قصة - الغرفة البيضاء

21 حزيران 2014 | 00:23

لوحة لمارون الحكيم.

تجول عيناه في زوايا الغرفة بصمت، محاولاً أن يفهم سبب وجوده هنا. هو لا يعتقد أنه يشبه أياً من جيرانه في الغرفة. لا يصرخ ولا يبدي أيّ ردود فعل عنيفة، ولا يمارس العادة السرية في العلن. فكّر ذات مرة أنه سيشعر بإثارة أكبر فيما لو مارس العادة السرية أمام جمهور واسع، لكنّه لم يتمكن من فعل ذلك. لا يزال الوقت مبكراً، ولم يظهر أحد من الممرضين أو الأطباء الذين زاروه البارحة. كان أبدى إعجابه بإحدى الممرضات فقال لها: كم تشبهين بطلات الأفلام الإيطالية الكلاسيكية! ابتسمت من دون أن يبدو عليها الشعور بالإطراء. ربما لم تشعر بالإطراء، ففي النهاية هو مجنون. هذا ما فكر فيه عندما راقب رد فعلها الحيادي جداً. اليوم يبدو أكثر هدوءاً، وليس لديه شعور بالقرف كما كان يشعر البارحة. يشعر بالدهشة أكثر. نظر حوله وهو يتعرف إلى وجوه المرضى، فلاحظ أنه لا يشعر بأي شيء تجاههم.
ظل يسأل عن سبب وجوده هنا. بعد مرور ساعة من الصباح أطلّت الإيطالية، كما قرر أن يسمّيها، فقالت بابتسامة: صباح الخير، كيف حالك اليوم؟ أجاب بهدوء: ما الذي فعلته ليوصلني الى هنا؟ ألا تتذكر، سألته؟ فأومأ برأسه أنه لا يذكر شيئاً. قالت: لقد أبرحت سيدة عجوزاً ضرباً في الشارع منذ يومين، ألا تتذكر فعلاً؟ أأنا فعلت هذا، فكّر في نفسه بدهشة. لم أكن عدائياً يوماً تجاه أحد، غير أني تمنيتُ ضرب عدد لا بأس به من الناس في حياتي: مديري الأحمق الذي يقتبس مقالاتي فينشرها باسمه ويعرّف عني في حفلات المجلة أني محرّر أخبار لا أكثر. أنا كاتب، أيها الأحمق، كاتب، يا فاشل. نعم، كنت أصرخ عليه بهذه العبارات في المرآة، وتمنيتُ خنقه بربطة عنقه كثيراً. والدتي تمنيتُ ضربها مرات عديدة لإسرافها في ممارسة الجنس مع الغرباء؛ بعد هجر والدي لها كانت تدّعي أن لها الحق في ذلك، لكني لم أستطع أن أعاملها كامرأة فأعطيها الحق في فعل ما تفعله النساء. هي أمّ، وكل ما كانت تفعله لا يليق بأمّ البتة.
أنانية الأمّ بشعة، لكنها لم تكن تفهم. أردتُ ضرب زوجتي عندما وجدتُها تمارس العادة السرية في البانيو، فقالت بهدوء: لم نكن نصل إلى ما أصل إليه مع نفسي. عندما سألتُها كساذج عن الصراخ والرعشات المتكررة، ضحكت كثيراً وقالت: كل النساء يتظاهرن بهذا لينتهين من الجحيم التي تمنّون بها علينا مدّعين أنها جنس. قرأتُ عن هذا مرةً في كتاب، لكني لم أعتقد يوماً أن علاقتي بزوجتي كانت سيئة. أردتُ ضربها لكني تركتها ترحل، وراقبتها تعاشر آخرين. أواسي نفسي الآن بتخيّلها في البانيو من جديد تمارس العادة السرية وحيدة. أردتُ ضرب نفسي لأني أفكر في الجنس كثيراً، ولأني أشتاق لطفولتي وأشتهي الرضاعة. هل تعتقدين أني مريض؟
صمتت الممرضة طويلاً لتستوعب هذا الكمّ الهائل من الاعترافات قبل أن تقول: ولكن ما الذي دعاك لضرب السيدة العجوز؟ أجاب: لقد رفضت الذهاب الى الشبّاك الثاني وقالت إنها ستقف هنا مكاني، وأنا كنت في عجلة من أمري، وكان هناك محاسب آخر في خدمتها فاستفزّني غباؤها بشدة ولم أحتمل ما تفعله. هل هذا سبب كاف لجعلي مجنوناً؟ لا. لا يكفي، قالت الممرضة، ثم تابعت: لستَ مجنوناً. أنتَ هنا لتعالج غضبكَ غير الطبيعي، سيدي. ماذا تعني بغضب غير طبيعي؟ أليس الغضب كله غير طبيعي؟ أليست الانفعالات النفسية حالة غير طبيعية؟ هل هناك غضب طبيعي؟ قاطعتْ أفكاره وقالت: سيدي، أنت شخص عنيف وغير جاهز لمواجهة المجتمع ونحن هنا لنساعدك. تنهد وقال: حسناً.
في المساء اقترب منه شاب في العشرين من عمره قائلاً: لا يبدو أنك قادر على ضرب عجوز! تبدو عطوفاً. قال: ربما لست عنيفاً، لكنهم أرادوا لي ذلك وسأخرج قريباً. قال: سمعتُ غزلك للممرضة البارحة. ليس جميلاً. أجاب: حقاً، لماذا؟ أجاب: عليكَ أن تكون أكثر اباحية. هنا جميع الممرضات يقمن علاقات جنسية مع الأطباء أو الحرس أو طاقم الإدارة. لن تحظى بفرصتكَ ما لم تظهر لها أنكَ قادر على إثارتها. لقد حظيتُ بليلة رائعة مع مسؤولة الطابق السادس على رغم أنها لا تبدو مثيرة إلا أنها خارقة. انتشيتُ مرات ومرات عديدة بعد رحيلها. هذا كله تمثيل. النساء يمثّلن الرعشة ولا يشعرن بها. ربما نساؤك، أما أنا فقد أمتعتها حد الموت. لقد وقعت في حبي. هل تعرف أن الجنس المتقن أحد أسباب الحب؟ لقد أحبّتني، لكنها تزوجت من صديق قديم قالت إنها لن تتزوج من رجل يصغرها بخمسة أعوام. حسناً. لا أنوي البقاء هنا، لذا لن أمارس الجنس مع أحد.
تمشى في الحديقة ليلاً وفكر: ماذا لو أردتُ اختبار امرأة أخرى؟ هل كل النساء يمثّلن حقاً؟ أريد أن ألتقي بزوجتي وأنا على سرير مع امرأة تنتشي حقاً وتبكي من النشوة ثم يغمى عليها وعندما تستقيظ تصحو لتقول: أحبّك. هل هناك امرأة هكذا؟
أمضى في المصحّ أسابيع طويلة يستمع إلى قصص المرضى ويتلقى محاضرات في ضبط النفس. بعد وقت طويل حصل على إذن بالخروج إلى العالم. كل شيء على حاله. أمّه تنتقل من سرير إلى آخر. مديره يسرق جهد موظف آخر، وزوجته في البانيو تصرخ من النشوة. كل ما تغيّر أنه أصبح أكثر مرونة تجاه ما يحدث. لم يعد يتمنى ضرب أحد. يريد أن يغفو في حضن امرأة تمثّل النشوة لكنها تحبّه كفاية لتبقى، وتحترمه كفايةً لئلا تستبدله بإصبع من أصابعها أو بأيّ آلة أخرى لتمتّع نفسها بها.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard