سينما - موسترا البندقية: أنطوان دوانيل الوجه الرسمي لنزاع معلن!

28 آب 2014 | 00:31

مَن منّا لا يتذكر اللقطة الأخيرة في فيلم "حياة ماجنة" لفرنسوا تروفو؟ أنطوان دوانيل يركض على شاطئ البحر قبل أن يرمي نظرته المعذبة في اتجاه الكاميرا. مشهد أسطوري يحتل هذه الأيام ملصق الدورة الحادية والسبعين (27 آب - 6 أيلول) لمعرض الفنون السينمائية، المعروف اختصاراً بمهرجان البندقية، الذي انطلق أمس بفيلم "رجل الطير - فضيلة الجهل غير المتوقعة" لأليخاندرو غونزاليث ايناريتو، المشارك في المسابقة الرسمية. الرسام الايطالي سيمون ماسي هو صاحب هذه المبادرة التي تأتي في سياق ردّ اعتبار البندقية إلى رموز السينما الأوروبية. في الدورات السابقة، كان هناك الرجل الذي يلوّح بيده كإشارة الى سينما تيو انغلوبولس، وها ان جدران الليدو تتزين الآن بوجه المراهق جان بيار ليو. مع كل هذه الأفلام الاشكالية، لا بد انه الوجه الرسمي لنزاع معلن. عظمة على عظمة!
هذه ليست المفاجأة الوحيدة في البندقية هذه السنة. هناك أيضاً قرار إسناد رئاسة لجنة التحكيم الى مؤلف الموسيقى الفرنسي ألسكندر ديبلا (1961)، الذي سبق أن كان عضواً في لجنة تحكيم الدورة 63 لمهرجان كانّ. إنها المرة الاولى تُسنَد فيها مثل هذه المهمة الى ملحّن. ولكن دعونا لا ننسى ان ديبلا هو ايضاً رجل سينما من الطراز الرفيع وسبق له ان تعامل مع سينمائيين من مثل بولانسكي وأوديار وماليك. ألبرتو باربيرا كشف في بيان، أن هذا الذي ترشح ست مرات لـ"الأوسكار" متذوق كبير للسينما ومطلع على تاريخها القريب والبعيد.
كما في كلّ مهرجان، هناك الأفلام المنتظرة، وهي غالباً لقامات كبيرة في السينما، تتنازعها المهرجانات الكبيرة. هؤلاء لم يعد لهم ما يثبتونه. هناك ايضاً الأفلام التي يراهن عليها باربيرا، الذي يتولى الادارة الفنية لـ"الموسترا" للعام الثالث على التوالي. فهذه تظاهرة اخرى تجمع بين أفلام الـ"هابي فيو" وتلك التي يمكن ان تكون لاعبة اساسية في موسم الجوائز. عن صعوبة اختيار الأفلام، هذا ما كان يقوله باربيرا في الدورة الماضية لـ"النهار": "برنامج كل مهرجان لا يتوقف فقط على ذائقة المدير الفني، إنما على معطيات أخرى، كجهوزية بعض الأفلام وعدم جهوزية البعض الاخر. بدأتُ مساري من مهرجان تورينو الذي أدرته لمدة 14 عاماً. في المهرجانات، لا نستطيع أن نفعل كل ما نريده. هناك مفاوضات مع المنتجين والسينمائيين. يجب الأخذ في الاعتبار ايضاً التوزيع المناطقي. يجب أن نتكلم في كل حالة على حدة، وحتى لو فعلنا ذلك، يصعب الشرح. اعترف مثلاً أنه كان يجب أن نضع بعض الأفلام في المسابقة، لكن لن اقول لماذا لم نفعل، لأن الشرح سيطول جداً".
55 فيلماً تشارك في التشكيلة الرسمية بأقسامها الثلاثة: المسابقة الرسمية التي تضم الفيلم الذي سينال "الأسد الذهب" في نهاية ماراتون المشاهدة التي تمتد على 11 يوماً، قسم "اوريزونتي" والأفلام خارج المسابقة. كل هذه الأفلام تُعرض للمرة الاولى، ما عدا فيلم واحد سبق أن عُرض في بلاده. 3377 فيلماً قصيراً وطويلاً شاهدتها لجنة المشاهدة في المهرجان، قبل أن يرسو خيارها على نحو أكثر بقليل من اثنين في المئة منها. العملية أشبه بالبحث عن إبرة في كومة من القش. 20 عدد الأفلام التي تشارك في المسابقة. من العناوين التي تثير الحماسة السينيفيلية: "بازوليني" لأبيل فيرارا (مسابقة). حكاية اليوم الأخير من حياة المخرج الايطالي الذي قضى غدراً في تشرين الثاني من عام 1975. اغتيال بازوليني الذي يضطلع بدوره هنا وليام دفو، ظلّ غامضاً لسنوات. مَن الذي افاد من هذه الجريمة الوحشية. هل جيوسيبي بيلوزي هو القاتل الحقيقي ام ثمة مَن يقف خلفه؟ يبدو ان عند فيرارا بعض الأجوبة، وفق ما صرّح بع لجريدة ايطالية، لكنه لن يدخل على الأرجح لعبة التسميات.
فيلم ثانٍ محوره الجريمة: "نظرة الصمت" لجوشوا اوبنهايمر (مسابقة). يواصل المخرج الاميركي تصوير الضمير الميت في اندونيسيا على المستوى الجماعي بعد تحفته السينمائية، "فعل القتل"، العام الماضي. حجم الموضوع جعله لا يكتفي بالذهاب الى القتلة وتحويلهم مجموعة مهرّجين تثير أعمالهم المقززة الشفقة. هذه المرة وضع يده على الشجاع الذي تجرأ على الوقوف امام قاتل شقيقه ومواجهته. فكما رأينا في الفيلم السابق، هؤلاء القتلة لم يحاكَموا، بل يرهبون الناس الى اليوم، وتروّج وسائل الاعلام باعتبارهم من الأبطال القوميين. بالنسبة لأوبنهايمر، كان "فعل القتل" من النتائج التي تترتب على المجتمع عندما يعيش في النفاق والخوف، أما جديده فاسكتشاف لمعنى أن يكون المرء ضحية هذين النفاق والخوف.
فيلم ثالث عن جريمة، جريمة جماعية هذه المرة: "القطع" للمخرج التركي الأصل فاتي اكين (مسابقة). هذه المرة الأولى يناقش فيها مخرج تركي إبادة الأتراك للأرمن عام 1915، ما يُعتبر حدثاً بذاته. بعد مقابلة له في جريدة تركية، تلقى اكين تهديدات من جماعات قومية متطرفة. "القطع" يعرفه اكين كـ"وسترن" تجري حوادثه خلال الابادة وتتمحور حول رجل (طاهر رحيم) يبحث عن طفليه. الانتاج يحمل سمات دولية من حيث الانتاج واللغات والمواقع التي صُوِّر فيها الفيلم. استعان اكين بالأميركي الأرمني مارديغ مارتن لكتابة السيناريو. فهل يتخلص من العبء الذي يثقله منذ سبع سنوات، أي منذ اللحظة التي بدأ يخطط لانجاز هذا الفيلم؟ وهل يفتح النقاش في الداخل التركي حول أحد أفظع الفصول في التاريخ البشري؟ خصوصاً ان قرناً كاملاً يمضي السنة المقبلة على الإبادة؟
من اهم اللقيات في هذه الدورة وصول الأسوجي روي اندرسون الى الليدو متابطاً "حمامة جالسة على غصن تفكر في الوجود" (مسابقة). هذا المخرج طار صيته مع "أغنية الطبقة الثانية"، وهو يقدم فيلماً جديداً، تقريباً مرة كل سبعة أعوام. هذا مخرج عصيّ على التصنيف، وكذا بالنسبة لكوكبه السينمائي الذي يستل فرادته من الحياة اليومية والحكايات العادية. بيد ان لديه قدرة هائلة على محاكاة الواقع. ترى ما الذي يخفيه جديده الذي يتعقب خطى بائعين متجولين؟ الجواب بعد أيام. مخرج آخر غير بعيد عن أسوج، يعود هو الآخر. انه النمسوي اولريش زيدل الذي يعرض جديده خارج المسابقة. "القبو" عن علاقة النمسويين الاستثنائية بكهوفهم. يقول زيدل: "ستفاجأ ربما اذا قلتُ لك ان أشياء مهمة كثيرة في بلادنا تحصل في الكهوف. انها الأماكن المفضلة للناس، فهم يفعلون فيها ما يحلو لهم، علماً ان سواد هذه الأمكنة مقلق وما تخفيه لا حدود له. يمكنك قول الكثير عن مجتمعنا وعالمنا وأنت جالس في كهف".
السينما الفرنسية تحضر بجديد الفرنسي كزافييه بوفوا، صاحب "رجال وآلهة". "فدية المجد" (مسابقة)، من تمثيل بونوا بولفورد، رشدي زمّ، كيارا ماستروياني ونادين لبكي. في سويسرا عـــام 1977، غداة موت تشارلي شابلن، قرر لصان ان يسرقا جثته ومطالبة عائلته بمبلغ من المال مقابل اعادتها. مخرج "لا تنسَ انك ستموت"، يعود بكامل ألقه في هذا الفيلم الذي يمشي على خطى الكوميديات الايطالية. ثلاثة أفلام فرنسية أخرى تشارك في المسابقة من تواقيع كلٍّ من بونوا جاكو واليكس دولابورت ودافيد أولهوفن. اما نظيرتها الروسية فيتولى "تمثيلها" المخرج الروسي القدير اندره كونتشالوفسكي، الغائب منذ فترة او المعتكف عن تقديم أي جديد يُذكر. 12 سنة بعد فوزه بجائزة لجنة التحكيم الكبرى في فينيسيا، يقدم كونتشالوفسكي "ليالي ساعي البريد البيضاء" (مسابقة)، حاملاً ايانا الى يوميات سكان احدى القرى الروسية البعيدة.
في قسم "خارج المسابقة"، تنوع واضح. المخرج والمؤرخ الأميركي الشهير بيتر بوغدانوفيتش يأتي بـ"هي مضحكة هكذا" وغييرمو أرياغا يطرح فيلماً جماعياً عن الاديان يشارك فيه كلٌّ من اميــر كوستوريتسا واموس غيتاي وغيرهما. الاسرائيلي غيتاي يكرر عودته الى الليدو بفيلم "تسيلي" بعد عام على تقديمه "انا عربية". الحرب العالمية الثانية والمحرقة من محاور هذا الشريط. أما الدانماركي لارس فون ترير، فلا فكاك منه هذه السنة. بعد برلين الذي شهد عرض النسخة الكاملة من الجزء الأول من "نمفومانياك"، يهدي إلينا الجزء الثاني منه، دائماً بلا أي قطع من جانبه. مانويل دو أوليفيرا، ذو الاعوام الـ106 وعميد المهرجان، لا يزال نشطاً ويشارك في "الموسترا" بفيلم من19 دقيقة عنوانه "رجل بيليم العجوز". فيلمان من الشرق الأوسط. الأول، "الرئيس" للمخرج الايراني محسن مخملباف، يصوّر رئيساً في قرية خيالية في القوقاز ينتحل هوية رجل عادي كي يدخل الى واقع الناس الذي لم يكن يعرفه عندما كان رئيساً. الثاني، "ثيب"، انجزه المخرج الاردني الشاب ناجي أبو نوار في تجربة سينمائية أولى له. أخيراً، تكريمات عدة ستوجه خلال المهرجان، منها واحد للمخرج الأميركي فريدريك وايزمان.

hauvick.habechian@annahar.com.lb

 

ثلاثة من مخرجي "البندقية 71" قالوا لـ"النهار":

كونتشالوفسكي عن تاركوفسكي:
"لم أتأثر به ولم يتأثر بي. تعاملنا معاً فحسب. كنت معاوناً له وكنا نتعارك كثيراً. قمنا بالكثير من الحماقات معاً. كنا شباباً. وبعد ثلاثة افلام انجزناها معاً، انفصلنا، لأن كلاً منا سلك طريقاً مغايراً لطريق الآخر. في مرحلة ما، بدأت أشعر أنني لم أعد اتعرف الى اسلوبه والى الأشياء التي صنعته في بداياته الاولى. آليته السينمائية باتت غريبة وقائمة على المطولات، وعميقة جداً، وهذا ما كان يثير مللي. هذه المشكلة كانت قائمة عنده منذ "أندره روبليف"، مع ان هذا الفيلم كان مختلفاً الى حدّ ما عن أفلامه اللاحقة، سواء في ايقاعه او لغته. حين كنت أوجّه اليه ملاحظة، قائلاً له إن أفلامه بطيئة وطويلة جداً، كان يردّ قائلاً: أنت لا تفهم! هذه كانت طريقته في العمل وأنا أحترمها، واستطاع ان يحول اسمه صفة، اذ اليوم بتنا نسمع عبارة على الطريقة التاركوفسكية".

أولريش زيدل عن الهواة:
"لا أستعين دائماً بالهواة، بل أحياناً بالمحترفين. ما اسعى اليه هو توليد الشرارة الحاصلة من الاحتكاك بين المحترفين والهواة. انتظر مفاجأة من لقاء الاثنين. يستحيل حصول هذا مع الوجوه التي نعرفها ونراها تنتقل من دور الى آخر. عادةً، تقمص الدور عندي يتطلب من الممثل وقتاً طويلاً، ريثما يدرك ما انتظر منه، فتتعمق بيننا روابط الثقة المتبادلة، وهذه تحتاج الى صبر كبير. من دون هذه الثقة، أؤمن ان لا صدقية على الشاشة".

فريدريك وايزمان عن الشخصية:
"لا أقيم علاقة مع شخصياتي قبل التصوير. أحياناً أكتفي بمقابلتهم. ألتقي معظمهم خلال التقاط المشاهد. الوحيدون الذين اتعرف إليهم قبل بدء التصوير هم الاداريون.
عندما تعطيني الشخصية التي أنوي تصويرها الاذن لنقل صورتها، هذا يضعني أمام مسؤولية كبيرة. ولكن عليّ أولاً أن أشرح جيداً ماذا أريد أن أفعل. لديّ واجبات تجاه الشخصيات، ولا تراني مثلاً انني غيرتُ لون الملابس أو وضعتُ سيكاراً في فم شخص لا يدخن. لا أدفع المال للناس الذين أصوّرهم، لأن هذا يغيّر طبيعة العلاقة بين المصوِّر والمصوَّر".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard