كتاب - "لبنان دفاتر الرؤساء" لغسان شربل: سياسيون لبنانيون تحدثوا عن أزمات العهود

12 تموز 2014 | 00:00

صدر كتاب جديد للصحافي والكاتب غسان شربل بعنوان " لبنان دفاتر الرؤساء" (دار رياض الريس) ويضم حوارات مع شخصيات سياسية عن قضايا إشكالية عدة تدور حول لبنان فكرة وكياناً ودولة ومؤسسات، ومن هذه الشخصيات : ريمون إده، فؤاد بطرس، حسين الحسيني، صائب سلام، شفيق الوزان، كامل الاسعد... ووضع شربل مقدمة للكتاب هي بمنزلة قراءة للأزمة اللبنانية التي ما زالت محتدمة نظرا الى تعقد الظروف اللبنانية والاقليمية.

وجاء في المقدمة بعد التصرف ببعض المقاطع:
ليس بسيطا ان يرى اللبنانيون سوريا تتخبط في دمها، وان ينقسموا على ما يجري فيها. هذا يتحدث عن ثورة على الطغيان، وذاك عن قمع هجمة ارهابية، وثالث يعتبر الحرب الاهلية هناك جزءا من الحرب المذهبية المستعرة في الاقليم.
لا يستطيع لبنان الهروب من قدره السوري. أحكام الجغرافيا مبرمة. وتتضاعف وطأتها على البلدان التي تكون تعددية الانتماءات فيها مرادفة للهشاشة. يدفع لبنان الثمن مرتين: الأولى حين تكون سوريا قوية ومستقرة، والثانية حين يتوزع السوريون محاربين وقتلى ومذعورين ونازحين يملأون مدنه وقراه.
حين اندلع "الربيع العربي" كان لبنان منهكاً بفعل الاغتيالات والتجاذبات واثمان اعوام الجمر. وحين شب الحريق في سوريا اندفع سريعا الى قدره السوري. شبان من الطائفة السنية في شمال لبنان اجتازوا الحدود لدعم المعارضة السورية. ولاحقا اعلن "حزب الله" تدخل قواته في الصراع الدائر في سوريا. انقسم السنة والشيعة على سوريا وفيها، وتعمق الانقسام بينهم في لبنان.
كشفت المأساة السورية مقدار التمزق الذي أصاب المعادلة اللبنانية. اتخذ لبنان موقعه على خريطة النزاع السني - الشيعي المفتوح. حاول لبنان الرسمي التغطي بشعار "النأي بالنفس" لكن الواضح ان اللبنانيين كانوا ذهبوا الى النار السورية، وانها قد لا تتأخر في التدفق على طريق دمشق - بيروت. افتقدت الدولة اللبنانية المتداعية صمامات الأمان. ضاعف الخطورة انحسار دور الموارنة بفعل تراجع حضورهم الديموغرافي والاستنزاف الذي تعرضوا له في مواجهاتهم خلال الحرب الاهلية مع المنظمات الفلسطينية والسورية، وقبل ذلك بفعل الاستنزاف في الحروب المارونية - المارونية التي قزّمت ادوارهم وسهّلت تهميشهم ومحاولات تنصيب رؤساء لهم خلافا لارادتهم. بدا الموارنة أضعف من الاضطلاع بدور تاريخي هدفه حماية التركيبة وترميمها. غاب سلاحهم وانحسرت علاقاتهم واهتمام الغرب بهم وتعمقت غربتهم في منطقة شهدت صعود الاصوليات وهجرة الاقليات.
بدت المجتمعات العربية عاجزة عن اقتناص فرصة "الربيع". ظهرت القوى الشبابية حائرة والقوى الديموقراطية هشة وتقدمت الاحزاب الدينية. وبدل ان يكون "الربيع" فرصة للتصالح مع العصر او الانتماء اليه تحوّل فرصة لتأكيد الاصطدام به. وسرعان ما تقدمت "القاعدة" لملء الفراغ. ساهم تقاطر "المقاتلين الجوالين" الى سوريا في تظهير الصورة المخيفة. انه سقوط الحدود ومعه سقوط التعايش.
يعتقد المتشائمون ان سقوط الحدود وسقوط التعايش واستهداف الاقليات كلها عناصر تعلن فشل فكرة لبنان في حد ذاتها. يقوم لبنان أصلاً على اعتراف متبادل، الاعتراف بالاختلافات، وقبول الآخر وحقه في الاختلاف. حقه في ان يقرأ في كتاب آخر. وان ينهل من منابع غير متطابقة. وكان اختلاف الانتماءات والكتب والاغاني يعتبر مصدر تنوع وثراء تحت سقف دولة تجتمع فيها الوان الطيف اللبناني من دون ان يتاح لواحد منها فرض الزي الموحد والغاء الوان الآخرين. المتشائمون انفسهم يلفتون الى وهن الضلع الماروني في المثلث اللبناني والى التغيير العميق الذي طرأ على الضلع الشيعي بفعل صعود "حزب الله" والى خطر تنامي الاصولية في الضلع السني اذا طالت الحرب في سورية وطال النزاع المذهبي في المنطقة.
درجت منذ اعوام على زيارة اقليم كردستان. فهو جزء من العراق حتى اشعار آخر ثم انه متاخم لقوتين اقليميتين هما ايران وتركيا، فضلاً عن سوريا. عدت من زيارتي الأخيرة في ربيع 2014 بحصيلة مقلقة. قال لي رئيس الاقليم مسعود بارزاني "ان العراق يتفكك وان التعايش بين مكوناته يلامس السقوط وان سوريا لن ترجع كما كانت". واعرب عن اعتقاده أن الخرائط التي اصطنعت بعد الحرب العالمية الاولى مهددة بالانفجار والتفكك ما لم يعتنق المقيمون فيها قيم التعايش وقبول الآخر والديموقراطية.
يعيش لبنان في منطقة بالغة الصعوبة: دول الخليج قلقة. مصر تصارع للخروج من محنتها. تفكك في اليمن. وتفكك في العراق. وتفكك في سوريا. حدود منتهكة. واصوليات جوالة. وتعايش مريض. لا يستطيع لبنان ان ينأى بنفسه عن رياح المنطقة وسمومها. لا يستطيع لأن ابناءه منخرطون في هذه النزاعات والتمزقات. واذا كانت سوريا أخرى ستولد من هذا الجحيم الذي تعيشه فليس من الغريب ان يولد لبنان آخر على رغم ما تفرضه تركيبته ومعادلاته السكانية من ضوابط تحول دون فوز الصقور بحصة الاسد.
يواجه لبنان تحدياً غير مسبوق. لن يكون سهلاً التعايش مع نزاع مدمر وطويل في سوريا. تتخطى المسألة الشظايا المتطايرة عبر الحدود. الرحلة السورية لمقاتلي "حزب الله" قد تمتد طويلاً. ثم ان لبنان الذي يئن تحت ارتباكه السياسي والامني والاقتصادي يستضيف من اللاجئين السوريين ما يناهز ثلث سكانه. ثم ماذا يفعل لبنان اذا ترسخت في سوريا خطوط تماس مذهبية وجلس النظام على جزء من الخريطة وتوزعت المعارضات على أجزاء أخرى؟ وماذا لو انقسمت سوريا؟.
في الشهور الماضية وفي ظل هذه الصورة القاتمة ومع اقتراب موعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان تجدد الحديث عن الانتخابات والفراغ والرؤساء. لاحظت ان كثيرين من الشبان يتحدثون كأن تاريخ لبنان بدأ مع الحرب الاهلية التي عاشها. وفي ذلك خطأ وظلم. لا يحق لنا تجاهل ان لبنان حاول بعد استقلاله بناء دولة ومؤسسات. صحيح ان تلك التجربة سقطت تحت وطأة مطالب الداخل وتجاذبات الخارج، لكن الصحيح ايضاً ان لا معنى للبنان ان لم يحتفظ ببعض روح تلك التجارب.
أعادتني نصيحة من الصديق الناشر رياض الريس الى اوراق كنت تركتها في عهدة النسيان. أعادتني الى حوارات اجريتها مع سياسيين ورؤساء وتحدثوا فيها عن أبرز الازمات في العهود التي تولوا فيها مواقع المسؤولية او اضطلعوا بدور المعارض لها. وخامرني شعور ان وضع هذه الحوارات معا في كتاب ربما اعطى صورة عما فعله سياسيون ورؤساء لم يحملوا البنادق وعارضوا زمن الميليشيات ولعبوا ادوارا في وصول رؤساء وتشكيل حكومات.
مطلع التسعينات، وكنت اعمل في صحيفة "الشرق الاوسط"، قصدت منزل الاستاذ فؤاد بطرس نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية السابق الذي يتفق كثيرون على ان دوره كان اكبر من لقبه على اهميته. اجريت معه حوارا بعنوان "ثلاثة عهود شهابية وفكرة الدولة". وارفقت الحوار بشهادات لمن عاشوا تلك المرحلة عن قرب احتفظ منها هنا بشهادتين ثمينتين للمفكر منح الصلح والاستاذ كريم بقرادوني. بعدها وخلال عملي في مجلة "الوسط" التي كانت تصدر عن "دار الحياة" أجريت الحوارات الاخرى التي يتضمنها هذا الكتاب.
في 1994 حاورت الرئيس حسين الحسيني الذي تعرفت اليه خلال عملي في "النهار" وحين كان صالون رئيس تحريرها ميشال ابو جودة يضم نخبة بينها الحسيني وتقي الدين الصلح وريمون اده ومنح الصلح . وفي السنة التالية قصدت العميد ريمون اده في منفاه الباريسي وسألته عن الرئاسة والرؤساء. وفي 1996 حاورت الرئيس صائب سلام "البيروتي العتيق" وامتدت الذكريات من وصول فؤاد شهاب الى وصول بشير الجميل. وفي 1999 نشرت حوارا كنت اجريته مع الرئيس شفيق الوزان تطرق فيه الى الاحتلال الاسرائيلي لبيروت عام 1982 وقصة "اتفاق 17 ايار". وفي 2001 حاورت الرئيس كامل الاسعد وسألته عن ابرز المحطات في علاقاته بالرؤساء.
تسلط الحوارات الضوء على ازمات ومواقف وممارسات. هل صحيح ان فؤاد شهاب كان يتعاطف مع ثورة 1958، وانه ابلغ كمال جنبلاط ذلك ولو في صيغة مواربة؟ وهل صحيح انه كان يريد التجديد لكن من دون ان يطلب؟ وهل صحيح ان شارل حلو كان يحلم منذ وصوله بانهاء الشهابية؟ وهل صحيح ان الرئيس سلام رشح سليمان فرنجية للرئاسة حول طاولة الزهر؟ وهل صحيح ان حافظ الأسد لم يطلب صراحة من كامل الاسعد ارجاء جلسة انتخاب بشير؟ ولماذا أيّد الياس سركيس وصول بشير بعدما كان يكره الشاب "الازعر"؟ وما هي قصة اتفاق الطائف وانتخاب الرئيسين رنيه معوض والياس الهراوي؟ وما هو فن كتابة خطب الرؤساء؟
اسئلة اخرى كثيرة تراود قارئ الحوارات. هل كان رئيس الجمهورية اسير القصر وضوابط التركيبة اللبنانية، ام اسير طائفته التي لم يكن زعيمها؟ هل كان اسير التوازنات العربية؟ هل كان عليه ان يفكر قبل اتخاذ قراره بجمال عبد الناصر ولاحقا بحافظ الاسد؟.
رئيس ما بعد الطائف ليس كرئيس ما قبله. لكن انحسار الصلاحيات لم يضبط لعاب بعض السياسيين الموارنة. لم تغيِّر الاخطار المحدقة بالاقليات في المنطقة شهياتهم ولم تضعف كراهياتهم. في حكايات الرؤساء جزء من مأساة كيان هش اسمه لبنان وجزء من قصة الموارنة فيه وهي جميلة وشائكة.
لا يدعي هذا الكتاب تأريخ مرحلة او ما يشبه ذلك. انه كتاب صحافي يطمح الى ان يحرض القارئ على المزيد من الأسئلة والمقارنة بين الروايات. لست معنيا بتلميع دور او ادانة آخر. ولعل هاجسي خلال رحلة الحوارات هذه كان هاجس معظم اللبنانيين وهو هل كان يمكن هذه الاقاليم ان تلتقي ذات يوم في دولة ووطن.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard