بين روسيا الصاعدة والشرق الأوسط المضطرب تداعيات استقلال اسكوتلندا تتجاوز بريطانيا العظمى

18 أيلول 2014 | 00:00

مؤيدون لاستقلال اسكوتلندا عن بريطانيا يرفعون لافتات كتب فيها: "نعم" خلال تجمع في غلاسغو، أمس. (رويترز)

كثيرة هي تداعيات استقلال محتمل لاسكوتلندا عن المملكة المتحدة في ضوء الاستفتاء غير المحسوم النتائج المقرر اليوم. تداعيات تبدأ بتغيير ألوان العلم البريطاني "يونيون جاك" والحنين الى الهوية الوطنية والرجال بالتنانير، ولا تنتهي بتقاسم عائدات نفط بحر الشمال وأعباء الدين العام. فثمة من يذهب أبعد متكهناً بتأثيرات على السياسة الخارجية والامنية لبريطانيا وموقعها على الساحة الدولية عموما، فهل هذه المخاوف في محلها في سياق الصعود القوي لروسيا وترنح الشرق الأوسط، أم مجرد شعارات اقتضتها الحملة الانتخابية الشرسة؟

في معرض تحذيره من تداعيات استقلال اسكوتلندا عن المملكة المتحدة، رسم رئيس الوزراء البريطاني السابق السير جون مايجور صورة مأسوية لمستقبل بلاده، قائلا إن دورها في حلف شمال الاطلسي سيتقلص، وتاليا "علاقتنا مع اميركا ستتضرر". ستصير بريطانيا العظمى أضعف في كل المنظمات الدولية، وبالتأكيد ستصير أضعف في الاتحاد الاوروبي في المفاوضات المقبلة. ولم يقف عند هذا الحد، بل اضاف: "سنخسر كرسينا على الطاولة الرئيسية في الامم المتحدة"، في اشارة الى مجلس الامن.
عملياً، لم يمض وقت طويل منذ وقف رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون جنبا الى جنب مع الرئيس باراك اوباما في قمة ويلز الاخيرة لينوها معاً بالزخم الجديد للمنظمة الاطلسية بعد سلسلة القرارات التي اتخذتها في شأن قوة للرد السريع في أوروبا، لمواجهة تهديدات موسكو لاوكرانيا. غير أن هواجس السير جون ليست بلا اساس، وإن تكن مخاوفه على مقعد لندن في مجلس الامن، مبالغا فيها. فاذا انفصلت اسكوتلندا عن المملكة المتحدة، يتوقع أن تتجدد التساؤلات عن قدرة الاطلسي على مواجهة روسيا في اوروبا الشرقية. فالترسانة النووية البريطانية، وهي المساهمة الوحيدة للندن في ردع نووي غربي، موجودة في قاعدة البحرية الملكية على الساحل الغربي لاسكوتلندا. ومن شأن التصويت بـ"نعم" على الاستقلال أن يثير شكوكا في مستقبل مشروع "ترايدنت" لتحديث نظام الصواريخ النووية. وخلال حملة الاستفتاء على مصير اسكوتلندا، احتدم الجدل في شأن نقل الترسانة النوویة البریطانیة، المخزنة كاملة في غواصات في قاعدة "فازلان" البحریة بغرب اسكوتلندا. ویؤكد المعهد الملكي للخدمات المتحدة المعني بالبحوث العسكریة أن عملیة نقل هذه الترسانة من الأسلحة ستكلف ملیارات وقد تستمر حتى ٢٠٢٨.
وفي تقدير الخبيرين هاغ تشالمرز ومالكولم تشالمرز من معهد "تشاتهام هاوس" أن كلفة نقل الترسانة، الذي يصر الحزب الاسكوتلندي الرئيسي المؤيد للاستقلال أن يحصل بحلول 2020، تراوح بين ثلاثة واربعة مليارات جنيه استرليني، الامر الذي حمل البعض على الاعتقاد أن هذه النفقات، الى العراقيل السياسية للنقل، ستثير نقاشا وطنيا في شأن الاسلحة النووية يمكن أن يؤدي الى تخلي لندن عن سلاحها النووي من جانب واحد. من التساؤلات المطروحة ايضا ما يتعلق بقدرة اسكوتلندا ورغبتها في الانضمام الى الائتلافات العسكرية التي صارت أكثر وضوحاً أخيرا مع حشد واشنطن الدعم لجهودها ضد روسيا و"الدولة الاسلامية".
وايا تكن الخطط النووية المقبلة لبريطانيا والتحالفات المحتملة لاسكوتلندا، يبدو أن توقيت هذا الارباك هو مصدر قلق لواشنطن التي تحاول اظهار تماسك الدول الحليفة وقت تستعد للانخراط في حرب حاولت كثيرا تجنبها.
ويقول جيريمي شابيرو، وهو مسؤول سابق في وزارة الخارجية الاميركية وباحث في معهد "بروكينغز" بواشنطن إن "المسألة ليست مسألة ردع نووي بقدر ما هي الظهور مظهر الضعف وعدم الوحدة في مرحلة حساسة من تاريخ حلف شمال الاطلسي في مواجهة نوع من تهديد روسي جديد. فكرة تفكك عضو بارز في الحلف لا تروق واشنطن في هذه المرحلة الحساسة من التعامل مع موسكو".

الاقتصاد
ولئن كانت واشنطن تحتفظ برأيها لنفسها حتى الآن، لا تغيب من بالها الكلفة الاقتصادية التي ستتكبدها نتيجة تفكك محتمل للمملكة المتحدة التي تربطها بها وبالاتحاد الاوروبي ككل علاقات تجارية وثيقة.
ففيما لم يحسم مؤيدو الانفصال العملة التي ستستخدمها بلادهم في حال الاستقلال الذي لن يسري في اي حال قبل آذار 2016 (الاورو أو الجنيه الاسترليني أو عملة جديدة)، حزمت مصارف عاملة في اسكوتلندا أمرها، معلنة أنها ستنتقل الى لندن، وبذلك ليس مستبعدا أن يتوقف الانتعاش المالي الاوروبي الهش أصلا.

عدوى
ولعل الهاجس الاكبر لواشنطن وأوروبا هو أن تثير حركة استقلال ناجحة في اسكوتلندا عدوى في بقية أوروبا. فالمناطق الانفصالية الاخرى في اسبانيا وبلجيكا تراقب عن كثب التصويت الاسكوتلندي. وعلى غرار اسكوتلندا، يتوقع أن تشهد هذه المناطق سجالات في شأن العملة التي ستستخدمها وكيفية اعادة هيكلة اقتصاداتها، وهو ما من شأنه أن يدفع الاتحاد الاوروبي ومعه الولايات المتحدة، شريكته التجارية الرئيسية، الى مزيد من الاضطرابات الاقتصادية.
وفي التبعات الامنية، تواجه بريطانيا تحديات كبيرة على غرار التجسس الروسي وعودة المتطرفين الاسلاميين البريطانيين من حربي سوريا والعراق. وتعتبر وكالات الاستخبارات وانفاذ القانون، لا الجيش، خط الدفاع الامامي في مواجهة هذه التحديات. ومع أن مؤيدي الانفصال تعهدوا "جهازا أمنيا من الدرجة الاولى"، يحذر خبراء من منتدى "روسي" للدفاع والامن الوطني والدولي من أن "عقبات كبيرة في التمويل والقدرات والتشريعات" قد تحول دون انضمام اسكوتلندا الى تحالف "العيون الخمس" الاستخباري (الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وأوستراليا ونيوزيلندا)، لافتين الى أن "قدرات أمنية واستخبارية اسكوتلندية ضعيفة قد تجعل اسكوتلندا بيئة جاذبة لمنظمات استخباراتية معادية، وتشكل ممرا الى بريطانيا".
... من بيجينغ الى واشنطن ومن موسكو الى نيودلهي، تأمل أكثر دول العالم ولأسباب تراوح بين المصلحة الوطنية ومقتضيات الجغرافيا السياسية، أن تبقى المملكة المتحدة موحدة وألا تضطر بريطانيا الى التخلي عن صفتها العظمى، لئلا تؤسس لسابقة معدية بتفكك دولة في وقت مضطرب.

monalisa.freiha@annahar.com.lb Twitter:@monalisaf

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard