كتاب - "Beyrouth, Chroniques et détours" كتاب رائع لكتّاب شباب ذاكرات المدينة مسرحاً مشتركاً بأقلام جديدة وواعدة

15 تموز 2014 | 00:00

من الصعب تلخيص مدينة في كتاب. ومن الصعب أيضا ولوج الذاكرة لقراءة نبض الحياة المتسلل في عروق الأحياء الهاربة تحت الظل، التي تصبح مع الوقت ملكاً للتاريخ ورهينة لأقلام المؤرخين. حكايات بسيطة جدا تختبئ وراء جدران المنازل، لربما وجد كتاب "Beyrouth, Chroniques et detours"، الصادر لدى منشورات "تاميراس"، من يهتم بها، ويظهّرها، فتعلن تحت ضوء الشمس حقيقة جديدة للمدينة.

يصعب تحديد ما اذا كان الكتاب يطرح مقاربة تاريخية بحتة، اجتماعية، أو روائية. يصعب في المقابل اسناد هوية واحدة للمؤلفات والمؤلفين الذين يعبّرون في معظمهم عن هويات وأساليب مختلفة، متفاوتة في طريقة طرحها للواقع، لكنها متكاملة من حيث المضمون. فكلّ حكاية هي قطعة جديدة في فسيفساء تشدّ بألوانها المتعدّدة.
الطرح بشكله العام أقرب الى روايات ينقلها شهود عيان اعتادوا تذوق الأحياء والشوارع، ودفعهم شغفهم الى قرع ابواب المنازل المنسيّة، التي اقفلت على ألف وألف حكاية. المقارنة صعبة بين ما يطرحه الكتاب وما كتب حتى الآن عن بيروت. بحثٌ عن الذاكرة في مدينة لم تعرف ذاكرة موحدة. اعادة صوغ للقصص المنسية مع كل ما تحمله من أحاسيس وأحلام، من آمال وخيبات، من حقيقة وخيال.
الكتاب يسد ثغرة من ثغر المدينة الهائمة باستمرار بحثا عن واقع جديد. قد تحب هذه المدينة اذا تجوّلت، وانت تجرّ ظلّك الثقيل، في شوارعها التي يصفها الكتاب بدقّة واتقان. وقد تقفل بعدها عائدا، وفي جعبتك تكون قد خبأت رواية. "لا نريد أن نبقى هنا، نريد أن نغادر المخيم ونرحل بعيدا"، يقول علاء المقيم في شارع "ب 13" في مخيم شاتيلا. تبدأ جيني غوستافسون قصة لم تكتمل، لأن الزيارة التالية المتوقّعة للمخيّم ألغيت بسبب انفجار وقع في منطقة الأشرفيّة في اليوم التالي.
قصص تشقّ طريقها وسط المحاذير الأمنية والمفاجآت، تبحث عن المنسي، عن غير المحكي، عن اناس نمرّ بقربهم من دون أن نراهم أو أن نتذكّر وجودهم. قصص الحرب في العاصمة الممزقة، يعاد صوغها من جديد.
بشفافية مطلقة، تقول صوفي شماس: لم آخذ البتة وقتا كافيا لأتساءل عما فرضه التمدّن على أهلي، عمّا الزمتهم المدينة التي أحببت، تجاهله، اهماله، تغييره، وذلك في مقابل أن يشعروا بالانتماء. تنقلت صوفي في ذاكرة والدها، تنزّهت في الأماكن والأوقات المنسيّة: في بيروت السهر والبارات، في صالات السينما، في أماكن المدينة التي حضنت مزيجا اجتماعيا شديد التنوّع: مع الوقت، يقول والد صوفي، بدأت لهجتي البعلبكية بالانحسار، وتحسنت لغتي الفرنسيّة، لم أكن قادرا على مقاومة هذا العالم الجديد الباهر على رغم صعوبة العيش فيه. ثم تختم: أحلم ببيروت قادرة على القبول ليس فقط بحاضر والدي بل بماضيه. بيروت تحبّه بطريقة غير مشروطة، حيث يتشارك المديني والريفي برقصة ثنائية تدعو الى الاحتفال بالتنوع.
تقول باولا سلوان ضاهر: إن قصة بيروت هي قصة الذين هربوا من ويلات الحرب ليعودوا بعدها ويجدوا ارث هذه الحرب. انها قصة أهلنا، انها قصّتنا، نحن الذين لا نعرف بيروت آبائنا. كيف كانت الأسواق القديمة؟ تسأل الكاتبة والدها، في محاولة لتصوّر تحوّلات المدينة. الكثير من اللهفة في ذاكرة عائد من الغربة تقابلها تحوّلات ظاهرة مؤلمة. الأسواق القديمة، دور السينما، شارع الحمرا ومقهى "سان رايز" حيث كان ميشال عفلق يحاضر عن القومية العربيّة، ومقهيا "هورس شو" و"ويمبي" حيث كان يتجمّع المفكّرون اليساريون. تختم الكاتبة: شيء واحد لا يمكن نسيانه أو خسارته على رغم أن بيروت تغيّرت وتتغيّير باستمرار، هو الحبّ الذي نحمله لمدينتنا، والذي ننقله من جيل الى جيل على رغم التشوّهات والجروح والدموع المذروفة. ثم يطلّ كليمان جيراردو على ذاكرة بيروت من خلال امرأة خطف زوجها خلال الحرب. مزيج من الأسئلة المتضاربة التي لا تزال تبحث عن أجوبة: عندما أحصل على جواب، أيّا يكن مضمونه، يمكنني ربما ان أمضي قدما، يمكنني أن أقول: هذا بيتي، وهنا يرقد زوجي، تقول السيّدة الممزّقة بين ما تستبقيه الذاكرة حيّا، وما تحمله الرغبة بالنسيان والمضي قدما. حياة كاملة أمضيناها في الانتظار، بالتأرجح بين الحياة والموت، تختم السيدة. تنتقل دنيز مروني الى مقاربة مختلفة تستعرض فيها حكايا المدينة بنفس أسطوري يطلّ من خلاله ابرهيم، أحد سكان مرفأ الصيادين العتيق المقابل لكورنيش عين المريسة، بمتحفه الذي يجمع كلّ كنوز البحر وذاكرة البحارة. تتساءل: من أين تأتي الرغبة الشديدة في تجميع الأشياء وحفظها؟ ربما يكون ذلك تعبيرا عن خوف الانسان من الموت، أو تعبيرا عن حلم بالخلود. متحف ابرهيم يقود الكاتبة الى عالم آخر، كالصدى، كمن ييعث نداء في أفلاك الذاكرة. من عين المريسة الى طريق الجديدة حيث طيف الأم يسير على الطريق حاملا حكايا الحبّ العتيقة، تبدأ تالا أبو رحمن حكايتها، معيدة ذكرى أمها المتوفّاة. لطالما قاومتُ فكرة المجيء الى هذه المدينة، تقول الكاتبة لأمها التي طالما أحبّت بيروت: كنت أغار منها فأنت فيها تعلمت وفيها أحببت وفيها كنت على لقاء مع ذاتك. تتابع: لا تزال بيروت تحمل رائحة الرصاص وكل الوعود غير المنجزة. ثم تقول: المضحك أن بيروت لا تكترث حتى بحبّي لها. قصّة الجامعة الأميركيّة في بيروت يرويها ريتشارد بلغريم من خلال ذاكرة محمد علي روضة الساكن في البيت الأزرق والأصفر عند آخر نزلت "آي سي"، متطرقا بأسلوب متقن الى النواحي الاجتماعيّة والتاريخيّة التي رافقت انشاء الجامعة الأميركيّة عام 1866.
في قصة جديدة تستكشف ماري كوسترز ما سمته "السينما الشبح"، متحدثة عن سينما "اديسون" المختبئة في شارع بلس، التي أغلقت أبوابها على آخر فيلم عام 2003.
تنتقل ساندرا ريشاني إلى وصف تغيرات المدينة السريع على وقع البناء العشوائي الذي يجعل الأماكن في غربة عن نفسها. في مكان آخر، يتطرق سعد الكردي في روايته عن سوق الأحد الى التنوّع الذي يحمله هذا العالم من حيث المعروضات وهوية الزائرين والبائعين. كلّهم يروون قصصا جديدة عن المدينة، وكلّ منهم يتكلم بلغته الخاصة. ومن لقاء الى آخر تأتي قصة "بلال الغجري"، على لسان كلويه بونواست، لتتوّج القصص ذات النهايات السعيدة على طريقة هوليوود. تطلّ بنا سارة ليلي ياسمين من خلال بشارة حنا عاصي الموظّف في سكّة مار مخايل على قصّة سكك الحديد في لبنان. من يحافظ على هذا الارث؟ تسأل سارة. هل يمكن تركه للنسيان؟
تجتاز سينتيا خطار الشارع الى البناء المجاور، حيث قصص القاطنين في ما يُفترض أن يكون مستشفى يبدو أكثر غرابة وغربة. لقاء مع معاناة العمال الأجانب التائهة وسط ضجيج المدينة، لقاء بين عوالم شديدة الاختلاف.ثم تأتي قصة السيّدة في المنزل الزهري لميشلين طوبيا. قصة مشوّقة، متمكنة، لذيذة، وحنينية لفترة الستينات والسبعينات، تتحدث عنها فايزة صاحبة المنزل بحنين ظاهر، مستعيدةً الحوادث الفنيّة والثقافيّة التي جرت داخل منزلها الجميل المسكون بذكرى أفراده المتوفّين. أخبار المدينة تجعل الكتاب مسرحا مفتوحا للقاء بين عوالم متناقضة اعتدنا المرور بها من دون ملاحظتها أو التوقّف لحظة لرؤيتها. قصص الناس المنسيين تحت جسر الكولا، تخبرها ماريسول رفاعي، قبل أن تنتقل في قصة أخرى الى أبو حسن الزبّال.
بائع الكتب الفيلسوف في الحمرا، تصفه فرح عريضي بحارس مقبرة الكتب. تتنقل برشاقة في المكان، تصف الوجوه والكتب المصفوفة بعشوائية، قبل أن تحملنا ناتالي شوتر الى لقاء مع الخطاط مختار البابا، البالغ من العمر 74 عاما.
آخر قصة من الكتاب يرويها جاد بعقليني. فالتصوير في مدينة لا تغيب عنها المحاذير الأمنية يكاد يشبه ضربا من ضروب المستحيل في بعض الأماكن. قصة جاد باتت عادية لكنها غير مرويّة.
هذا ما يدعونا الكتاب الى قراءته بعد انهاء كل الروايات. قراءته على طريقتنا بعد التعرّف على مدينتنا من جديد لربما أحببنا يوما أن نرويها بدورنا.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard