زيارة - إقامة فنية دولية في مزيارة: ضرورة التعثر لتخطي الدهشة

29 آب 2014 | 00:00

ما إن يصل الزائر إلى شارع من شوارع مزيارة في شمال لبنان (قضاء زغرتا)، حتى يلاحظ أمرين على الأقل، الأول، يتصل بتداخل العمارة الضخمة بالطبيعة، والثاني، يتعلق بالتماثيل، التي تحضر على عتبات المنازل ومداخلها. يحمل انطباعاً مفاده أن المنطقة تُبنى فوق الحرج، الذي اتفق الساكنون من حوله، على تسميته "الغابة"، بالإضافة إلى أن كل زاوية من زواياها قد يرتفع فيها تمثال، صغير أو كبير، يصور قديساً أو أثراً حضارياً أو شكلاً صناعياً.

كل شيء هنا، من الممكن أن يتعملق، ويُنحت، أو يُشيَّد بالباطون المسلح، إلى درجة أن أحد مهاجري القرية، صمم بيته على شكل طائرة، وآخر هندسه كهرم، وواحد من مواطنيهم، اختار نماذج أعمدة بعلبك كواجهة لقصره.
لا يتبدد الإنطباع الأول مع الدخول في موضوع الزيارة، أي المشروع الفني، الذي أطلقته جمعية "منصة فنيّة موقتة" (TAP)، بعد أن زارت مؤسستها أماندا أبي خليل، برفقة الفنان سهيل سليمان (منسق الإقامة)، القرية، واتفقا مع البلدية على تنفيذ خطتهما، التي تقضي بإقامة عدد من الفنانين في مزيارة، بغاية تناولهم مواضيع تخصها. بالفعل، دعم رئيس البلدية مارون دينا الإقامة ونشاطاتها، واختارت الجمعية سبعة فنانين من بلدان مختلفة: باتريسيا بركات (لبنان/ بلجيكا)، فيكرام ديفيشا (الهند)، لورا يويلي (بريطانيا)، أكسيل مونييه (فرنسا)، ليفا دوداريفا (لاتفيا)، إدواردو كاسينا (إسبانيا)، وأندريا غارزا (المكسيك). هؤلاء، اختاروا مواضيعهم على ارتباط بالواقع البيئي للقرية، الذي تهتم البلدية به، ولا سيما أن معمل حجر ومزرعة دجاج يقعان في وسط الحرج، ما يمنع نموه، ويشوّه منظره الأخضر. إذاً، تقاطع المشروع الفني مع سياسة البلدية، فوقّعت سابقة التعاون بين مؤسسة رسمية محلية وجمعية "منصة فنية موقتة". أهم ما في هذه السابقة، ليس التآزر في ذاته، بل أنها اخترقت مركزية بيروت، التي تقبض على النشاط الفني في البلد، بحيث أن العمل الإبداعي خارجها لا يبرز، وفي حال بروزه، فعلى ضآلة.
لم يستقر الإشتراك بين الطرفين على توازن، بل أن البلدية، على عادة تعاملها مع النشاطات داخلها، تغلبت بمساراتها على مسالك الفن، حيث أن المشروع قد جاء، في بعض حركته، على نمط يشبه عمل "المجتمع المدني"، وربما، مرد ذلك، إلى أنها المرة الأولى، التي تخوض جمعيته تجربة خارج المركز. تالياً لا تزال في طور التمرن على صناعة أدواتها الجديدة، التي تستطيع بها التفاعل الفني مع بلدة، وليس مدينة، وبمعزل عن نظر البلدية إلى نشاطها كعمل ترفيهي خالص. من الناحية نفسها، بدا أن مشروع الإقامة قد "تبلدن"، إذا صح التعبير، إذ انخرط في سياسة البلدية، ولم يأخذ مسافةً منه، تحميه من دهشةٍ، مصدرها قبول المؤسسة الرسمية التعاون معه.
قدم الفنانون أعمالهم، لتكون على علاقة مع مزيارة، مجتمعاً وبيئةً، التي تنوعت أشكالها بين تسجيل أصوات القرية، وسرديات حرجها، إلى الرسم على رمالها، واستعمال غبار معاملها، الذي ينتشر على أوراق الشجر، لتصنيع اللبنات، فضلاً عن دراسة الهندسة المعمارية للبلدة بين أجيال متفاوتة. استطاع الفنانون المقيمون أن يلامسوا، كلٌّ بأسلوبه، جزءاً أساسياً من فضاء القرية، وكيفيات تشكله، مصيبين في تصويرهم مزيارة على أنها ضاحية بمدن غير مرئية، إذ إن أهلها بنوها استناداً إلى الهجرة منها إلى مدن عالمية كثيرة، في أفريقيا أو أميركا اللاتينية وغيرها، كما حملوها تصورهم عن الثراء، الذي يمثله الإفراط في التضخيم العمراني، والتمسك بالتماثيل على أنواعها.
مشروع الإقامة الفنية في مزيارة، استضاف عدداً من الفنانين غير المقيمين: علي شري، يلدا يونس، عمر فاخوري، ورنا حداد إلخ. ليقدموا أعمالهم، كمحاضرات أو ورشات عمل. مع الإشارة إلى أن المشروع سيبلغ خاتمته في 28 آب، حيث سيعرض الفنانون مشاريعهم، في نزهة بين الحرج والمنطقة الصناعية، على أن تنتهي العروض باحتفال موسيقي لرائد ياسين في "أوتيل مزيارة".

للحجز ذهاباً وإياباً من بيروت إلى مزيارة، الإتصال على: 715982/03

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard