من عين العاصفة المشرقية، نهائيات المواجهة بين خطاب الخصوصية وخطاب المواطنة

7 آب 2014 | 00:00

لا يمكن استراتيجياً فصل ما يجري في غزة، وسوريا والعراق عن تنامي خطاب "الخصوصية "الدينية والطائفية في الشرق منذ عقود، مسيحية كانت إم اسلامية أم يهودية، فتداعياته تعصف اليوم بالجميع بأبشع مظاهر النزول الى الجحيم. لا أفق سياسياً ولا ديمومة لهذا الانفلاش، فلا بد لهذا الليل القاتم من ان ينجلي. هذا يتطلب منا، في ظل التجاذبات الحالية لاعادة انتاج منظومة مشرقية جديدة، تمييزاً كبيراً وجهوزية تامة لتصحيح جذري للمسار. فعلينا ان لا نخطىء استراتيجياً الاهداف وان نتفق تكتيكياً على مسارات الوصول اليها. فالتركيز على الخصوصية اليوم هو تركيز على "المأزق"، بينما المطلوب، من عمق الطائفية المستعرة، التركيز على مناهج الوصول الى "الحل" الوحيد المرتجى، أي المواطنة.
لقد ضرب الشرق التعددي في لبنان اولا، بعد سقوط فلسطين، كونه "النموذج" الاكثر تقدماً ديموقراطياً في المنطقة والمنافس الاول للمشاريع الاحادية، عربية كانت أم صهيونية.
مسؤوليتنا هنا، كمسيحيين لبنانيين لا تقل أهمية عن الحراب التي صوبت الى النموذج اللبناني. في "سبعون" الاستقلال، تأسفت في "النهار" لفقدان اية مراجعة نقدية للتجربة المسيحية في "القبض" على السلطة في لبنان وفي مسارات فقدانها. وما زلنا بالرغم من تمدد النار، بدون رؤية وطنية تعرض حلولاً تقدمية لمأزق ولأزمة المحكومية السياسية العربية. أخطأ المسيحيون في لبنان بعدم تحصينهم مجتمع "المواطنة" في وقت كانوا فيه قادرين، في السلطة، على ارساء الشراكة الحقيقية من الشريك المسلم. فبدل تطوير شراكة الحياة وتدعيمها قانوناً وممارسة بشراكة المواطنة، اسست خصوما بيوت اده والخوري والزعماء المسيحيين واحزابهم، لمناهج صدامية الغائية بينهم، لا تزال فاعلة الى اليوم. فنمت "الخصوصية" الطائفية والمسيحية على حساب "المواطنة".
وقامت عليها تحالفات داخلية وخارجية قاتلة عمقت هذه المناهج. فضربت التجربة الشهابية من الداخل أولاً. واسقط مشروع الرئيس اللواء، مشروع تطوير النظام في دولة المواطنة والانماء المتوازي. فكان الصعود الى الجحيم. لكل فداحة الانفجار اللبناني في 1975 لم تسقط "النموذج".
فبقيت الحاجة الى المجتمع "التعايش" اقوى من مجتمعات "التمييز". فثبت اتفاق الطائف نهائية لبنان واكد المناصفة الفعلية، مازجاً بين الديموقراطية "التوافقية"، التي تحمي الطوائف، والديموقراطية "الاكثرية"، التي تسمح انتخابياً بتكوين اكثريات مختلطة عابرة للطوائف. فاسقاط الطائف بالممارسة، كان اسقاطاً لامكانية الدولة المدنية فبعد سقوط المارونية السياسية، كان صعود ثم سقوط السنية، ثم الشيعية السياسية على مقياس سابقاتها. ثم حصل الانفجار العربي بسبب تنامي ترهل الانظمة العربية وأحادياتها القاتلة، فسمي "ربيعا عربيا".
لكن سرعان ما اسقط وتلاشت مطالبها المحقة بسبب تنزيل سياسات محلية واقليمية ودولية قاتلة ارادت تركيب منظومة سياسية عربية بديلة قائمة على الخصوصية الدينية. فتفجرت الخصوصية الالغائية وتفلت من السيطرة من تفلت، وانتشر التطاحن الهدام الذي يهدد الجميع بالسقوط، بمن فيهم الشريك المسلم المعتدل ان لم يقل قوله اليوم بجرأة، اما اسرائيليا، فنفس المناهج الانتحارية قائمة. فضعف اليسار منذ مقتل رابين، وصعود اليمين المتشدد، اديا الى تنامي خطاب الخصوصية الدينية وظهور فكرة "يهودية" الدولة البعيدة عن الصهيونية التاريخية الشبه العلمانية.
فاسرائيل تستعدي اليوم تجربة "الماسادية" السياسية. فبعد سقوط الهيكل، انكفا اليهود المتشددون وعائلاتهم إلى قلعة "مسادا" التاريخية. فدخل عليهم الرومان في 73 بعد حصار ثلاث سنين ووجدوا الجميع، رجالا ونساء وشيوخاً واطفالاً، منتحرين، اذ فضلوا الموت "بالخصوصية"، على الحياة "بالتعايش"، مع الآخر. فغزة اليوم هي عنوان لازمتين بين نقيضين متشابهين لا افق لهما ينظر كل منهما الى خصوصيته المتمادية الاحادية كمعيار للسيطرة على الآخر. فلا افق اليوم لمقاومة الشعب الفلسطيني البطل وتضحياته الجمة، الا بترجمة النصر سياسياً بتثبيت الوفاق الوطني الفلسطيني ودولة التعايش والمواطنة والسلم العادل والمحق. في المقابل، لا افق للماسادية السياسية سوى الانتحار.
فالفرق كبير بين الامن والامان، والاخير لا تفرضه آلة الحرب العمياء. اما اقليمياً، فلا أفق لجحيم الخصوصيات القاتلة. وقد يكون على صدر جدول اعمال المفاوضات الاميركية – الغربية – الايرانية وما يرافقها من شد حبال مع دول "البريكس" وعلى رأسها روسيا، الحث عن طريق للخروج من المأزق الكبير بمنظومة عربية جديدة تنتج استقراراً لا يلغي التنافس. فلا تغيير في جغرافية الدول السياسية لكي لا تفتح ابواب الجحيم على الجميع.
من الثوابت ايضا ان لا ديمومة لأي منظومة بدون الاعتراف بالتعددية والتنوع وبدون مناهج ديموقراطية "تناغمية" بين الخصوصيات وليس "الغائية" لبعض منها. فلا تزال فكرة "الدولة – الامة" قائمة بالرغم من العولمة. وهي لا تزال تصلح مشرقياً اطاراً مؤسساتيا للتعايش ولتنمية "المواطنة" كونها اللباس القانوني لدمج "غير تذويبي"للهويات الذاتية في عيش واحد لا تهدد فيه "خصوصية" جماعة، خصوصيات الجماعات الاخرى.
فالمواطنة تقونن "التمايز" وتبعد شبح "التمييز" كونها العبور من "الأنا" الى "النحن" دون الغاء الأنا، تماماً كما في لاهوت الوحدة والتنوع. عندها، قد نخرج من الانفصام المشرقي القاتل، ونعيش سوية بشراكة، وكرامة، وحرية، ورخاء وثبات وثقة بمستقبل واعد للجميع. دعونا نحلم، فالحلم واليقظة جيران وكم العالم العربي في حاجة اليوم الى اليقظة!

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard