أي حياة من بعده؟

12 آب 2014 | 00:00

مضى على زواجهما 16 عاماً وشهرين وخمسة أيام. قصة تشبه تلك التي كانت تقرأها في الكتب. حتى الآن، تجد متعة غريبة في سرد تفاصيلها على كل من تتعرف إليه حديثاً. صبية في الـ25، تغرم بشاب يصغرها بسنة. هي من عائلة بقاعية معروفة، وهو إبن عائلة بيروتية متوسطة الحال، إن لم نقل فقيرة. كان عليها أن تخوض معارك شرسة لتحظى بمباركة الجميع ويتزوجان. معاركها تلك جعلته يحبها أكثر: قدرتها على المواجهة، حججها في إقناع خصمها، صلابتها في مواجهة الصعاب، صبرها الذي لا ينفد، وجمالها الذي كان يسحر كل شاب (وعدد لا يستهان به من الأساتذة) في الجامعة حيث تعرفا. هو أيضاً، كان يملك وسامة تزيده سحراً مع مرور السنوات. السنوات... مرت بسرعة. كان كل شيء مثالياً. أثبت نفسه في الحياة المهنية. وفّر لها حياة كريمة. أنجبا صبيين، وسكنا منزلاً جميلاً في واحد من أرقى أحياء بيروت. القدر لم يبتسم طويلاً.

في الواقع، لقد تأخّر حتى يبدّل ملامح وجهه. قبل 3 أعوام، ضعف الزوج. تدهورت صحته بشكل فجائي. لم يعيشا فترة ضياع طويلة حتى علما الحقيقة. إنه يعاني ورماً خبيثاً، والمرض في مرحلته الثانية. انتقلت الزوجة مع شريكها مجدداً إلى الجبهة. هذه المرة العدو شرس. ليس أبوها الذي تعرف كيف تتحايل عليه لتقنعه بشريك المستقبل. العدو قذر وماكر، والمسألة تتعلق بحياة أو موت. تعلّقت به كثيراً أثناء المرض. لا علاقة للأمر بالتعاطف أو الشفقة. لقد اكتشفت فيه جوانب أخرى، أشعلت حبها ورغبتها كأنها تغرم به للمرة الأولى. هو أيضاً تعلّق بها بشكل مخيف، كانت له كل شيء: العلاج والدواء ومفتاح الصبر والأمل. انتهى العلاج. شُفي الزوج. أحبته أكثر حين قرر النهوض مجدداً... حين قرر أن يحب الحياة ويستعيد فيها شباباً، قال لزوجته إنه أضاعه على جبهات قتال كثيرة. فجأة، بات يواظب على ممارسة الرياضة. يقضي ساعات طويلة في النادي. بات يختار ملابس تظهره بعمره أصغر. بات يسهر، يسهر كثيراً. ومن دونها حتى. لم تتذمر. كانت تسعد حين تراه قوياً وفرحاً. كانت تنتظره في كل مرة، لتتأكد أنه ما زال سعيداً. حتى تنبّهت أخيراً إلى أنه أصبح يزداد فرحاً خارجاً، فيما ساعات انتظارها أصبحت تطول كثيراً.
مضى على زواجهما 16 عاماً وشهرين وخمسة أيام. الليلة أيضاً إختار السهر وحيداً، فيما هي في المنزل تنتظره. كل شيء في غرفة نومهما يشعرها بالاختناق. كل زاوية تحمل مئة ذكرى كفيلة بإيقاظ كل الذكريات. المؤلمة، وتلك الفرحة التي تترك مرارة في القلب، أكثر إيلاماً. الدقائق تمر ببطء قاتل. الساعة الآن قرابة الأولى فجراً. منذ الثامنة مساء وهي على هذه الحال. لقد تأخر. في الواقع، لم يتأخر. عادة، لا يعود قبل الثانية. لكنها الليلة تود لو يأتي أبكر. لقد وصل. وهو يفتح الباب، كاد قلبها يقفز من مكانه. ماذا تفعل الآن؟ هل تجلس على طرف السرير؟ أم تقف في وسط الغرفة، لتبدو أكثر صلابة، كما عهدها وأحبّها؟ بحركة لاواعية، نظرت بشكل خاطف إلى المرآة. هل تبدو جميلة؟ أما زال يراها جميلة؟ أما زال ذلك يهمّ؟ أي أسئلة تطرح عليه؟ كيف تبدأ الحديث أصلاً؟ أي حياة يريد أن يعيش بعد المرض؟ ما الذي يريد اختباره بعيداً عن رفيقة الدرب؟ أي شباب أضاع، وعن أي شباب يبحث؟ هل هناك امرأة ثانية؟

التتمة في العدد المقبل

georges.moussa@annahar.com.lb
Twitter: @moussa_georges

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard