أي حياة من بعده؟

19 آب 2014 | 00:00

تلك الليلة كانت واحدة من أصعب استحقاقات حياتها. لم تكن تعتقد أن الزوج الذي واجهت العالم من أجله وانتصرت معه حتى على المرض، تغيّر فعلاً الى هذا الحد. أهو المرض الذي يبدلنا بعدما وضعنا في مواجهة شرسة مع الموت؟ أهو الرجل الذي يعيش تحولات صعبة بعد فترة من الزواج؟ أم إنها المرأة التي تقدم حباً عظيماً يصل بالعلاقة أحياناً حدود الملل؟

حين واجهته بشكوكها، لم ينفِ. لم تفهم كيف لرجل اقترب من الموت، ثم عاد مفعماً بالحياة، أن يستهل الصفحة الجديدة التي قرر أن يعيش... بالخيانة! عادةً يتحايل الرجل على زوجته: قد ينكر وقد يعطي ألف حجة. لكن زوجها كان واضحاً. لم ينفِ. قال لها إنه في فترة ما، اكتشف أن العمر والتجارب بدّلا من نظرته إلى امور كثيرة. احب ان يختبر علاقة جديدة مع امرأة جديدة. لم يتعلّق بها لكنها أيضاً لم تكن مجرّد نزوة. عاش معها تجربة مختلفة، قبل أن يصل الى قناعة بأن الحياة التي يريد هي مع زوجته وولديه. قال إنها علاقة جديدة، اختبرها وانتهت.
هل هذه هي الحياة التي يريد أن يختبرها بعد المرض؟ قبل تلك الليلة كانت أماً مثالية. الآن هي امرأة مكسورة. أنوثتها تأتي قبل أي حسابات أخرى. مئة سؤال بدأت – بلا جدوى – البحث لها عن إجابات.
بالأمس، كانت تعتقد أن السعادة بالنسبة إليه تبدأ عندها هي، وتنتهي أيضاً عندها هي. هي الزوجة، والحبيبة، والشريكة التي خاضت معه أشرس المعارك فربحاها. اليوم، زلزال ضرب كيانها وأسرتها. تزعزع كل ماضيها. في لحظات مماثلة، حين تخوننا ما كنا نعتقد أنها من الثوابت، نعيد النظر حتى في أبسط البديهيات. أكثر ما يؤلمها الآن تلك القناعة الجديدة: السعادة قد تُصنع مع امرأة أخرى. نعم نحن نصنع سعادتنا، تماماً كما نُحيك بأيدينا خيباتنا.
استنفدت طاقتها كل المعارك السابقة. لم تعد تقوى على القتال من جديد. ولكن، هل ثمة متعة للحياة من دون حروبنا الكبرى والصغيرة؟ ها هي مجدداً على الجبهة. لكن الفرق هذه المرة أن ساحة القتال داخلية. عدوها ليس الزوج ولا العشيقة، أكانت تلك المرأة التي رفضت حتى ان تعرف هويتها لتقارن نفسها بها، أو أي امرأة أخرى قد تظهر لاحقاً. عدوتها هي تلك الأنا العالقة بين البقاء والرحيل. تمتزج المشاعر في قلبها. يعتصرها ذاك التناقض. تارة تغرق في لوم النفس وطوراً تعيش فورات من الغضب، فتثور وتكره زوجها، ثم تهدأ وتستكين.
اللعنة على هذه الحياة. لا معنى لها من دونه، ولا قيمة لها معه. أن تعيش مكسورة القلب أسهل ألف مرة من مسلوبة الكرامة. ماذا تفعل الآن؟
مرت الايام. أسبوع، أسبوعان... ستة أشهر. حدّة الصراع الداخلي تزيد. ما زال تلك الأنا عالقة بين البقاء والرحيب. ما زال زوجها يخرج أحياناً كثيرة وحيداً. وما زال يقنعها كل ليلة أن ما حدث في تلك الفترة انتهى، وأن تلك المرأة اختفت بالطريقة نفسها التي ظهرت فيها. ما زالت تحاول تصديقه. تحبه. في الواقع هي تحب نفسها أيضاً. تخاف على صورة المرأة فيها، أن يقال إنها ربحت معارك العالم لكنها خسرت معركتها. ما زالت تجلس على ذاك السرير، تعيد طرح الأسئلة نفسها، تنظر الى المرآة بشكل خاطف قبل وصوله، ثم تلعن ضعفها الذي يمنعها من اتخاذ قرار يريحها... فعلاً، لقد ربحت كل معارك العالم لكنها خسرت معركتها.

الجزء الأول عبر موقع "النهار" / باب "نهارك"

georges.moussa@annahar.com.lb
Twitter: @moussa_georges

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard