الموصل مدينة العلم والأديرة

12 آب 2014 | 00:00

ما نشهده اليوم في شمال العراق له أسبابه المحلية والتاريخية. فإشكالية الخلافة لم تختفِ يوماً من الفكر الإسلامي المعاصر، بالرغم من اختفاء المنصب منذ حوالى تسعين عاماً.

انطلقت شرارة الحروب الصليبية سنة 1095م من مجمع كليرمونت ودامت حوالى مائتي سنة احتلت خلالها القدس وإنطاكية وطرابلس وبيروت ومدن ساحلية أخرى وأقيمت دويلات وبارونيات ودوفيات. وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي رافقت الحملات الحربية على مدن الشام إلا أن التبادل التجاري والتعامل بين الفرنج وسكان المدن كان ظاهرة ملحوظة، تزدهر ولا سيما في فترات الهدنات وحتى خلال بعض المعارك.
يقول أبو شامة في كتابه الروضتين أثناء الحديث عن حصار الفرنج لعكا سنة 1166م "وطال الأمر بين الفئتين وما يخلو يوم عن قتل وجرح وسبي ونهب. وانس البعض بالبعض بحيث ان الطائفتين كانتا تتحدثان وتتركان القتال وربما غنّي البعض ورقص البعض لطول المعاشرة ثم يعودون إلى القتال بعد ساعة".
وقد أدت الحروب إلى اكتشاف الغرب الأوروبي للشرق المسلم. فقد وفد إلى الشرق آلاف الأوروبيين محاربين وتجاراً وباحثين فاستقروا في مدن الشام وأصبح لكل جالية فندقاً ينزلون فيه وقنصلاً يلجأون إليه ومكاناً يؤدون فيه صلاتهم.
ورافق الحروب الصليبية انتشار التصوّف والطرق الصوفية. والتصوّف علم بأصول يعرف بها صلاح القلب والجواح بتجريد القلب عما سوى لله والوقوف مع الآداب الشرعية ظاهراً وباطناً واتباع الشريعة بفعل المأمورات واجتناب المنهيات.
ووجد الأمراء والسلاطين في الحركة الصوفية باباً لتدعيم حكمهم فبنوا المدارس والزوايا ووقفوا عليها الأوقات العامرة وشجعوا شيوخ الطرق فراج نوع جديد من الأدب تمثل في أشعار الصوفيين والموشحات والمدائح النبوية والابتهالات وهنا يأتي دور الموصل وإعلان الدولة الإسلامية منها كما سبق وأظهرت احتفالات المولد النبوي.
يقول ياقوت الحموي في معجم البلدان ان الموصل أحدى قواعد بلاد الإسلام قليلة النظر كبراً وعظماً وثيرة خلق وسعة رقعة وهي محط رحال الركبان ومنها يقصد إلى جميع البلدان فهي باب العراق ومفتاح خراسان ومنها يقصد إلى أذربيجان وسميت الموصل لأنها وصلت بين البلدان وفي وسطها قبر جرجيس النبي.
وما نسب إلى الموصل من أهل العلم فأكثر من أن يحصوا منهم إسحاق إبراهيم الموصلي الشاعر والموسيقار المطرب عاش في حماية هارون الرشيد وهو معلم زرياب أصول التلحين والغناء فلما فاقه حظوة لدى الخليفة فضل زرياب التوجّه نحو الاندلس. ومنهم شمس الدين محمد بن دانيال الموصلي (ولد بالموصل سنة 1238م) درس فيها القرآن والأدب ولما اجتاح التتار الموصل هاجر إلى القاهرة واستقر فيها وألّف بابات (مسرحيات) خيال الظل التي اشتهرت بين الناس.
واشتهرت في الموصل عدة ديارات (أديرة) منها دير العلى الذي اشتهر بأنه مركز الطقوس الكنسية الكلدانية وكانت خزانته حافلة بالمؤلّفات الطقسية. اجتاز به المأمون فأقام به أياماً ووافق نزوله عيد الشعانين فزين الدير وخرج رهبانه إلى المذبح وحولهم فتيان بأيدي المجامر قد تقلّدوا الصلبان وتوشحوا بالمناديل المنقوشة فرأي المأمون ذلك واستحسنه فأكرمهم. واشتهرت الموصل بتقديم الفن الموسيقي وتميّزها بتراث ضخم لعدة أسباب منها الموقع الجغرافي فالموصل تقع على ملتقى الطرق الرئيسية للتجارة البرية في الشرق الأدنى وعلى الطريق البري الرئيسي بين بغداد والقسطنطينية.
ليس من المستبعد أن يكون إطلاع المسلمين أثناء الحروب الصليبية على عادات الفرنج في أعيادهم ولا سيما عيد الميلاد، دافعاً جعل شيوخ الطرق الصوفية يدعون المريدين لإحياء حفلات ذكر تمجيداً ومديحاً للرسول، مما أدى إلى انتشاء ثقافة الموالد والمدائح. ويرجع تاريخ الإحتفال بالمولد النبوي الشريف إلى مستهل القرن الخامس للهجرة أيام السلطان محمود الغزنوي. وساعدت الحروب الصليبية على انتشار الاحتفال به في أقطار الإسلام بالمشرق والمغرب.
عندما قام نور الدين محمود زنكي مقام والده سنة 541هـ في ولاية دار الموصل والبلاد الشامية، ظهرت كفايته في محاربة الفرنجة وكان مواظباً على الصلوات عاكفاً على تلاوة القرآن حريصاً على فعل الخير.
ويستفاد من حوادث سنة 566هـ/1170م ان نور الدين محمود (زنكي) شجع الاحتفال السنوي بالمولد فقد جاء في حوادث تلك السنة انه اكن بالموصل شيخ صالح يعرف بعمر الملا لا يملك شيئاً من حطام الدنيا، وكان ذا معرفة بأحكام القرآن والأحاديث النبوية وكان العلماء والفقهاء والملوك والأمراء يزورونه في زاويته ويتبركون بهمته ويتيمنون ببركته وله كل سنة دعوى يحتفل بها في أيام مولد رسول الله يحضر فيها صاحب الموصل ويحضر الشعراء وينشدون مدح رسول الله في ذلك المحفل وكان نور الدين من أخص محبيه يستشيره ويكاتبه في أموره.
ويبدو أن الطريقة الصوفية النقشبندية هي الأكثر انتشاراً في الموصل وجوارها حالياً. وكانت تسمى بالبدء الصديقية ثم طيفوريه فخواجكانية نسبة الى ختم (ذكر) الخواجكان وهو جمع خواجة وتعني الشيوخ، وصولاً الى محمد بهاء الدين النقشبندي الأويسي البخاري المعروف بشان نقشبند. والنقشبندية هي طريقة الصحابة تتجنب الرخص وتبتعد عن البدع والانحرافات ملتزمة بآداب الشريعة وتحث على الاعتدال وفضيلة الوسط. وفي أرشيف الشيخ محمد توفيق الهبري رسالة من الشيخ النقشبندي موجهة للشيوخ محمد الهبري وحسن المدور والشيخ توفيق الهبري يأذن لهم فيها بإقامة الختومات الخواجكانية في الأوقات المناسبة. وكانت للنقشبندي صداقة مع المفتي الشيخ مصطفى نجا والشيخ اسماعيل النبهاني وغيرهم.
ولا ينكر أحد أن الحافز الديني يعكس حاجة نفسية وعاطفية، وهذه الحاجات تتشابه مثل الحاجة الى الخبز والماء والهواء والأمن. ومع فشل الأنظمة قويت الحاجة النفسية الدينية وبدأ الحافز يتحول الى نهايات سياسية. وشاعت منذ سنوات خطة الغرب بإعادة النظر بخريطة الشرق تحت شعار التنفيس على القوميات المكبوتة. لأن الحكومات التي توالت على الأنظمة الناشئة بعد انتهاء الحكم العثماني فيما سمي بالربيع الأول، أهملت تنمية المجتمع وتطويره وإرساء قواعد قانونية مدنية للدولة تضمن العدالة والمراقبة والمحاسبة، ما أدى الى تراكم عوامل الثورة لدى الطبقات المسحوقة والتي سوف تأخذ نتيجة الكبت مسارات أخرى.
يذكر بأنه منذ عهد الخليفة العباسي المعتصم، فقد الخليفة سلطته الفعلية التي أصبحت بيد حكام الاقاليم وأصبحت الخلافة رمزاً، وكثيراً ما تعرض الخلفاء لإهانات واعتداءات لا حصر لا. وقد لجأ السلاطين الى إضفاء الصفة الشرعية لسلطتهم من خلال الحصول على درع التثبيت من الخليفة، مقابل الدعاء للخليفة في خطبة الجمعة ووجود اسمه على النقود المتداولة. وعندما فتح السلطان سليم مصر سنة 1517م حمل الخليفة المتوكل معه الى الاستانة ثم وجه له تهمة الاختلاس وسجنه الى ان أعاده السلطان سليمان القانوني الى القاهرة ومات فيها سنة 1543م.
وكان المجلس الوطني التركي قد أعلن سنة 1922م الغاء السلطنة لصالح الحكومة التي أعلنت الجمهورية سنة 1923م وقد عنى ذلك في حينه الفصل بين السلطنة والخلافة، الى أن تقرر الغاء منصب الخلافة سنة 1924م.
ومع اعلان الخلافة مجدداً مع "الدولة الإسلامية في العراق والشام" نذكر الكتاب الذي نقله عبد الغني سني بك سكرتير ولاية بيروت السابق من التركية الى العربية بعنوان "الخلافة وسلطة الأمة" (طبع سنة 1924م) بهدف إظهار مشروعية الفصل بين الخلافة والسلطنة وهو ما كان الشيخ الأزهري علي عبد الرازق قددعا اليه في كتابه "الإسلام وأصول الحكم".

(محام ومؤرّخ)
(أجزاء من مقالة)

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard