العنف مناعة المجتمع) جاء في منتهى الفظاعة، ولكن تصعب معرفة الحقيقة تحت مظلة الخوف والعنف التي غطّت سوريا. هل تشاطر 90 في المئة من الطوائف مَن ينطقون باسمها العداء للغير، أم تختلف واياهم؟ غالب الظنّ أن الاحتمال الثاني لا يزال راجحاً حتى اليوم. في رأيي، ترفض الغالبية تأييد العنف المتعدد، لكن الانفجارات أخرجتها من اللقطة]. اذاً، في ليلة الميلاد، وصلتني رسالة من شابة لا أعرفها. قالت إنها موجودة في حمص وإنها كردية ستموت حرة. قالت: سأموت حرة يا صديقي. وسألتني ماذا أفعل لو كنت محلها، بالكاميرا طبعاً. هذه حقيقة اللقاء. من 2011، حتى مهرجان كانّ ونحن نتراسل يومياً. أخبرتها أنني في صدد التحضير للفيلم، وسألتها إمكان أن ننجزه معاً. لم أضع له أي عنوان. خلال عملية انجازه، كان بلغ الدقيقة الأربعين من غير أن يحمل اسماً. اتخذ له اسماً لحظة ظهور سيماف. "سيماف" بالكردية تعني "ماء الفضة"، فغدا اسمه "ماء الفضة". جميلٌ أن نضع عنوان الفيلم في منتصفه. من السذاجة التزام وضع العنوان في بدايته أو بعد ثلاث دقائق على هذه البداية، أو حتى في نهايته.
¶ إنه أسلوب غودار؟ وأنت معروف بتأثرك به.
- أبداً.
¶ ثمة رابط بينكما، وللمناسبة عُرض فيلمك تزامناً مع فيلمه في مهرجان كانّ الأخير. هناك إحساسٌ بالمكان والزمان، وطريقة القطع - لن أسمّيه مونتاجاً - وكيفية تقطيع المَشاهد والقفز بينها...
- أنا لا أسمّيه مونتاجاً أصلاً. لا أطلق التسميات المتداوَلة. وضعي العنوان بعد 40 دقيقة، لم يكن بغرض التجديد. في إمكان الجميع القيام بما لم يُنجَز بعد، إن كانت للحرية في داخله قيمة حقيقية. لستُ متأثراً بغودار. لم أتأثر به مليمتراً واحداً. الحرية الشخصية ملك البشر أجمعين، قوامها محاولة أن تكون حراً. لا يتحقق ذلك بيوم أو يومين. كنتُ لأفشل لو أنجزتُ الفيلم وفق تأثري بغودار. لا أحد يمكنه أن يقلِّد أحداً بهذا الشكل. ماذا ينقص السينمائي ليقدِّم فيلماً خاصاً، طالما أنه يحترم إنسانيته ولغته وحريته الشخصية؟ لا يملك أحد أن يقنعك ببناء مشهد وفق تصوّرات فلان. ستشعر أن في داخلك حقيقة أخرى، شكلاً جمالياً مختلفاً...
¶ هل التأثر بالآخرين عادة سلبية؟
- المنجز الجمالي والقيمة الجمالية هما ملك البشرية بأسرها. لستُ من متابعي غودار، على رغم أني أفقه سينماه واعرف ما الذي أحبه في أفلامه. لكني ببساطة، أعمل من أجل حريتي حتى في السينما. الحرية هي اللغة. أعمل من أجل حريتي الشخصية وحرية اللغة، فأكتشف أن الجملة التي أكتبها اليوم هي غيرها المكتوبة أمس، لأن معناها في الذاكرة الجمعية يتغيّر، وأبحث عن بديل منها. حين أنجزتُ "ماء الفضة" وما سبقه، لم تكن الغاية إنجاز المختلف. بحثتُ عن لغتي وما أريد قوله. مخيلتي هي أعزّ ما أملك.
¶ يروقني في سينماك اللقاء بين "السياسي" بالمعنى الكبير، والشاعرية. هذا نادر وجوده في السينما، وقلّة تحقق به النجاح...
- لنعد الى غودار. كتبت الصحافة الفرنسية عن تأثّري به. هو بالطبع فخرٌ سينمائي وإنساني وفكري، ويروقني أن يُؤتَى على ذكر قاسم مشترك بيننا. اعرف الشعر العربي جيداً منذ الجاهلية وما قبلها وبعدها، وكذلك القيم الجمالية التي تتكوّن منها ثقافة القصيدة. كلّها عناصر سحرية تكوّن الإنسان ليصبح ذا بنية جمالية في الفهم والتواصل والدلالة الى الأشياء التي تضجّ في داخله. لا مفر من عودة المرء الى التربية والطفولة. والدي الذي تجاوز الـ95 عاماً، يُرخي أثراً فيَّ ألوف المرات أكثر مما يمكن لغودار أن يفعل. لم أتأثّر بغودار ولا بسواه، من غير أن يعني ذلك أنني مستقل عنه، أو أنه هو نفسه غير مستقلّ عن سواه. فينا جميعاً جوهر الثقافة العالمية. سأقول لك كيف يتأثر المرء: يتأثر المرء حين يملك رغبة في القفز نحو الهاوية. ويشعر ان الأمان الحقيقي هو القفزة. فهي يمكن ان توصله الى مكان أكثر أماناً. لا تعود تسمية الهاوية تجوز في هذا اللحظة. عندما ترى أحداً كغودار يقفز، يغامر ويواجه بأسلوب مختلف، تكتسب كل القوة لتشعر بأنّ حواسك تؤدي وظيفة صحيحة. لا شيء يستدعي الخوف سوى خيانة النفس بالمواربة سواء في التأثر عمدا أو الغرف من لغة أخرى. لا معنى لحياة قائمة على الاستعارات، باستثناء الاعتراف بأنك تستعير الطاقة والثقة من هذا العمل الفني او ذاك، لا أن تسرق وتدّعي أنك تملك.
¶ ما التبرير السينمائي لتكرار بعض المَشاهد في الفيلم؟ هل هي تقنية للتأثير في المشاهد؟ وصفتُ ذلك بأسلوب البروباغندا المُراد منه أن يدخل العقل الباطني للجمهور...
- دعني أستعيد مشهداً مكرراً لأفسّر لك. سترى أنّ صوت الولد في بداية الفيلم مثلاً، تكرارٌ يفتح في كلّ مرة أفقاً جديدا. يظهر في البداية صامتاً، كونه الحقيقة والمجاز للكائن السوري أو الكوني الذي يولد تحت آلة العنف والسؤال الوجودي العاجز عن التنبؤ بلحظاته الآتية، فيتكوّر ويعود جنيناً في حاجة الى ولادة جديدة. يظهر ثانية مع صوتي الذي يردد أسئلة طرحتُها على نفسي حين رأيتُ الصورة للمرة الأولى، فأصبح أنا هو. يُختَم المشهد بالقول إنه "حين رأيتُ ما رأيت رأيته أنا، وقبّلتُ معه الحذاء". أتحدّث عنه كمراهق. الأمر يشبه السينما الروائية التي تتغلغل في أعماق الشخصية. الصبي هنا، لا يغدو مجرد شخص اعتقل واقتلعت أظفاره، أو ضحية النظام. إنه كائن مراهق ظلّ حتى الأمس ربما يفكّر في الصبية التي يهوى. هذا انتقال من مفهوم الضحية الى مفهوم الكائن الفرد واحياء لزمنه الداخلي، المُراد منه استعادة فردانية هذا الشخص الموجود في الصورة. صورة الولد في البداية ليست خطأ فردياً أو حدثاً يقع بالمصادفة، انها فلسفة خالصة. ذلك أنك سترى في الفيلم "ثقافة" مغايرة، وأنماطاً من السلوك والتفكير، كالرضوخ وتقبيل الحذاء في غياب مَن يأمر الفاعل بتنفيذ هذه السلوكيات مباشرة.
¶ كيف تقوِّم ماضيك اليوم وانت على مسافة منه؟ هل تعيد النظر في الأفلام التي أنجزتها، فتقول مثلاً ليتني لم أفعل هذا أو ذاك؟
ـــ دعني أعود الى سيماف قليلاً. تحضر فكرة مهمة في بنيان الوحدة الكلية لما يُسمّى فيلماً. هناك صور في هذا الفيلم لبشر مجهولي الهوية، منهم من قُتل "ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً"، كما يرد في القرآن. حكاية هؤلاء البشر التي أبحث عن صوغها صوتياً وبصرياً، هي أيضاً حكاية ولادة السينما. اللحظة هذه انفجارٌ سينمائي في سوريا، فيه أشكال التعبير كافة التي مرت في تاريخ السينما. ثمة لقطات تحاكي السينما منذ 100 عام واخرى تشبه سينما لم تحدث بعد. على المرء أن يمتلك الجرأة ليقول إن هذا شيء لم يسبق أن أُنجِز، ومَن أنجزه ليس سينمائياً. شابةٌ من خارج عالم السينما أنجزته. سيماف هي الحرية. أردتُ اللحاق بها فوجدتُ الفيلم يسبقني نحو الخطوة. الوحدة في الفيلم موجودة. بلغ أحد مجهولي الهوية لحظةً شعر أنه لا بدّ من تطوير اللقطة، فطرق عليَّ الباب. سيماف واحدة من الذين نزلوا الى الشارع ووثّقوا التظاهرات. شعرَت أنها في حاجة إليّ في اللحظة التي كنت في أمسّ الحاجة إليها. هي سوريا التي جعلتنا نلتقي. ما يستحيل تكراره، لحظة طرق الباب هذه. هي استنباط المادة الأولى للفيلم، وفهم ضرورة اللحاق بسيماف من غير أن تترك للتأليف والإخراج التمادي في الشروط النظرية. السينما الحقيقية إدراك أنك أمام إنسان عظيم في لغته المكتوبة والمصوّرة، وروحه الإنسانية، فتكتشف أنّ سوريا التي تؤمن بها هي هذه الشابة الكردية، وأن تتبعها، وتترك للفيلم في هذه اللحظة أن يقتفي أثرها. الحرية أن تمتلك الجرأة الكافية لترى جمال الآخر، وأن تمشي خلفه لا ان تتأبطه. هذه الفرادة التي خلقتها سوريا، وهي في حاجة الى تفاصيل بسيطة جداً كالتواضع عند الحاجة، وجرأة أن تعرف أنه فجأة أصبح هناك مؤلفٌ آخر للفيلم جاء من داخله وأصبح الشخصية الرئيسية، وما أنت سوى الشخصية الموازية التي تلحقه وتتحاور معه. الجرأة ألا تعلّمه ماذا يفعل، وتكتشف أنّ الشابة هي الأخرى عبقرية، استطاعت، وسط الحصار، أن تحوّل ولداً صغيراً الى بطل روائي ووثائقي.
نعود الى مفهوم الزمن. أنا لا اعتبر نفسي مُقلاً، وإن كنتَ محقاً في قولك إنّ فيلمين في 25 سنة دليلٌ على القلّة. كانت لي ظروفي. لا أنجز فيلماً من أجل إنجاز فيلم فحسب. ثمة ما أعتبره بقاياي في الدنيا، ومبرر وجودي في الحياة، فأتساءل: ماذا أفعل؟ ماذا أضيف؟ أي مقابل أردّه للحياة كمجاز.
¶ لم يُنجَز، على رغم السنوات الـ40 من القمع، ما يعبّر عن حقيقة سوريا التي ظهرت فجأة، أو جانب كبير منها. لعلّ الأفلام المنجزة حديثاً ليست إلا البداية...
- هناك في سوريا نافورة من الصور لن تتوقف. السينما في سوريا لن تتوقف أبداً بعد اليوم. حدثُ عظيم أن يكتشف السوريون أن السينما ليست روائية ولا وثائقية. السينما تستطيع أن تكون هذا وذاك، وأن تكون لا هذا ولا ذلك، وكل هذا. هي أبجدية بصرية درامية. الجيل الجديد من السوريين برمّته يلمس ذلك. أعتقد أن الموجات السينمائية في سوريا لن تتوقف، وسنكتشف يومياً مواهب مهمة...
¶ ... وقد تنتج موجات سينما رديئة وانفعالية...
- لن أخوض جدلية متى يُسمّى الفيلم فيلماً. يتبيّن أن الجيل الجديد الذي تم ازدراؤه على أساس أنه غير مبالٍ، يملك ثقافة جديدة، ويدفع روحه من أجل الجمال المتمثّل في الثورة والحرية.
¶ 42 عاماً من الاستبداد، ألا تغيّر عقلية الإنسان، وأقصد السينمائي تحديداً؟ نتحدث هنا عن الفنّ برؤيته ومفهومه...
- الفارق بين رؤيتك لنفسك وحقيقتك الموضوعية، موضوع إشكالي ومادي يصلح للتراجيكوميديا. كأن يظنّ المرء نفسه بطلاً فيما هو لا يفعل سوى تصديق الوهم. هذا هو "نجوم النهار". الفارق بين وهمك عن نفسك وأنت مَن تكون، مادة كوميدية جيدة. هذا ينطبق أيضاً على المخرجين السوريين، وعلى حالي استطراداً. الفارق بين وهمك عن نفسك وأنت، هو عمل دارسي السينما ونقّادها. السينما التي هي ربّي- الى ديانة حقوق الإنسان- والمولى الحقيقي لي الذي لا أصل إليه بسهولة وقد لا أبلغه مطلقاً. اتفقتُ ونفسي أنه لا يحق لي المسّ بحريتي واستقلاليتي من أجل فيلم. صبرتُ وصنعتًُ الفيلم الذي أهوى. ذلك جليّ في "نجوم النهار" أو "صندوق الدنيا" أو "خطوة خطوة" الذي أنجزته قبل 38 عاماً. بعض التعويض النفسي يتحقق، عندما تكتشف أنك عملت أيضاً من أجل الزمن الآتي. هل يمكن القول إن "نجوم النهار" لا يتكلّم عن سوريا اليوم؟ او على الأقل منقطع الصلة مع سوريا 2011 وتصاعد ذاك العنف نحو هذا العنف؟ هذا سؤال متروك للآخرين. هل "صندوق الدنيا" بمعزل تماماً عن ظهور "الخليفة"؟ لم يكن ذلك من قبيل التوقعات. في الفيلم ولدٌ هو المهدي المنتظر وهو الديكتاتور العسكري وهو "خليفة" المسلمين! (ولد لا يشعر بملكية الطيور الا حين يسجنها وينتف ريشها او يقطع لسانها). العنف وإفناء الآخر بلا توقف، يجعلانك تفكر قليلاً. أشعر بالامان لدى مشاهدتهما، فالمرء متى يحترم ذاته كإنسان، ويحترم إنسانيته واستقلاليته وحريته الشخصية ولا ينجرّ الى مهادنة السلطة، كل سلطة، يُبقي أبواب المستقبل مفتوحة. هذا ليس موضوعاً سياسياً، بل محض إنساني، ولا سيما عندما يتعلّق الأمر بالفنّ. اذا كنت على علاقة بالفن، لا يمكن لعلاقتك هذه ان تتوافق مع التصالح مع السلطة، فكيف في حال كونها ديكتاتورية فاسدة فاشية عنيفة؟ ثمة في السينما السورية ما يستحق النظر إليه باحترام. على رغم كل شيء، ظلّت السمة الأساسية للسينما السورية تتلخّص بعدم الانضواء تحت لغة النظام.
¶ أعطني تجارب أخرى، غير تجاربك، تتبنّى هذه النزعة...
- أفضّل عدم الدخول في أسماء. هل نحتاج أن أسمي عمر أميرالاي...
¶ ... آخرون، كعبد اللطيف عبد الحميد مثلاً؟
- لن أقبل لحظة واحدة في حياتي ان أخيط السياسة بالفن، ولا الموقف السياسي بما يمكن أن تكتنفه الأفلام في داخلها من إنسان يحاول أن يعبّر. لا يحق لنا ان نفعل هذا بسبب موقف عبد الحميد السياسي غير المعروف بوضوح. اصلاً انا لم اشاهد أفلامه بعد 2011. توقيعه بيان "سينمائيي الداخل" الذي نعتنا بـ"الأجراء" و"الخونة" لتنديدنا بقتل المتظاهرين، سلوك إنساني غدار ومؤسف جداً، لكنني لا أقرأ أفلامه بناء عليه. نحنا لسنا "أمير المؤمنين الخليفة"، ولا نظام البعث. في أفلام عبد الحميد مراحل متباينة. لم تكن أفلام نظام البتة. في محطات، لم تكن متطلبة. في رأيي، تتأتّى المشكلة من كونه راح ينجز فيلماً اثر فيلم من غير جهوزية. فتعثر بالسرعة والسهولة. أقرأ كل فيلم له على حدة. العودة الى القصة الكلاسيكية في "ليالي ابن آوى" والى الثقافة السورية المسيّسة المعيبة تعتبر أن ثمة فيلمين: الأول مع النظام والثاني ضده. أسامة محمد فيلمٌ ضد النظام، مما يعني أنّ الآخر معه. لماذا عليّ اعتبار "ليالي ابن آوى" موالياً نظامياً؟ لا يمكنني في أي حال من الحالات ان اعتبره فيلماً مع النظام. الفنّ، والسينما، ونبش خلايا البنية الاجتماعية، شؤون أخرى. تم الاحتفاء بـ"نجوم النهار" كمُنجز معارض. لكنني ارى ان قوام هذا العمل البنية النفسية للفرد السوري الجديد، والعلاقة بين الهواء الأمني الفاسد وتأثيره في اللغة والسلوك والنفس والشعور. إحساس الفرد بأنه يمثل سلطة ونظاماً لأن النظام قريب منه، بينما هو هامشيّ ومجرّد من كل شي. مهزلة قاتلة يُدمّر فيها الانسان نفسه. النظام السوري ساهم في التبشير بـ"ديانة"، بنيتها الفساد والموالاة. هل تنذر البنية النفسية للفرد الجديد بالخوف من المستقبل؟ هل تتحضّر خلايا عنفٍ قد تتفجّر يوماً؟ هل تتلمّس وجود الآخر أم أنه غير موجود في حياتك؟ هذا هو "نجوم النهار" في رأيي، إنه يفوق السياسة أهمية. ترى ان الشبّيح هنا كان موجوداً هناك.
¶ كيف تعيش اليوم، هل هو المنفى أم العزلة؟
- كان الفيلم إنقاذاً حقيقياً. في داخله سوريا، وفي خارجه حياتي الشخصية التي لا تتجزأ عن حياة زوجتي وحبيبتي نعمى عمران. عملنا لإنجازه معاً، وقدّمَت من أجله نوعاً من الموسيقى غير المكررة. الأمر برمّته احتيالٌ على الزمن، والعيش كما لو أنه غير منفى. لكنّ المنفى يتراءى قاسياً وصعباً جداً.
¶ قد يكون الفيلم منقذاً، وقد يكون منفى داخل المنفى...
- لعلّ ذلك أفضل ما يمكن أن تفعل.
¶ ولكن قبل الفيلم، هل استطعت التأقلم مع المجتمع الفرنسي مثلاً؟
- بقيتُ طوال عام ونصف العام عاجزاً أمام الرؤية الواضحة. لا أبالغ بالقول إن بعضاً من الصورة كان يزوغ حين تصله عيناي. كأنك اخترعتَ كاميرا لم يخترعها أحد من قبل. هذا انكسار وهم البطولة. حملتُ استحالة العيش خارج سوريا في تلك اللحظة. كيف يمكن أن تُسامح نفسك على وجودك هناك والتصالح مع المسافة. الأحياء من الأصدقاء في سوريا تقرأ سطورهم على "فايسبوك" يكتبون الهواء والتنفس والزمن الجديد وسوريا لا اعرفها. ترى كيف يزدادون جمالية واسى. انها التراجيديا التي تبني طبقات هائلة من العنف الجديد على ناس يشكّلون قصة حياتك.
¶ هل تغيّرت هذه العلاقة بالمجتمع الفرنسي بعد مرحلة كانّ؟ هل يمكن فرنسا ان تكون مشروع حياة جديدة؟
- لا أملك حلاً. قرار البقاء مشروعٌ منهك جداً، ولا خيار أملكه. لسنا أثرياء، أو أثرياء حرب. استطعنا، زوجتي وأنا، الاستمرار في الحياة لأننا رفضنا مدّ اليد نحو السلطة واستجداء أذيال الفساد المنبثقة منها والتصالح معها. امكانات العيش بالنسبة إلينا في فرنسا لا تزال صعبة جداً. رفضنا اللجوء السياسي، فنحن فنّانان لا نريد استبدال الصفتين بـ"السياسي". أردنا الاصرار على أن نكون نحن، فتخلّينا عن كل مساعدات اللجوء الواهية. لم نتلقَّ من أحد شيئاً. لا نفكر كثيراً في مستقبل العيش. هكذا كنت دائماً وكنّا في سوريا. أضف أنّ الواقع لا يتيح التفكير بترف الأشهر المقبلة. تتطلّب الحال قسوة على الذات، وهي متوافرة. مازوشية أصيلة، تمنحك القدرة على البقاء... في السينما.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard