كتاب - "التماسيح" ليوسف رخا، المثقفون المبتسرون في دوائر الأوهام المشتركة!

4 آب 2014 | 01:02

حين انتحرت المناضلة الطالبية والمثقفة اليسارية المصرية أروى صالح، من جيل السبعينات، بعدما ألقت نفسها من شبّاك البيت، كان هناك ثلاثة شعراء مغمورون قرروا تأسيس جماعتهم الشعرية السرية التي سمّوها "التماسيح". لكنهم لم يعرفوا بانتحار أروى إلا في اليوم التالي، فاستقبلوا الخبر كعادة جيل التسعينات، بنوع من البرود، على وصف الراوي يوسف، أو "الفتيس".
هكذا تبدأ رواية "التماسيح" للكاتب المصري يوسف رخا، وهي الثانية بعد "كتاب الطغرى"، التي قدم فيها رصدًا روائيًا لأزمة الهويّة في المجتمع المصري، بسبب الحركة الوهابية، التي انتقلت أفكارها إلى مصر عبر المهاجرين المصريين الذين ذهبوا للعمل في السعودية في السبعينات وعادوا بتلك القيم البدوية، ما أدى، مع أسباب أخرى، إلى تزييف أزمة هذه الهوية بتحويل الجمهور إلى كائنات أشبه بالزومبي تسيّرها خطابات زائفة، تستغل خواءها الذهني لتدفعها لأن ترى في الدين هويّة وحيدة تبتلع كل مكونات الهوية الأخرى، وترى في أوهامها أن فكرة الخلافة هي البديل من فكرة الدولة المدنية.
"التماسيح" تُضّيق زاوية الرؤية لتتأمل جماعة المثقفين في مصر، خلال فترة التسعينات على نحو خاص، وتدور وقائعها بين العام 1997 الذي شهد تأسيس جماعة "التماسيح"، وصادف انتحار أروى صالح في يوم واحد تقريبا، وصولا إلى تاريخ ثورة يناير في 2011، وما بعدها بعام.
يجد الراوي في هذه المصادفة مسوغًا للبحث والتأمل في كثير من المشتركات التي تجمع جيلين من المثقفين؛ جيل أروى صالح الذي عرف بجيل السبعينات، وقاد الحركة الطالبية في عام 1972 ضد السادات ليطالب بدخول مصر في حرب استعادة كرامتها أمام إسرائيل، وهو أيضًا الجيل الذي حرك أكبر انتفاضة شعبية ضد السادات أيضا في العام 1977؛ وجيل التسعينات الذي ظهرت أعماله الأدبية مع مطلع التسعينات، متأملا حال الجيلين، مستخدما أسماء وهمية في بعض الحالات أو الأسماء الأصلية للأشخاص في أحيان أخرى، لتأكيد الجانب التخييلي للعمل، مارا بتجارب دور النشر الخاصة التي تزامنت مع هذا الجيل، والجماعات الأدبية التي ظهرت واختفت، والمجلات الأدبية التي واكبت جيل التسعينات مثل "الجراد" و"الكتابة الأخرى"، وغير ذلك من تفاصيل.
ينطلق النص من الكتاب الشهير للراحلة أروى صالح المعنون باسم "المبتسرون"، التي قدمت فيه نقدا لاذعا للمثقفين المصريين المنتمين إلى اليسار والماركسيين من جيلها، متتبعا ملامح هذا الابتسار، أو عدم النضج، أو عدم الاكتمال.
يوسع الراوي زاوية رؤية هذا الجيل، لافتًا إلى أن غالبية المثقفين المصريين يتحدرون من الريف ووفدوا إلى المدينة للعمل أو الدراسة. ويرى أن القيم التقليدية الريفية تظل تتحكم بالمثقف ذي الأصل الريفي، مهما بدت عليه ملامح التحرر. يضيف "الفتيس" أو الراوي يوسف، نقدا آخر لاذعًا للريفي: "أنا أتحدث عن المكر والمهادنة، الجبن الذي يؤدي إلى التكتل حتى لو كان الانطلاق مدفوعا بالتمرد على الكتلة الاجتماعية"، لافتاً إلى أن نماذج من هؤلاء كانوا يعبرون أحيانًا على جثث آخرين من الأصدقاء او المحبين، ويرى الراوي وأن ما يفعلونه، يملأ القاهرة بقيم ريفية وبدوية، وآفات بشر يقررون أن يصبحوا عراقيل أو جسورًا لآخرين بدلا من أن يكونوا أناسًا وبشرا طبيعيين.
يتأمل النص مصائر جماعة "التماسيح" التي يمثلها، كما يتأمل مصائر المثقفات من خلال ثلاث سيدات أقمن علاقات مع أعضاء "التماسيح": موون الشاعرة المتزوجة التي كانت على استعداد لأن تحب على زوجها؛ نرجس الفنانة التشكيلية الوصولية الطليعية الموهوبة التي تعبّر عن ازمة الفتاة المتحررة حين تقرر ان تعيش بمفردها في مجتمع مغلق، الهاربة من تاريخ من الزواجات الفاشلة في إحدى مدن الجنوب؛ وصبا الناشطة الحقوقية المتزوجة من إيطالي، التي كانت بدأت حياتها بعلاقة مثلية مع صديقة لها، ثم قمعت هويتها الجنسية لاحقا، وقررت أن تتزوج.
في رصد الراوي لتناقضات تلك النماذج وما تعبّر عنه من عقد او ازمات، ما يحملني إلى وصف الراوي مصطفى الشوربجي في "كتاب الطغرى" لإحدى صديقاته السابقات لزواجه، معها عدد آخر من نماذج الإناث بينهن طليقته: "الظاهر ثقة وثقافة وفعل الخير، فماذا عن الحقد والجبن وخداع الذات". وهي سمات تنطبق تقريبا على أغلب نماذج النساء في العملين.
يتمهل عند نموذج الفتاة علياء المهدي التي وقفت عارية أمام مصور وبثت صورتها على الإنترنت "بافتخار من يقدم روحه قربانا للحرية، الأمر الذي لم يفعله أحد من أرباب الحركة الطالبية في السبعينات، وضعت علياء المهدي جسدها على النت وقالت إن هذه ثورتها".
الأوهام هي جزء مما يراه الراوي آفةَ جيل كامل لم يتعاط سوى الأوهام، وهذا ما يؤدي إلى إحساس الراوي بالفجيعة: الفجيعة في موت نايف العبثي، وفي أوهام ثوار لم يمتلكوا سوى الحس بالاستعراض الذي جعلهم يرون الثورة وقوفاً في الميادين ومواجهات سلمية مع الشرطة المدججة بالغاز والسلاح، فيما يقدمون جثثهم بهذا الحس الانتحاري، ويعودون، بعد كل معركة من تلك المعارك، ليبكوا أصدقاءهم الذين يموتون من دون أدنى شعور بعبث ما يفعلون.
كأن جماعات الزومبي في "الطغرى" لم يكن ينقصها سوى المبتسرين في "التماسيح"، لتكتمل دائرة مروعة من انكسار الأحلام قبل أن تبدأ.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard