كل رئيس قويّ يصبح ضعيفاً إذا حكم بسياسة الغالب والمغلوب

21 حزيران 2014 | 01:36

يكثر الكلام على رئيس قوي ومَنْ هو، وعلى رئيس ضعيف كلما انتقل البحث عن مرشح وسطي أو مستقل. فالقوي، في نظر البعض، هو الذي يمتلك أكثرية في طائفته وكتلة نيابية كبيرة. والضعيف هو الذي لا يمتلك هذه الأكثرية ولا كتلة نيابية ويسمى وسطياً أو مستقلاً.

الواقع أنه بعد اتفاق الطائف بات توصيف الرئيس القوي والرئيس الضعيف مختلفاً. في الماضي كان الماروني القوي هو رئيس حزب وطني ينافس مارونياً قوياً ورئيس حزب وطني أيضاً ومن تفوز لوائحه الانتخابية في كل لبنان بالأكثرية النيابية ينتخب رئيساً للجمهورية وينتخب من أركان كتلته النيابية رئيس للمجلس، وهو الذي يسمي رئيس الحكومة من بين الوزراء الذين يعينهم، وهي صلاحية منحه إياها دستور ما قبل الطائف ولم يكن في حاجة إلى إرضاء هذا المذهب أو ذاك بوزير من كتلة أخرى، أو من أي منطقة، لأن كتلته النيابية كانت تتألف من نواب يمثلون كل المذاهب وكل المناطق بحيث يمكن القول أن الحكم في لبنان كان يومذاك أشبه بحكم رئاسي ما جعل الشريك المسلم المستاء من الصلاحيات الدستورية الواسعة الممنوحة لرئيس الجمهورية يصفه بـ"ملك على جمهورية" ورئيس الحكومة بـ"شرابة خرج" أو بـ"باشكاتب".
لذلك فإن القوي لم يكن بشخصيته فقط إنما بالصلاحيات الواسعة التي كان يتمتع بها، فمن لم يكن حكيماً أساء استخدام هذه الصلاحيات وتفجّرت في وجهه أزمات تبدأ سياسية وتنتهي طائفية، خصوصاً عندما يتمادى في استفزاز الشريك المسلم بتعيين رئيس للحكومة لا يمثل بيئته تمثيلاً صحيحاً بل مجرد أن يكون موالياً له وطيّعاً، حتى إذا لم يكن كذلك خسر كرسي الرئاسة الثالثة، وقد أدى تكرار سوء استخدام رؤساء جمهورية الصلاحيات الواسعة الممنوحة لهم إلى تكرار مطالبة الشريك المسلم بتعديل الدستور على نحو يعيد توزيع الصلاحيات على السلطات الثلاث توزيعاً عادلاً ومتوازناً، في حين كان شريكه المسيحي يعارض ذلك بشدّة ويرفض مسّ الدستور لئلا يخسر الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها رئيس الجمهورية وقد انتقلت اليه من المفوض السامي الفرنسي زمن الانتداب.
وعندما انعقد مؤتمر الطائف بعد حرب داخلية طويلة مدمّرة ذهب اليه الشريك المسلم وهو موحّد الصف والموقف، في حين ذهب إليه شريكه المسيحي ممزّق الصف مشرذماً خصوصاً بعد حرب عرفت بحرب "الالغاء" بين عون وجعجع... فكانت نتيجة المؤتمر تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية إلى حدّ جعلته حكماً وليس حاكماً لأنه فقد قدرة الحسم كلما واجهت البلاد أزمات حادّة، وإذ به لم يعد يستطيع حل مجلس النواب عند الضرورة والعودة إلى الشعب في انتخابات ينبثق منها مجلس جديد بمكونات جديدة تستطيع تخطّي هذه الأزمات، ولا يستطيع إقالة الحكومة عندما يرى أن بقاءها بات مضرّاً بمصلحة الوطن والمواطن، إفساحاً في المجال أمام تشكيل حكومة منسجمة ومتجانسة ومنتجة. وعندما طبق دستور الطائف زمن الوصاية السورية صار رئيس الجمهورية محكوماً وليس حاكماً.
كذلك فلا دستور ما قبل الطائف الذي جعل رئيس الجمهورية قوياً بصلاحياته الواسعة حقق الشركة الحقيقية والعادلة والمتوازنة بين أبناء الوطن الواحد على اختلاف اتجاهاتهم ومذاهبهم لأن رؤساء جمهورية اساؤوا استخدام هذه الصلاحيات فاستاء الشريك المسلم، ولا دستور الطائف حقق هذه الشركة لأن الشعور الطائفي والمذهبي عند غالبية اللبنانيين تقدم على الشعور الوطني فقامت أحزاب وتكتلات طائفية لا بل مذهبية خلافاً للماضي وصار تشكيل الحكومات مشكلة، وانتخاب رئيس للجمهورية مشكلة، وقامت مجالس نيابية منبثقة من قوانين لا تؤمن التمثيل الصحيح لشتى فئات الشعب، فلا يمكن في ظلّ هذا الوضع المطالبة برئيس قوي كما كان في الماضي لأن لا قوي في وضع كهذا إلا مع من يستطيع أن يحافظ على التوازنات الداخلية لأن أي خلل فيها يفجّر أزمات يصعب الخروج منها، ولأن أي رئيس تأتي به هذه التوازنات سوف يكون خاضعاً لها وحريصاً عليها، وإلا أصبح ضعيفاً إذا ما اختلت، وان أي رئيس وإن أتى بقوته الذاتية يصبح ضعيفاً إذا لم تنضم إليها قوّة الشريك الآخر، ذلك أن لبنان لا تقوم فيه دولة قوية إلا بجناحيه المسلم والمسيحي، والاستقلال يدوم إلا بوحدة داخلية، والدولة لا تبقى دولة إذا لم تحكم بالعدالة والمساواة بين أبنائها إذ أن كل طرف في لبنان وفي غير لبنان يشعر بالغبن أو الخوف أو التهميش والاحباط يصبح بيئة حاضنة لكل قوّة داخلية أو خارجية يظن أنها ترفع عنه هذا الظلم، وهو ما يحصل في العراق وفي سوريا وفي كل دولة تميز بين أبنائها وتجعل منهم أبناء ست وأبناء جارية.
والرئيس القوي في لبنان هو الرئيس الذي يمارس صلاحياته بحكمة واعتدال ليظل محافظاً على التوازنات الداخلية الدقيقة والحساسة، لأن أي خلل فيها يفجر الأزمات في وجهه، حتى إذا ما استعصى عليه حلّها دخل الخارج المتربص ليفرض الحل الذي يخدم مصالحه أو مصلحة الموالين له في الداخل.

emile.khoury@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard