حوار - لينا بن مهنّي أشهر المدوّنات والمدوّنين التونسيين تقول الحقيقة لـ"النهار": تعرّضتُ لاعتداءات كثيرة والقمع الديني ملوّث بالدم والاغتيالات والتفجيرات والإرهاب

5 آب 2014 | 00:00

إنها مناضلة - غصباً عنها - وإن أصرّت، في أكثر من مكان خلال المقابلة، على أنها ليست كذلك. إنها "مناضلة ونصّ"، بل مناضلة من طراز مختلف. إذ تتنقل ما بين الشاشة والشارع. في الطريق تتصدى للظلم وجهاً لوجه، وأمام حاسوبها تنقل للعالم ما يحدث من فساد وظلم وانتهاك لحقوق الإنسان في تونس. هكذا كانت لينا بن مهنّي أبرز من نقل وقائع الثورة التونسية عبر الإنترنت وبلغات ثلات، متحدّيةً التعتيم الإعلامي الذي فرضه نظام الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي. رُشّحت لجائزة نوبل للسلام في وقت لم تكن قد تخطّت الثلاثين من عمرها، وبرز اسمها أكثر من مرة على لوائح أقوى نساء العرب. حازت أكثر من 15 جائزة، منها أفضل مدوّنة في مسابقة "البوبز" العالمية للمدوّنات.

¶ فلنبدأ من الشارع، هل تعرضتِ لاعتداءات في التظاهرات التي كنت تشاركين فيها أثناء الثورة التونسية؟
- تعرضت لاعتداءات جسدية عدة، أقساها اعتداء 9 نيسان 2012، يوم اعتدى رجال الأمن بكل وحشية على المتظاهرين السلميين الذين خرجوا إلى الشارع لإحياء عيد الشهداء. من أشدها أيضاً، اعتداء آخر تعرضت له، في السنة عينها، عندما تهجّم عليّ عدد كبير من رجال الشرطة. كنت يومها أتظاهر سلمياً ضد الفصل الذي كان سيضاف إلى الدستور الجديد، والذي يتحدث عن التكامل بين المرأة والرجل وليس المساواة بينهما.
¶ قلت في تصريح لقناة "فرانس 24" إن الاغتصاب قانوني في موطنك، وذلك بعدما اغتصب رجل أمن فتاة تونسية. لكن المناضل الحقوقي، بحسب أعدائك وهم كثر، لا يستغل الأحداث لتشويه صورة بلاده. كيف تردّين؟
- ارتديت قميصاً كتب عليه Rape is legal in Tunisia (الاغتصاب شرعي في تونس) كنت أعددته لحضور محاكمة الفتاة المذكورة. لست بمناضلة ولم أقل يوما إنني مناضلة، وإن كان قول الحقيقة تشويهاً فسأشوّه وأشوّه وأشوّه! حكمنا بن علي لمدة 23 سنة باستعمال هذه الذريعة لمنعنا من قول الحقيقة. رجال الشرطة اغتصبوا الفتاة وحاولوا إخراجها في ثوب المتهمة بسبب وجودها في الشارع ليلاً مع حبيبها أو خطيبها، ولولا تحركنا لأفلتوا من العقاب. أليس هذا اغتصاباً قانونياً؟ المسلسل لا يزال متواصلاً. فعلى الرغم من إثبات تورطهم في عملية الاغتصاب، تمتّع رجال الشرطة بظروف التخفيف ولم ينالوا العقوبة اللازمة في مثل هذه الحالة، والقضية اليوم في الاستئناف.
¶ تقولين في مدوّناتك إن الممارسات السيئة عادت، وكذلك الاعتداءات على الحريات. ألا ترين أن المسألة مرتبطة بطبيعة الإنسان نفسه، وأن الأنظمة تتشابه باختلاف الأسماء؟
- الممارسات السيئة لم تنقطع يوما. التخلص من رأس نظام معيّن، لا يعني التخلص من النظام بأكمله. لم نمرّ، في تونس، بمرحلة المساءلة فالمحاسبة ومن ثم المصالحة، إن كان ثمة مجال للمصالحة. أغلب رموز بن علي المتورطين معه عادوا إلى النشاط السياسي وأصواتهم تعلوا في مختلف وسائل الإعلام للحديث عن بطولاتهم وإنقاذهم البلاد، لا بل عن قيامهم بالثورة! نعم، تتشابه للأسف الأنظمة وإن اختلفت الأسماء. فكل الحكومات التي تقلّدت مناصب الحكم في تونس، بعد رحيل بن علي، لم تسع إلى تغيير حقيقي ولا إلى تحقيق مطالب الثورة، بل تواطأت غالبيتها مع رموز النظام السابق وفتحت لهم الأبواب ليعودوا من جديد إلى الحياة السياسية وإلى مواقع القرار.
¶ هناك المئات من المدوّنين في تونس، حتى أنهم اختاروا 4 تشرين الثاني للاحتفال بـ"اليوم الوطني لحرية التدوين". ما الذي جعل اسمك كمدوّنة يبرز أكثر من الأسماء الأخرى؟
- دعيني أذكّر أنّ اختيار يوم 4 تشرين الثاني كيوم لحرية التعبير ليس حدثاً جديداً، بل يعود إلى سنة 2008 وكنت من المساهمين في إطلاقه. قرر المدوّنون إعلان هذا العيد بعدما بادر الصحافي زياد الهاني إلى مقاضاة الوكالة التونسية للإنترنت، على خلفية تعمدها حجب مواقع مثل الـ"يوتيوب". لكن الحديث عن هذا اليوم ازداد بعد سقوط النظام. أما في ما يخص ارتفاع عدد المدوّنين فهذه ظاهرة جديدة، وأنا لا أستطيع أن أتحدث عن سبب بروز اسمي، لكن باستطاعتي أن أجزم أنني واحدة من المدونين القلائل الذين تركوا دفء بيوتهم وتنقلوا في البلاد لتغطية ما يقع فيها من حوادث. هذا بالاضافة إلى كتابتي بثلاث لغات وتعاملي مع قنوات تلفزيونية إخبارية، مكشوفة الوجه وباسمي الحقيقي، أيام كانت المعلومات شحيحة وكان الصحافيون الأجانب يُمنَعون من الدخول إلى تونس.
¶ هل شكّل إتقانك العربية والفرنسية والإنكليزية بوابة العبور إلى أكبر عدد ممكن من القراء؟ وهل تتقصدين الكتابة باللغات الثلاث بغية توسيع رقعة انتشارك؟
- أعتقد ان استعمالي اللغات الثلاث مهم جدّا، لكن لم أخطط له ولم أهتم يوماً لعدد زوار مدوّنتي. كل نص أكتبه اعتبره ابناً لي. عملية الكتابة هي كالولادة بالنسبة لي. إختيار اللغة التي أعتمدها ليس مقصوداً. ما غن أجلس أمام شاشة الكومبيوتر حتى تخرج الكلمات بلغة معينة. الفترة الوحيدة التي تعمّدتُ فيها ترجمة كل نص أكتبه، كانت خلال الأيام التي تلت إقدام مواطني الشاب محمد البوعزيزي على حرق جسده في مدينة سيدي بوزيد، احتجاجاً على مصادرة السلطات البلدية عربة كان يبيع عليها الخضر والفاكهة لكسب رزقه. كنت أقوم، يومذاك، بمواكبة أغلب التحركات الاحتجاجية وأنقلها بالعربية والفرنسية والإنكليزية، حتى يعلم الجميع ما كان يحدث في تونس في ظل التعتيم الإعلامي الذي كان النظام يحاول فرضه.
¶ "لن نعود إلى المطبخ"، عنوان إحدى مقالاتك. لماذا تربطين صورة ربة المنزل بالرجعية والتخلف؟ ألا يمكن أن تتعلم المرأة وتعمل وتنتج وتناضل، وأن تقف في المطبخ في الوقت عينه؟ هل اهتمامها بزوجها وعائلتها يعيبها؟
- لا بد من قراءة المقال بأكمله لتكوين فكرة شاملة عمّا قصدت يومها، فهو يردّ على من رفعوا شعارات مناهضة لحرية المرأة. كان ذلك عندما تظاهرنا من أجل دولة مدنية وبهدف المساواة الفعلية والتامة بين المرأة والرجل، وكان أحد الشعارات يدعونا لترك الشارع والعودة إلى المطبخ. ليس للأمر علاقة بكوننا ربّات بيوت أو عاملات. فعدد ربات المنازل الموجودات في التظاهرة كان مرتفعاً. حتى إبان الثورة الفرنسية خرج البعض يدعو النساء للعودة إلى مطابخهن بعد مشاركتهن في الثورة وتضحياتهن! المرأة اليوم، في المجتمعات الشرقية والعربية خصوصاً، تعمل في البيت وخارجه، ومن الطبيعي أن تتقاسم والرجل كل الأعمال.
¶ "حزب النهضة" الإسلامي له ثقله في تونس اليوم. أيمكن أن تفسري لنا، بما أنك تعيشين التفاصيل الداخلية، أي "نهضة" ينشدون في ظل محاولتهم تطبيق الشريعة الإسلامية في الدستور؟
- "حزب النهضة" موجود منذ زمن طويل ولم يتوقف يوماً عن النشاط، وهو يحظى بدعم كبير من جهات مختلفة. فبعد رحيل بن علي، ربط المواطن العادي التغيير باللجوء الى حزب ديني يخشى قادته الله. الانتخاب في المرة السابقة لم يرتبط ببرامج بل بنزعات العاطفة. دعيني أضيف أيضاص أن لهذا الحزب إمكانات مادية وبشرية تجعله يصل إلى مناطق لا تصل إليها أحزاب أخرى، مما يسمح له بنشر أفكاره. أما اسمه فلا علاقة له بالنهضة الحقيقية. فقد بيّنت لنا الحوادث التي عشناها، بعد وصوله إلى الحكم، أنه غير قادر على النهوض بالبلاد بل ذهب بها إلى الهاوية. النهوض يتحقق من خلال الفكر والعلم والتنوير، وهو لا علاقة له بهذا كله! أفكاره ظلامية، من المستحيل أن تنهض بالبلاد.
¶ هل ترَين فرقاً بين القمع السياسي والقمع الديني، أم أن النتيجة واحدة؟
- القمع هو قمع مهما كان لونه أو شكله أو إيديولوجياته. القمع الديني والسياسي لا يختلفان. فمن يقمعون دينياً هم من يعتمدون الدين في السياسة ويتاجرون به لبلوغ غايات سياسية. للأسف عندما يكون القمع دينيا يكون، في الإجمال، ملوثا بالدم والاغتيالات والتفجيرات والإرهاب.
¶ تقولين "عنوستي تشرّفني وهي خياري". هل يشكل النضال عملاً بدوام كامل، بحيث لا يمكن أن نحمل معه مسؤوليات أسرية؟ وهل خيارك هذا موقت أم نهائي؟
- عندما أقول شيئا يكون عادةً مرتبطاً بحدث معين. عندما قلتها كان هناك من تهجم عليّ ونعتني بالعانس، طالباً مني التوقف عما أقوم به والبحث عن زوج. ما أقوم به يتطلب عملاً دائماً ومستمرا والكثير من الوقت والتضحيات، لكن هذا لا يمنعنا من تحمّل مسؤوليات أسرية. المسألة متعلقة بتنظيم أنفسنا لنوفّق ما بين الارتباطات العملية والعاطفية و"النضالية". لا أدري إن كان خياري هذا موقتا أم نهائيا. إنه خياري الآن، وكما نقول في تونس "ما تعرفش عالدنيا".

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

طريقة الدفع

عبر بطاقة الإئتمان الخاصة بك.

NetCommerce

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني