أربعة مفاهيم تصنع المرء بعد التخرُّج

3 تموز 2014 | 00:20

تتوالى حفلات التخرُّج فصولاً. المدارس "معجوقةٌ" بالتخرُّج، تبدو زاهية إذ حقّقت إنجازاً مميزاً بتخريج أولادها. والأولاد فرحون أيضاً، فقد بلغوا اليوم الذي انتظروه بفارغ الصبر خمس عشرة سنة. الجامعات أكثر عجقة. الأهل مسرورون بوصول أولادهم إلى خط النهاية. استثمروا فيهم الكثير من المال والجهد والضنى أيضاً.

لكن ماذا بعد؟ المهم الآن هو النجاح في الحياة. لو يسألني تلميذٌ متخرّج عن السبيل إلى النجاح في الحياة بشكل عام والحياة المهنية بشكل خاص، لقلتُ له إن أربعة أمورٍ تصنع التلميذ المتخرّج في الزمن الحاضر. وأرى أن على الجيل المتخرّج أن يدرك هذه الأمور لئلا يتذمّر بعد أربع سنوات من أنه غيرُ قادرٍ على إيجاد عمل، وبعد عشر سنين من أنه غير قادر على الزواج وشراء بيت، وبعد عشرين سنة من أنه غيرُ راضٍ عن مدخوله ونوع خبرته. وعلينا نحنُ، أهله وأصحاب الخبرات المتراكمة، أن نساعده على أن تكون رؤيته صحيحة فلا يُضلّل نفسه بأوهام لم تعُد موجودة من مثل "إنُّو الدني حظ"، أو أن "الواسطة" أهم من كل المؤهلات الأخرى. في العالم الأوسع باتت مفاهيم كهذه من الذكريات غير الجميلة، فيما العالمُ نفسه أصبح في مكانٍ آخر.
فما هي إذاً هذه المفاهيم التي تصنع المرء بعد التخرُّج؟ أربعةُ أمورٍ هي الأساس. أولاً،
الــ Attitude أي الموقف الداخلي. الــAttitude هو الموقف الداخلي الذي يصبح طبيعةً ثانية للمرء. عندما يصبح الموقف الداخلي الطبيعي لدى المتخرّج مقتنعاً بأن الاحتراف أي
الــProfessionalism هو الخيار الأسلم للنجاح مهنياً، وبأنه بات مطلوباً للتطوّر والترقية في المؤسسات حول العالم، فإنّ المتخرّج يكون قد قطع شوطاً بعيداً في عملية تنمية ذاته وبالتالي في الوصول إلى برّ الأمان في حياته المهنية. لا مجال بعد اليوم للــ Mediocrity أو ما نسمّيه بلغتنا اللبنانية "هات إيدك وِلْحَقْني" أو "شِغْل الشَفْشَأة". هذا الــAttitude بات يُتوَقّع له أن يكون إيجابياً، غيرَ حُكميٍّ، مبادراً لا متلقّياً، مؤمناً بالخير العام لا بالمنفعة الشخصية فقط. وفي هذا الــ Attitude المطلوب، هناك مساحةٌ كبيرةٌ للخدمة المجتمعية أي الــ Community Service، ولِقِيم النزاهة والمثابرة في العمل من أجل تحقيق الأهداف.
ثانياً، "المهارات". نعم خريجٌ من دون مهارات لا مستقبل مهنياً له ليس في الولايات المتحدة وأوروبا فقط بل في هذه المنطقة من العالم أيضاً. ولما أتحدث عن المهارات، فإني أتحدث عن المهارات الحياتية أو ما نسميه باللغة الإنكليزية الــ Soft Skills، وقد عنيتُ بها تحديداً مهارات القيادة والتواصل مروراً بمهارات التفاوض وحل النزاعات، ومهارات العمل الفريقي وإدارة الوقت وإدارة المشاريع والعمل مع الأشخاص الصعبي المزاج، ومهارات التخطيط والتنظيم وغيرها. هذه كلها مهاراتٌ تصنع المرء بعد التخرُّج، لكن أهمها على الإطلاق هي مهارات التواصل التي تتفرّع منها مهارات حل النزاع. سؤالي لك أيها الخريج والخريجة هو: هل نحن تواصليون أم مقاتلون إنفعاليون؟ هل نحن نرغب في حل نزاعٍ ما في حياتنا أم نحن نرغب في أن يستمر إلى أن يُكتب لنا النصر؟ هل نُنمّي مهارات التواصل عندنا؟ هل تعرف أن أهم مهارة تواصلية هي الإصغاء؟ نحن نفتكر أحياناً أن أهم مهارة تواصلية هي أن تكون مخارج الحروف عندنا سليمة، أو أن نتكلم بصوت مسموع، أو أن نستطيع أن نضع أفكارنا في جمل مفيدة مختصرة وهادفة. لكن الحقيقة هي أن أهم مهارة تواصلية لا علاقة لها بالكلام إذ هي الإصغاء. هل تُصغي؟ هل تُشعِر محدثّك أنك تُصغي إليه باهتمام؟ هل تتجنّب معوقات التواصل من مثل المقاطعة وقلة الاهتمام والاهتمام الزائد عن اللزوم وعدم الإصغاء واستعمال وسيلة التواصل غير الملائمة، والتنميط أي وضع الناس داخل بروازٍ فلا تراهم إلا بصورة واحدة؟ ولعل ما يأتي في رأس لائحة معوقات التواصل هو الأحكام المسبقة وغالباً ما تكون قاسية وتدميرية للآخر. في الزمن الآتي لا مكان لأشخاص لا يريدون أن يكونوا محترفين بتواصلهم.
ثالثاً، "اللغات"، نعم اللغات. في الزمن الذي تخرّجتُ فيه أنا من الجامعة في بداية الثمانينات من القرن الماضي، كان يكفي للخريج أن يُتقنَ لغتين حتى يكون مطلوباً في سوق العمل. وكان معظم الخريجين من أبناء جيلي يُتقنون إما اللغتين العربية والإنكليزية أو اللغتين العربية والفرنسية. لكن هذا الأمر تغيّر في الآونة الأخيرة. فمنذ منتصف التسعينات بات الخريج المُفضل لدى المؤسسات في لبنان والشرق الأوسط ودول الخليج هو ذاك الذي يُتقن ثلاث لغات هي العربية والإنكليزية والفرنسية. لكن الزمن الآتي سيشهد تبدلاً في أولويات التوظيف في المؤسسات التي نسميها Multi-National Companies أي الشركات العالمية الموجودة في دول متعددة. هذه المؤسسات تتّجه إلى مكان يكون فيه الموظف الأكثر حظاً للتوظيف هو ذاك الذي يُتقن أربع لغات هي العربية والإنكليزية والفرنسية وواحدة رابعة من بين اللغات اليابانية أو الصينية أو الإسبانية. هذا الخريج الجامعي سيكون هو المُفضل وذلك نظراً إلى حاجة المؤسسات العالمية إلى موظفين متعددي اللغة لكي يصنعوا نجاحاتٍ لشركاتهم في الأسواق العالمية، ويتقنوا القدرة على التواصل مع نظراء لهم في بلدان تتحدث هذه اللغات. ولن يكون التوظيف في دول الخليج وسائر دول الشرق الأوسط أقلّ تطلباً بل العكس هو الصحيح.
رابعاً وأخيراً، الماركة الشخصية أي الــ Brand. ما هي الماركة الشخصية؟ هي التصوُّر الذهني الذي يكوّنه الناس عن شخص أو شيء معين. هو الحكم الذي يصدره الناس حول شخص ما نتيجة عوامل عدة منها صورته وآراؤه وأفكاره وأسلوب التواصل لديه وتصرفه. الماركة الشخصية هي الشيء الذي يفرق الخريج عن سواه كي يتميز. ولعلّ السؤال الذي يجب على كل خريج أن يسأله لنفسه هو: ما هي صورتي المختلفة أو المميزة التي أريد أن أُكوِّنُها عني؟ هل أُريد أن يقول الناس عني أني وسيم و"فشِّيخ" كما نقول بالعامية، وCool ومهضوم و"غير شكل"، و"بيضَحِّك" و"بايع الدني بقشرة بصلة"؟ أم أريد أن أُعطي صورة عن نفسي بأني جديٌّ ومثابر وأطور نفسي ومهاراتي، وبأنه يمكن الاعتماد عليّ، وبأني محترف وتغييريٌ تنمويٌ وتطويري؟ أي صورة أرتضيها لنفسي لا بل أسعى إليها؟ خريجون كثيرون يسألون أصحاب المؤسسات "لماذا لا توظفني"؟ إني أعتقد أن الزمن الحاضر بات يلح على الخريج بأن يجيب عن سؤال هذه الشركات له "لماذا أُوظفك؟ ما هو الذي يميّزك عن سواك الذي لن نوظفه"؟
أيها الخريج، أربعة أمور تذكّرها، الموقف الداخلي، المهارات، اللغات والماركة الشخصية. هذا الأربعة تصنعك.

*مدير مؤسسة وزنات

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard