سيرتي الذاتية الناقصة

2 آب 2014 | 00:00

إلى شيراز التي حملت الحياة والموت
معاً بين كفيها

كثيرٌ من الحبّ، قليلٌ من الوقت
وفائضٌ من الانتظار.
* * *

الحياة ضربة جزاء، قد تصيب أو لا. كالحظّ تماماً.
* * * 
إنّها سيرتي الذاتية الناقصة. تلك التي لن تكتمل أبداً.
* * * 

أنا ابن جاركِ في الحيّ، لا علامات فارقة لديّ، طويل الشعر، وأبيض أيضاً، مهملٌ جداً، لا أنام، أفكر فيكِ في كل جزءٍ من الثانية، أخشى على سمعتكِ أكثر منكِ، أمرُّ من أمام والدكِ بخوف، وأكره والدتكِ كثيراً، تلك التي تغلق كلّ النوافذ بعجالة كلما رأتْ وجهي، كما لو أنني شيطانٌ أعمى، يراكِ فقط، وينظر إلى أخيكِ بعداوة. أنا ذاك الأزعر الشرير جداً أرى أختكِ بدلاً منكِ، وأتحسّر أسفل شرفتكِ: أبكي بعيداً عنكِ، وأصرخ أكثر من الأغاني الحزينة التي يسمعها جيراننا من أجلكِ في منتصف الليل، حين أعضّ أصابع الوقت ولا أندم.
* * * 

أنا ابن جاركِ في الحيّ مرةً أخرى، أدخّن كثيراً، أشرب النبيذ، وأسعل أحياناً، عاطلٌ عن العمل، تركتُ الصوم في عام 2003، أكره المسلسلات التركية المدبلجة، أكره الدراسة، أقرأ الكتب، أكتب اسمكِ على سجلاّتنا المفقودة، أعرف لون بابكِ ونغمة جرسكِ ونمرة قدمكِ، وكم شبّاكاً في بيتكِ، وكم منها يطلّ على بيتنا، أعرف ماذا يفصلنا غير الشارع، أعرف متى يخرج والدكِ إلى العمل، أعرف متى تنام والدتكِ، أعرف إلى أيّ ساعة يسهر أخوكِ، أعرف أن أختكِ تنام في غرفتكِ، أعرف كم مرةً في الأسبوع تغسلين ثيابكِ، أعرف ماذا تطبخين كل يوم، أعرف كم مرةً تجلين الصحون، وأنا أطير فرحاً كلما سقط واحدٌ من بين يديكِ الصغيرتين.
* * * 
أعرف في أيّ يومٍ كانت ولادتكِ وفي أيّ مشفى، أعرف كم تألمت والدتكِ التي كان ينبغي أن تموت في تلك اللحظة، أعرف كم خاتماً كان في أصبعكِ وباعها والدكِ في أزماته المالية، أعرف كم تصرفين من النقود على مكالماتكِ الشهرية معي، أعرف ماذا تكرهين وماذا تحبّين. رأيتُ أول صورة لكِ وعرفتُ أين كانت، عرفتُ من التقطتها لكِ، حفظتُ سيرتكِ الذاتية غيباً، أعرف من يعرف أنني أحبُّكِ الآن. إنّهم كثيرون أولئك الذين لا يجيدون شيئاً سوى النميمة. أتعرفين؟! لقد طعنوني في ظهري البارحة وأنتِ لم تكوني موجودة.
* * * 

أنا زميلكِ القديم في الجامعة أيضاً، أصوّر لكِ كل محاضراتكِ التي غبتِ عنها، أمشي في كلية الآداب، ولا أرى سواكِ، على الرغم من وجود الأجمل منكِ بكثير، صدِّقيني أجمل بكثير، لكنني أحبُّكِ، وحدكِ أنتِ، بحجابكِ وتقواكِ التي لا تعني لي شيئاً، أنا ذاك الذي لا يصلّي ولا يصوم، حبيبكِ الملحد جداً، كما كتبتُ لكِ في آخر قصيدة، لم أنشرها بعد خوفاً منكِ.
* * * 
أنا حبيبكِ الجديد على ما يبدو، في مقهى النخيل، أجلس معكِ في القبو، أسفل الدرج على الطاولة رقم 10، بعيداً من الشاشات الحديثة التي غزت بلادنا بعدما هرمنا، أنا حبيبكِ الذي يكره التلفاز، ويحبُّكِ مرةً أخرى في مقهى النخيل أيضاً، أقف أمامكِ، أنظر إليكِ، أشرب القهوة من فنجانكِ، وتشربين القهوة من فنجاني قبل أن تهربي مني، كما لو أنّكِ فراشة، كما لو أنّكِ حلم قصير.
* * *
هذه المرة، أنا حبيبكِ الذي لم يكن لكِ ولا للآخرين، أنا ضيفٌ ثقيلٌ في بيتكِ وظلٌّ خفيفٌ جداً على رصيف شارعكِ، تبتعدين عنّي كلّما اقتربتُ منكِ.
* * *
اليوم أنا الذي كنتُ حبيبكِ، لا أعرف أصغر تفصيل ٍعنكِ، رقم هاتفكِ، بريدكِ الإلكتروني، عنوانكِ الحالي، علبة ماكياجكِ الجديدة، رائحة عطركِ، لون صبغة شعركِ أيضاً، طول أظفاركِ، أنا الذي كنت حبيبكِ، لا أعرف الآن أيّ شيءٍ عنكِ.

 شاعر وصحافي سوري

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard