مهرجان - ليلة أوبرالية عريقة في يوميّات غلبون الثقافية للعام 2014 ليلى كنعان نبّوت السوبرانو الكولوراتور تغوي بصوتها ومعها نصلّي

11 آب 2014 | 01:08

غلبون. نتذكر الطريق المؤدية إليها من عمشيت صعوداً إلى روابي صنوبرية تسهر مع النجوم ليلاً وتحلم مع غياب الشمس عصرا، حين تدعونا مع حلول الصيف إلى لياليها الفنية- الثقافية الحريصة على النوعية والقيمة العالية، حيث للطرب والمتعة، أكانا من مذاق الشرق أم من الغرب، شرطان أساسيان، الرفاهية والأصالة.

ليلة الجمعة أضاءت بشعارها "غلبون في البال" دليل الزائر إلى هدفه، كنيسة مار جرجس التراثية، حيث تحت عقودها المرصّعة بالحجارة تحوّل قدّاسها إلى قداديس من الفن الأصيل، والمؤمنون إلى مناولة من كأس الطرب. هكذا، والسمع مرهف يتلقى حبات اللؤلؤ من حنجرة السوبرانو ليلى كنعان نبّوت، التي اكتشفنا فيها موهبة عالية في الغناء السوبراني الكولوراتوري، يرافقها على البيانو تييري واندرمير. هي التي أرست فنّها الغنائي والتشكيلي في مدينة تيونفيل الفرنسية، لم تهف إلى العالم الكبير، الذي بات يعج بألوف الأصوات الأوبرالية المشغولة على التقنيات الهائلة وفن الدراما. فسيرتها المعرّفة عنها، تذكّر بداياتها بالغناء الليريكي في أوائل التسعينات في المعهد الموسيقي اللبناني، ثم في الكونسرفاتوار الوطني لمدينة رين الفرنسية، إلى أن ترقّت في تدريب صوتها الطيّع في مدينة ساربروك الألمانية، وصولاً إلى دروس في الغناء الليريكي في كونسرفاتوار تيونفيل الموسيقي، أدّت إلى الشهادة العالية في هذا النوع من الغناء الأوبرالي. وفي هذه المدينة سكنها وعملها في الفنيّن الغنائي والتشكيلي.
لولا ليالي غلبون، الباحثة عن الأفضل لموسمها الصيفي، لربما ظلّت ليلى كنعان نبّوت بأصالة غنائها وشجو صوتها، مغمورة في وطنها لبنان، وكان لينتابني الأسف لأن تكون هذه اللؤلؤة غائبة عن مهرجاناتنا فيما المهرجانات تزهو بفنّاني الغرب، مغنين وعازفين، كلاسيكيين ومن أصناف الجاز والروك والبوب.
القديس جاورجيوس قاتِل التنين وشفيع بلدة غلبون، ترك السيف ومعركته مع الشر، لينال من هذا الصوت التائق إلى العلى والسلام. ليلى كنعان نبّوت التي كستها الطبيعة جمال الخلق والخلق، شاءت لهذه الليلة اللبنانية أن تتوزّع بين الغناء الكلاسيكي والترانيم الدينية. من طراوة الحنجرة وقدرتها التقنية على التلاعب بدرجات صوتها والارتفاع به عاليا، عاليا، بلا عثرة، أطلقت صفحات نادرة من عالم موزار، لتغدو ملكة الليل في المزمار السحري. كان ذلك في مستهل وقوفها في أمامية المذبح، والكنيسة، كما الساحة الخارجية، تعجان بالمستمعين. فلعل "ملكة الليل" هي الامتحان الكبير لكل سوبرانو تائقة إلى شفافية الكولوراتور وخروجه من الجسم البشري إلى الأثير. كانت معاً المحترفة أصول الموسيقى وفي آن واحد ماهرة في ضبط الروابط بين الجمل كما الكولوراتور. في مساحة أخرى من البرنامج كانت لها فقرة ثانية من "ملكة الليل" لموزار، فما كان ينقص هذه الساحرة الواقفة بجلال وتواضع دونما تكلّف أو مبالغات، سوى مسرح لتتحرّر هذه الملوانة التعبيرية في دراما أوبرالية كاملة.
من مشرقها المسيحي، أنشدت "أبانا الذي في السموات" بالسريانية. وما أجمل هذه اللغة الآتية من ينابيع طقوسنا المسيحية وهي تنشدها مكسوة بهالة أوبرالية، الدرب الأفقي الوحيد إلى الله. الجو كان متاحا لهذا المزيج من الغناء الذي عرفت ليلى نبّوت أن تنسّقه لهذه الأمسية الجبلية. فبعد الصلاة تناولت من أوبرا "روميو وجولييت" لغونو، ما يليق بهذه السيدة الجميلة وصوتها يصرخ بنبرات خامتها الأثيرية "أود أن أعيش". وفي فقرة أخرى من أوبرا "روميو وجولييت" هذه جولييت تغني "يا لتلك القشعريرات النابضة في شراييني". ونرتجف معها تأثراً حين يبدو الغناء قطعة من حياة وهي في دور باترفلاي من أوبرا "مدام باترفلاي" لبوتشيني، فنحتار في أي خانة هي، موزارية أم بوتشينية؟ في النمطين امرأة نورانية تعطي كل دور ما لديها من أنوثة سخيّة.
لتييري واندرمير المرافقة الوفية والعزف المنفرد، وقد عزف مرتين، أندانت لباخ وفالس لشوبان، تاركاً الديفا تريح الصوت وتنعشه بالماء. بعدهما فرد لبرنشتاين المكان ليتألق بصوتها اللعوب في أوبريت "كانديد".
من غنائها اللبناني أنشدت "خبز وخمر ومي" من كلمات الناسك يوحنا خوند وموسيقى ريمون خلّوف. وبالتفاتة حب إلى لبنان المعذّب، حيّت السيدة ماجدة الرومي لما تكنّه لها من تقدير لصوتها، ومنها غنّت "سوف نبقى"، والأغنية تعلو في سماء الأوبرا، حاملةً تعابير وطن يرفض الاستسلام.
الختام لمريم الأم الكونية والسلام يزهو بصوتها على أنغام كاسيني وغونو.

may.menassa@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard