المجدِّد الشيخ حسن العطار

21 آب 2014 | 00:00

كثرت في الآونة الأخيرة الدعوات التي انطلقت من اتجاهات متعددة لأهمية تجديد الخطاب الديني.

أعرض اليوم لمقالة مستنيرة للكاتب الصحافي المعروف الأستاذ أحمد الجمال حلل فيها عقبات تجديد الخطاب الديني، مطبقاً فيها بمقدرة فذة المنهج التاريخي لعرض الصراع الذي دار في مصر المحروسة الذي بدأ قبل عهد محمد علي بين الأول هو مشروع الركود الفكري، والثاني هو مشروع التجدد الحضاري (راجع مقال الجمال في "الأهرام" بتاريخ 9 آب 2014 بعنوان "تجديد الخطاب الديني").
ونتيجة لقراءة الجمال الدقيقة للتاريخ الفكري المصري الحديث أشار إشارة صائبة إلى أن رائد التجديد الحضاري كان الشيخ حسن العطار أستاذ رفاعة رافع الطهطاوي الذي أصبح بعد عودته من البعثة التي أرسلها محمد علي إلى باريس رائد الفكر العربي الحديث. والواقع أن الطهطاوي هذا الصعيدي العصامي يمثل بتاريخ حياته الحافل أسطورة فكرية مصرية!
فهذا الأزهري الذكي الذي عينه محمد علي إماما للبعثة التي أرسلها إلى فرنسا ليكتسب أعضاؤها أصول الصنائع الغربية ومبادئ العلم الحديث في مجال الفنون العسكرية والصناعة والتكنولوجيا سرعان ما ظهر أنه كان أنبغ أعضاء البعثة.
وقد استطاع نتيجة قراءاته الموسوعية في الفكر الغربي ومشاهداته الثقافية لأساليب الحياة في المجتمع الفرنسي أن يقدم للقارئ في عصره في كتابه الشهير "تخليص الإبريز في وصف باريس" والذي تضمن مذكراته عن حياته في باريس النموذج الفكري الفرنسي، والذي كان يقوم في الواقع على مبدأ أساسي من مبادئ الحداثة الغربية وهو أن "العقل هو محك الحكم على الأشياء وليس النص الديني". وذلك لأن أوروبا تحت تأثير تطورات حضارية شتى فصلت بين الدين والدولة بتأثير العلمانية، وحكّمت العقل في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، واعتمدت أساساً في التنمية على العلم والتكنولوجيا.
ولكن الطهطاوي لكونه كان مدركاً إدراكاً عميقاً أنه يكتب لقراء في بيئة محافظة ومتخلفة ويهيمن عليها النص الديني التقليدي، حاول بذكاء نادر أن يقرب المبادئ المعرفية الغربية إلى أذهان المصريين الذين سيطرت عليهم مبادئ العقل التقليدي الديني، وذلك بإيراد نصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية تؤكد المبادئ المعرفية الغربية. وكأنه كان يريد أن يقول – كما قال الشيخ محمد عبده من بعد في كتابه المعروف "الإسلام والعلم" - أنه ليس هناك تناقض حتمي بين المبادئ المعرفية العقلية والنصوص القرآنية.
ويفرق الجمال تفرقة واضحة بين مشروعي الركود التاريخي والتجدد الحضاري اللذين ما زال الصراع بينهما محتدما حتى اللحظة الراهنة، بالإضافة إلى أن مشروع التخلف والركود والذي يتمثل في "الحفظ والتلقين والتسميع والاكتفاء بما هو متوافر من نتائج السلف ومعاداة إنجازات العصر بما في ذلك أدوات البحث العلمي وتطبيقاته يقف ضد مشروع التقدم والتجديد بإعمال العقل وبذل الجهد وإفراغ الوسع ليس فقط في ما يتصل بالدين والفقه وأصولهما وإنما في كل ما يتصل بالحياة".
وهنا لا بد أن يثار سؤال: من أين استمد الشيخ حسن العطار اتجاهاته التجديدية التي كانت تعتبر ثورية في عصره؟
يجيب الجمال على هذا السؤال بذكر حقائق تاريخية ثابتة، أهمها أن الشيخ "العطار" لم يقنع بدراسة العلوم المعروفة في عصره ولكنه درس الهندسة والرياضة وتعمق في دراسة الفلك ودرس الطب.
والشيخ العطار الذي أصبح شيخاً للأزهر هو الذي قاد حملة تجديدية كبرى في مجال التدريس في الأزهر وسانده في ذلك الزبيدي صاحب كتاب "تاج العروس". ويقرر الباحث الأميركي المعروف بيتر جران في كتابه الشهير "الجذور الإسلامية للرأسمالية" أن الشيخ العطار والزبيدي" "هما اللذان قاما بالتجديد الفكري في الأزهر".
ومن المعروف أن بيتر جران له نظرية مضادة لنظريات المستشرقين وبعض الكتاب العرب الذين تأثروا بكتاباتهم، والتي تذهب إلى أن الحملة الفرنسية هي - بما حملته معها من أفكار غربية وممارسات سياسية ومعامل علمية - التي بدأت التجديد في سياق المجتمع المملوكي المتخلف والذي كان راسفا في الجمود والنقل عن السلف، وعدم متابعة التطورات الفكرية والعلمية الكبرى في العالم.
على العكس من ذلك يرى جران أنه نشأت في مصر في النصف الثاني من القرن الثامن عشر رأسمالية تجارية نشطة، صاحبتها نهضة فكرية تجديدية ويستدل على ذلك بتحليل مخطوطات متعددة لم يدرسها أحد من قبل.
وعلى ذلك يمكن القول أن مشروع التجدد الحضاري بدأ مبكراً في الواقع ويستمد أصوله من مشروع الشيخ حسن العطار، غير أنه تعثر تعثراً شديداً عبر الزمن نتيجة ظروف تاريخية وسياسية وفكرية واجتماعية معقدة، بحيث ضاعت معالمه الأساسية وغرقنا في ضباب مشروع الركود التاريخي الذي ساهمت في صنعه نظم الحكم السلطوية والمشايخ التقليديون الذين أغلقوا باب الاجتهاد، وقنعوا باجترار المرويات الخرافية والتفسيرات الرجعية للنصوص الدينية مما جعل الدين مفارقاً لروح العصر. ويصل الأستاذ الجمال في تشخيصه الدقيق إلى لب المشكلة ومبناها أن "آفة التخلف والركود بالحفظ والتلقين والتسميع منتشرة وبائياً في مختلف جنبات حياتنا".
وهكذا فلا فرق بين عقم التعليم الأزهري وتدهور التعليم المدني في المدارس والجامعات، فالعملية التعليمية تعادي روح الابتكار وتحرص على تشكيل "عقول إتباعية" وليس عقولاً نقدية تقوم على البحث والمساءلة وتطبيق منهج الشك بصورة إبداعية للوصول إلى الحقيقة.
غير أنه ينتقل في المناقشة نقلة كيفية حين يقرر في ملاحظة نافذة أن "الحفظ والتلقين والتسميع سمة غالبة في مجال السياسة تنتشر في الأحزاب والحركات المدنية أيضاً".
وهو بهذا يشير مباشرة إلى سر تدهور النخب السياسية المصرية الراهنة التي عجزت عن التجدد المعرفي، وهو يقرر ساخراً: "هناك من يحفظ ويستظهر متون الليبرالية كما جاءت في كتبها التقليدية، وهناك من يفعل الشيء نفسه مع المتون الماركسية والمتون القومية".
ومعنى ذلك أننا في الواقع لسنا في حاجة فقط إلى تجديد الخطاب الديني ولكن لا بد أن نسعي إلى تجديد الخطاب الفكري المصري بوجه عام، حتى نستطيع أن نقرأ نقدياً تحولات العالم المعاصر في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، وأهم من ذلك الفهم العميق لمنطق هذه التغيرات.
هذا هو الطريق الذي لا طريق غيره لبدء النهضة المصرية الجديدة.

باحث مصري

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard