شعر - قصائد بلا ذاكرة

13 أيلول 2014 | 01:27

إلى نافورة ماء: كشجرة يابسة في فناءِ داركِ أعطشُ إلى روحكِ دائماً.

* * *

يوم تزوجتْ تلك الفتاة القرويّة من شخصٍ آخر، كتبتُ لها: "ضاعَ أبي وأُصيبَتْ أمي بالجنون ثم هاجر أخي وماتت أختي من البكاء".
بعد ذلك كتبت هذه القصائد.
أهديتُ أليكِ مجموعةً شعريّة لشاعرٍ كرديّ وكانت من نصيبِ حبيبكِ. أهديتُ إليكِ قلّة نومي وكان الفراش لزوجكِ. أهديتُ إليكِ القصائد وكان الغزل لكثيرين. أهديتُ إليكِ الحبوب المهدّئة وكان القلق لي. أهديتُ إليكِ الانتظار وكان لطفلتكِ التي لن تأتي أبداً. أهديتُ إليكِ الورود الحمراء وكان عيد الحبّ للآخرين. أهديتُ إليكِ كلّ الفصول وكان الخريف لي. أهديتُ إليكِ الأشجار وكانت مقاعد الحديقة للأطفال. أهديتُ إليكِ الأزهار وكنتِ شوكة في حلقي لا أنطقُ باسمكِ علناً. أهديتُ إليكِ وحدتي وكانت مثل واو الجماعة، تأتي قبلكِ في كلّ مرةٍ أقتربُ فيها من سواكِ. أهديتُ إليكِ جوازَ سفري وكنتِ التأشيرة التي لم توافق عليها السفارة.

* * *

بيني وبينكِ قصيدة. بيني وبينكِ كلمات لم تتجاوز سوى المسافة. بيني وبينكِ نصٌّ أدبي لم يلد بعونه تعالى. بيني وبينكِ صديقٌ أحمق يطير في الهواء. بيني وبينكِ تأشيراتٌ وسفراء، ملوكٌ وأمراء. بيني وبينكِ جميلات يصعدن معنا إلى الطائرة. بيني وبينكِ يقف رجال الأعمال وتجّار المخدرات. بيني وبينكِ يلهو الصغار. بيني وبينكِ تكبر الأجيال. بيني وبينكِ يموت كلّ الرجال. بيني وبينكِ تبكي النساء بمفردهن. بيني وبينكِ كانت كلّ هذه الأشياء التي رميتها في قمامة حارتنا حين أحرقتِ قصائدي
ببرودة أصابعكِ.

* * *

قالت أمي إنّها تكرهني. قالت أختي إنّها تكرهني. قال أبي إنّه يكرهني. قال أخي إنّه يكرهني. قال عمّي إنّه يكرهني. قالت عمّتي أنّها تكرهني. صرخت جدّتي في وجه جدّي وقالت لي: أكرهكَ. شتم جدّي جدّتي وقال لي: أكرهكَ. هتفت العائلة بصوت واحد: أكرهكَ.
مرّ الجيران مسرعين وهم يقولون لي بصوتٍ منخفض: نحن نكرهكَ. ثم جاءنا ضيفٌ محترم وقبل السلام عليكم مدَّ يده لي وهو يقول أكرهكَ. في أول شارعٍ قرب بيتنا، اشتريت علبة سجائر وقبل أن أحاسب البائع قال لي: أكرهكَ. في جامعة العلوم والتكنولوجيا همسَ المحاضر في أذني: أكرهكَ.
وحين قبّلتُكِ من ثغر القصيدة، مات كلّ هؤلاء من الكراهيّة.

* * *

لا جديد في حياتنا. أنا لم أُنهِ الجامعة بعد. أخي لم يحصل على الثانويّة العامة. أختي لم تكمل دراستها في المرحلة الإعداديّة. أبي لا يزال يسافر إلى الأردن. أمي لا تزال تصلّي إلى الآن. عمّي لا يزال طالباً في كليّة الحقوق. أما شارع بيتنا فقد صار مظلماً، مظلماً جداً. لا قمر في حارتنا. ولا شمس تشرق من نافذتنا. لا ليل يمضي أثناء نومنا. لا نهار يأتي في انتظاركِ. "لا أحد بخير دونكِ"، هذا ما قلته لأبي، حين سألني عنكِ مرةً أخرى في صيف عام الألفين وتسعة.

 شاعر وصحافي سوري

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard