سينما - "البندقية 71": العنف دائماً وأبداً

5 أيلول 2014 | 00:39

تختتم موسترا البندقية عروضها غداً بعد 11 يوماً من المشاهدة النهمة. ترى، من نصيب من سيكون "الاسد الذهب" في دورةٍ، كثيرون يقولون إنه لم تُكتشَف فيها تحفة سينمائية تليق بتاريخ أعرق التظاهرات السينمائية في العالم؟ روي أندرسون جاء بفيلم "أقل" من أفلامه السابقة، فاتي أكين لم يفز بقلوب معظم النقاد هذه المرة، أما الياباني تسوكاموتو، فلم يستطع أن ينسينا كون إيشاكاوا. في الآتي، قراءة لبعض العناوين التي تناضل ضد العنف المستشري في المجتمع.

"تجربة الاقتراب من الموت":
"تجربة الاقتراب من الموت" (قسم أوريزونتي) للفرنسيين بونوا ديليبين وغوستاف كيرفيرن: جوهرة سينمائية صغيرة عن معنى أن يبقى الانسان حياً بعد أن يكون استنفد كل طاقاته الدفاعية، وخسر (أو حتى ربح) كل المعارك الكبرى، من الحبّ الى العائلة فالجنس والمهنة وكل الملذات التي تتيحها الحياة. "أليست قمة الانانية أن أبقى على قيد الحياة في مثل هذا العمر؟"، يسأل ميشال ويلبيك (56 عاماً)، هذا المحبط الطريف الذي يؤدي في هذا الفيلم الكئيب دور موظف بسيط اسمه بول يخرج من البيت للذهاب في نزهة قصيرة، ولكن بدلاً من النزهة يقصد الجبال والطبيعة المتوحشة، بحثاً عن "ظروف" انتحار. هذا الانتحار هو له فرصة لإنهاء كل شيء، أو القيام بشيء لم يعد من الممكن تأجيله.
أجمل فيلم على الاطلاق عن الانتحار بعد "طعم الكرز" لعباس كيارستمي. يتأمل بول ظلّه الذي ينعكس في الارض، ويسأل: ما الذي تغيّر مذ كنت طفلاً؟ ظلّي هو هو. ويلبيك، الذي تحوّل فجأةً الى ممثل في الـ56 مع "اختطاف ميشال ويلبيك" لغيوم نيكلو الذي عُرض في برلين الدورة الفائتة، هائل الحضور في هذه القصيدة السوداوية التي تسمح له بأن يقدم "وان مان شو" طوال 100 دقيقة. نراه متسلقاً الجبال ومبالغاً في أداء الحركات ومحاولاً بين وقت وآخر تحقيق هذا الانتحار الذي لن يكون من السهل تحقيقه.
يضع ويلبيك الكثير من ذاته وكاراكتيره في الدور: اللامبالاة التي تقفز من عين إلى أخرى، السيكارة التي لا تفارق الشفتين. كلما حاول ويلبيك أن ينهي حياته، حدث ما يؤخره. لكن الانتحار مسألة وقت... وحظّ كما يقول ويلبيك، إذ لا تكفي الشجاعة وحدها لتحقيقه.

"نيران في السهل":
فيلم ياباني يعني فيلماً لا يتراجع في منتصف الطريق ولا يساوم أو يمزح. يعني هارا كيري، ساموراي، الخ. سينمائياً: شوجي تيراياما، كوجي واكاماتسو، وطبعاً ناغيثا اوشيما. مع "نيران في السهل" (مسابقة)، جاءنا المخرج الياباني شينيا تسوكاموتو بدرس في السينما، تلك السينما القادرة على التأثير في المُشاهد. تجربة قاطعة كالسيف. نصّ متطرف، دموي، سيليني (من لوي فردينان سيلين وروايته "رحلة إلى اقاصي الليل") في رؤيته لفظائع الحروب وعبثيتها. شغل مايسترو من الافتتاحية حتى النفس الأخير. طبعاً، لن يرضى به كثيرون ممن يحبّون السينما النظيفة التي، تحت ذريعة "يجب عدم الوقوع في ما ندينه"، يفرض علينا قيوداً أخلاقية وجمالية ورقابية. عام 1959، نقل كون ايشاكاوا رواية شوهيه اوكا التي صدرت عام 1951 الى السينما. فكانت النسخة الأولى من نصّ مُعادٍ للحرب بات من كلاسيكيات السينما اليابانية. الآن، يأتينا تسوكاموتو بنخسة ثانية تنطوي على كمّ هائل من العنف المجسَّد، ما يجعل الفيلم يدنو الى تجربة قريبة من "تعال وشاهد" لكليموف. كانيبالية، أعضاء بشرية مقطعة، أشلاء تتطاير، أرجل تزحف على الارض غارقة بالدم. بعض المشاهد ينبغي صرف النظر عنها من شدة تلصصيتها.
هذا فيلمٌ مُقلّ من حيث المعلومات وغنيّ من حيث الانفعال. الاخراج يقتفي خطى أفلام "السسلسة باء" ويجاري منطقها السردي، لكنه على قدر كبير من الفاعلية، إذ يستعين بمونتاج ذي تقطيعات حادة سريعة وكاميرا محمولة في معظم المشاهد. الشخصية الأساسية جندي ياباني مصاب بالسلّ (تسوكاموتو يضطلع بالدور) يجد نفسه وقد انزلق في نزاع مسلّح خلال الحرب العالمية الثانية. كل ما سينغمس فيه سيكون عكس إرادته. من مستنقع الى آخر، سنراه في أدغال الفيليبين وقد تحول الى آلة في خدمة القتل والقتل المضاد.

"حمامة على غصن تتأمل في الوجود":
هذا الفيلم لروي اندرسون يعيد المخرج الأسوجي الغريب الأطوار، العصيّ على التصنيف، الى السينما، بعد سبع سنوات من الصمت، أمضاها على الأرجح وهو يعمل على فيلمه الجديد. ماذا يمكن الكتابة في أفلام هذا الرجل ونحن نعلم أنها أولاً وأخيراً تجربة بصرية لا شفهية، أي أن الكلام لا يستقيم عنها من دون مشاهدتها ولمس ألوانها الباهتة القريبة من حالة احتضار. هذا الفيلم الثاني عما يمكن تسميته بالملل الاوروبي في تشكيلة هذه السنة. الأول، "في القبو"، لأرولريش زيدل. دائماً بكادراته وبمقاربته الجغرافية للقطة، وبالحركات الجسمانية القليلة، ينجز اندرسون فيلماً تجري حوادثه في غوتنبرغ مانحاً إيانا إحساساً رهيباً بالمكان والزمان.
بائعان متنقلان يجوبان المدينة بهدف بيع ألعاب تافهة. لا أحد يشتري منهما هذه الألعاب المضحكة، ولكن في فيلم لأندرسون، هذا ليس سبباً كي يوقف جوناتان وسام البزنس الذي بدآه. عندما يعلنان أنهما يريدان إمتاع الناس، ونراهما في مظهرهما الكئيب، قد لا نكتفي بالضحك بل بالشماتة أيضاً. يقترح اندرسون الفيلم باعتباره الجزء الثالث من ثلاثية عن معنى أن يكون الانسان انساناً! هذا الكلام وحده، محفورٌ في أسفل الجنريك، برنامج كامل.
بعدها، يأخذنا الفيلم مباشرة الى ثلاثة مشاهد، أي ثلاثة موتى لا نعرف مَن هم ولا ما علاقتهم بالفيلم الذي سيلي، سوى افتراض مفاده أن الأسوجيين يموتون من الملل. ففي فيلم اندرسون، كما في أفلامه السابقة، كل شيء لامع، نظيف، مهذّب، الى حد الاختناق، والانفجار. كعادته، قطّع اندرسون فيلمه مجموعة لوحات. الحانة مكان أساسي. سيدخل اليها فوج من العسكر يتقدمهم ملك. الدافع: على جلالته أن يدخل الحمّام لقضاء حاجة. بيد أن الحمّام مشغول.

hauvick.habechian@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard