قبل خراب البصرة بعد الموصل

27 أيلول 2014 | 00:00

ما قبل دولة "داعش" الاسلامية السلفية الجهادية شيء، وما بعدها شيء آخر. القتل الجماعي وبيع النساء وقطع الرؤوس والإبادة الشمولية، جرائم لم يُرتكب مثيل لها باسم الدين. لم تكن فظائع الطغاة في الماضي القريب والبعيد تُبَثّ على شاشات التلفزة ووسائل الاتصال الاجتماعي. إنها إبادة جماعية "عصرية" تختزل البشاعات الدفينة للإنسان البدائي. القتل الجماعي حصل في التاريخين القديم والحديث، من "محاكم التفتيش" في أوروبا القرون الوسطى الى محاكم "القاعدة" الميدانية المعاصرة. إلا أن بربرية الآخرين لا تبرر الظلامية "الداعشية".
من "داعش" وصاعداً، لم تعد تنفع التبريرات ومواقف الشجب والإدانة. السؤال، ما غاية الجهاد "الداعشي" وأهدافه؟ إنشاء الدول في الزمن المعاصر لا يتم بالقتل على الهوية الدينية. ومن قال إن الله، خالق الكون، لن يستكين الاّ بعد إنشاء دولة على اسمه، مع عسكرها وسفّاحيها ونفطها واختامها الممهورة بصورة الحاكم؟ أم أن ترسيم حدود الدولة الاسلامية غير ممكن إلاّ على رؤوس الكفّار المقطوعة، أم أنه مشروع استبدادي لتعميق الشرخ المذهبي ولملء الفراغ الذي تركه سقوط الدولة في العراق وسوريا؟
الكلام التبريري بأن الاسلام مستهدَف وبأنه ضحية الإمبريالية العالمية، صهيونية أكانت أم صليبية، أم الاثنتين معاً، بات اليوم بلا مضمون أو جدوى. أوروبا، التي انطلقت منها الحملات الصليبية منذ نحو ألف عام، لم تعد مسيحية. الصهيونية، المستفيدة الأولى من التشرذم العربي والاسلامي، تجاهد منذ أكثر من نصف قرن لدعم سياسات اسرائيل التوسعية. والدولة العظمى صرفت فائض القوة العسكرية في "جهادها" لإطاحة نظام صدام حسين بعد اعتداءات 11 ايلول الارهابية، ولن تعود عسكرياً الى المنطقة الاّ بشكل محدود، على رغم طلب ضحايا "داعش" والمتواطئين معه، وإلحاحهم، من جماعات ودول. لن يجدي نفعاً الكلام عن خسارة الأندلس واستحضار أمجاد الماضي والخلافة التي ألغاها أتاتورك. مُنيت اليابان بهزيمة عسكرية قاسية جداً في الحرب العالمية الثانية، واستسلم أمبراطورها مرغماً (له مكانة ربما أكبر من "الخليفة" في نظر شعبه) على بارجة عسكرية أميركية، إلا أنها لم تقف عند أطلال الماضي، وهي اليوم دولة عظمى اقتصادياً، تنافس مَن هزمها عسكرياً.
الإسلام الأصولي المتطرف لم تخترعه أجهزة مخابرات الكفّار ولا المؤامرات. إنه نتاج الواقع بتفاصيله وعنفه وفِرَقه المتعددة منذ نشوء الاسلام، شأنه في ذلك شأن سائر الأديان التي شهدت حالات تطرف واستبداد منذ آدم وحواء. في كل دين مسائل جدلية، فقهية أو لاهوتية، لا يفكّ رموزها المعقدة سوى أهل المعرفة والاختصاص. في الإسلام أربعة مذاهب سنّية وآخر شيعي، وهي مذاهب فقهية لم يصنعها الغرب المسيحي أو الملحد. الحركات الإسلامية المعروفة منذ القرن التاسع عشر- الوهّابية، السنوسية والمهدية- لم تُستورد من الخارج، بل هي نتاج البيئات والظروف التي انطلقت منها، ومنها الاستعمار في الحالتين السنوسية والمهدية. أما الحركة الوهّابية، الأكثر تشدداً وتأثيراً، فنجحت في إقامة دولة في مطلع القرن العشرين، بالتحالف مع آل سعود، وفشلت في محاولات سابقة عندما تصدّت لها الدولة العثمانية الاسلامية.
في القرن العشرين، وبعد انهيار السلطنة العثمانية وإلغاء الخلافة، انطلقت حركة تجدّد ديني وفكري لعلماء أزهريين بارزين وسواهم. لكن ما يهمّنا هنا ليس النقاش الفكري بل الإشارة الى أن حركة الإحياء الديني التي كانت في أوجها في مطلع القرن العشرين تراجعت، لا بل اندثرت، وحلّت مكانها توجهات فكرية سلفية وتنظيمات متشددة، أبرزها "الأخوان المسلمون" في مصر، وعلى المستوى الفكري أبو الأعلى المودودي في باكستان. لم يلبث "الأخوان" أن اصطدموا مع معظم الأنظمة العربية الحاكمة. على المقلب الآخر، اتّسمت السعودية بالواقعية السياسية بالمقارنة مع حركة "الأخوان"، المحظورة أيضاً في المملكة الاسلامية، في زمن التحالف الوثيق مع المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة، وفي ظل احتدام الحرب الباردة والمواجهة مع الاتحاد السوفياتي.
هزيمة 1967 ورحيل عبد الناصر في 1970، بدّلا المعطيات الإقليمية. في المشرق العربي استعادت القضية الفلسطينية وهجها عبر الكفاح المسلّح، ومن لبنان تحديداً. في مصر استرجعت الحركات الإسلامية بعض حضورها في عهد أنور السادات المتعاطف مع المناخ الإسلامي لاحتواء الناصرية. وسرعان ما اصطدم الرئيس المصري مع الإسلاميين، ومن صفوفهم خرج تنظيم "التكفير والهجرة" الذي كفّر الجميع وهجّر السادات الى دنيا الحق في عملية اغتيال موصوفة. في سوريا وقع الصدام المسلح باكراً في مطلع الثمانينات بين النظام الحاكم والإسلاميين الأصوليين الذين هاجموا القوات المسلحة، فردّ النظام بالقضاء عليهم بعنف شديد. الإسلاميون أنفسهم اصطدموا مع عبد الناصر في بداية عهده وتمّ قمعهم وإعدام سيد قطب في 1966، أحد أبرز رموزهم الفكرية وواضع "دستور" الجهاديين المعاصرين في كتابه "معالم في الطريق".
في الخليج العربي مسار مختلف. في مرحلة الحرب الباردة والمواجهة مع الشيوعية، انتظمت الأمور تحت راية الاسلام، المعتدل حيناً والمتطرف أحياناً أخرى. جاءت حرب تحرير أفغانستان من "الإلحاد الشيوعي" لتجمع جهاديين اسلاميين "وجهاديي" الرئيس الاميركي رونالد ريغان الذي أعلن الحرب الشاملة على "أمبراطورية الشر". التحام جهاديي "طالبان" وجهاديي الإسلام والأميركان، كان ممكناً ضد العدوّ المشرِك والمشتَرك على أرض المعركة. لكن سرعان ما تفرّق حلفاء الضرورة وعاد كل فريق الى موقعه: الجيش الاميركي الى قواعده العسكرية، والاسلاميون الى "القاعدة". ازدادت الأمور تعقيداً مع بروز إيران الاسلامية واندلاع الحرب العراقية- الإيرانية التي انتهت، بعد ثمانية أعوام دامية، بالعودة الى توازنات ما قبل الحرب، بتدخل دولي حاسم. زاد في الطين بلّة حدثان: الغزو العراقي للكويت وإلغاء الدولة والشعب من الجغرافيا والتاريخ، ومن ثمّ التحالف الدولي والإقليمي لتحرير الكويت، والغزو الاميركي للعراق بعد إطاحة "طالبان"، في أفغانستان، رداً على "غزوة" 11 ايلول.
تبعثر الجهاديون ظرفياً بعد الجهاد الأفغاني، وتبعه الجهاد السوداني لمرحلة قصيرة، إلاّ أنهم عادوا والتقوا على أرض جهاد تفوق الإثنين رمزية وشأناً: في العراق، أرض الخلافة العباسية والائمة والعلماء، حيث عناصر النزاعات كلها متوافرة. شمالاً، إيران الإسلامية منطلقة بزخم كبير ولا تخفي طموحها بـ"تصدير" الثورة؛ جنوباً ثورة إسلامية مضادة. واحدة شيعية فارسية في نظر العدوّ جنوباً، وأخرى سنّية وهّابية في نظر العدوّ شمالاً. في الوسط "جهاد علماني" أطلقه الرئيس الاميركي جورج بوش الابن، وأعطى دفعاً قوياً للحركات التكفيرية بقيادة جيل جديد من الجهاديين المتطرفين المدعومين من دول المنطقة وحكّامها، أبرزهم أبو مصعب الزرقاوي ورفاقه من قادة "داعش"، وانتهى بصدام مع الجميع: مع اتباع صدّام في العراق ومع إيران والسعودية وسوريا والعالمين العربي والاسلامي. لم يبقَ من "الشرق الأوسط الجديد" سوى آلية ديموقراطية أوصلت "الأخوان" الى السلطة في مصر، وانتفاضات شعبية أزاحت بعض الحكّام والأنظمة وأعادت المجتمعات بسرعة البرق الى حقبة ما قبل الدولة، الى "الهويات القاتلة"، العشائرية والطائفية والمناطقية والمذهبية.
في مطلع التسعينات انتقلت المواجهات المسلحة الى الجزائر في صدام عنيف بين جيش الثورة الجزائرية والثوار الاسلاميين. الحصيلة قتل ودمار وتعميق الشروخ داخل المجتمع الجزائري، وإن تم القضاء على التنظيمات الجهادية المرتبطة بـ"القاعدة".
لكن على رغم الحرب المضادة على "القاعدة" ومقتل بن لادن في باكستان، ظل الاسلاميون أكثر تماسكاً نسبياً من غيرهم. هكذا خرج الاسلام الجهادي المسلّح من القمقم ولن يهادن، ولا سيما بعد وصول الاسلاميين الى السلطة في مصر وتونس وتمدّدهم في دول أخرى. في مصر مارس "الأخوان" السلطة بكل أدواتها وسطوتها، معتبرين أن التفويض الشعبي عبر الانتخابات أعطاهم حقاً في السيطرة على مكوّنات الدولة والمجتمع. للاثنين وجود ونفوذ في مصر، وأيضاً في تونس، حيث للقوى المناهضة للاسلاميين جذور، بمعزل عن نظام بن علي الذي سقط سريعاً ولم يلقَ الحماية من أحد، شأنه شأن نظام حسني مبارك. في ليبيا كانت المواجهة مع دولة اختزلها القذافي بشخصه، ومع مجتمع ما قبل جماهيرية "الكتاب الأخضر". في اليمن انتفاضة مشتتة أبقت التوازنات الداخلية الخلافية على حالها في رعاية سعودية، وإن تبدّل الحاكم. أما البحرين فهي "حائط برلين" العرب بين إيران الاسلامية ودول الخليج العربي الاسلامي بقيادة سعودية. أخيراً سوريا، حيث جرت الرياح بما لا تشتهي سفن الأطراف جميعهم، بعدما فشلت محاولات إسقاط النظام وبات الاستقرار حاجة إقليمية ودولية بعد إعلان "داعش" الحرب المفتوحة في بلاد الشام.
مع احتدام المعارك الإلهية والبشرية في المشرق العربي وإعلان الجهاد لاستعادة "الأراضي الاسلامية السليبة من أيدي الكفّار"، على قول عبدالله عزام، مُلهم "الأفغان العرب" و"القاعدة"، لم يبقَ سوى طريق الهجرة الى الجنة. لكن ثمة مَن يرضى، وهم كثر، حياة الكفر وبؤس الأرض على الجنة الموعودة، وهم أيضاً مؤمنون ينتظرون بوَرَع ملاقاة ربّهم على أرض منازلهم وبين أهلهم وليس على أرض الجهاد.
ما العمل في زمن الفلتان الهمجي، باسم وحي آلهي يستفرد به "داعش" وأمثاله؟ المسألة لا تحتمل أنصاف الحلول والإدانة والقياس مع أبشع المجازر. المعادلة واضحة منذ الطهطاوي وخير الدين التونسي وحسن العطار ومحمد عبده وعلي عبد الرازق وسواهم، وهي تتمحور حول معضلة المواءمة بين العقل والنص الديني. وهي أيضاً لا تقلّ وضوحاً عندما يكون الخيار بين "نهج الأرض ونهج السماء"، على تعبير سيد قطب. يبقى السؤال- التحدي: من يحدّد أو يفسّر نهج السماء لتلتزمه شعوب الارض، ولا سيما ان "آلهة" الارض هم بشر أيضاً، بطباعهم وأهوائهم ومزاياهم ومصالحهم، وهي حالات انسانية من نتاج مجتمعات بشرية خلقها واضع "نهج السماء" الذي بقي حيث هو، واختار الأنبياء والرسل لنقل رسالة السماء الى البشر. الأهم أن الرسالة الالهية موجهة الى المؤمنين وأنصاف المؤمنين والملحدين وخصوصاً الكفّار، علّهم يهتدون بالحسنى والمحبة.
من اليوم الأول، لم يُخفِ الخليفة ابرهيم أهدافه وغاياته ومنطلقاته التكفيرية. إنه فعلا صراع حضارات بين التكفيريين الالغائيين والمؤمنين الأحرار. التصدي لإرهاب "داعش" لا بد أن يكون على قدر هذا التحدي المصيري وعلى مستويات ثلاثة: أولاً، المستوى الديني والفقهي، وهو مسؤولية المرجعيات الدينية، وفي مقدّمها الأزهر ورجال الدين في السعودية ودول الخليج. ثانياً، المستوى السياسي، وهو في الدرجة الأولى مسؤولية حكّام العراق وسوريا وإيران والسعودية ودول الجوار والولايات المتحدة وروسيا والدول الكبرى المعنية. أخيراً، المستوى العسكري وهو مسؤولية المجتمع الدولي، مجلس الأمن تحديداً، والدول المتاخمة للدولة "الداعشية" وشعوبها من عرب وفرس وكرد وأتراك وتركمان، وسنّة وشيعة وأهل الكتاب وسائر الكفّار في الوطن والمهجر. إنه التصدي المطلوب لوضع حد لانهيار مقوّمات الحضارة الانسانية المعاصرة، أقلّه في العالم العربي، قبل خراب البصرة بعد الموصل.

نائب

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard