البلديات والقطاع الخاص

17 حزيران 2014 | 00:49

الاقتصاد اللبناني اليوم في حالةٍ حرجة في مواجهة الأزمة الإنسانية غير المسبوقة وليدة النزاع في سوريا. فإجمالي الناتج المحلي يتراجع، والبطالة ترتفع، وعدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر يزداد ازدياداً مطرداً. والصدمة السكانية الناتجة من تدفق اللاجئين السوريين بأعداد كبيرة أنهكت البنى التحتية خائرة القوى أصلاً.

على المستوى المحلي، بات التقشف عنوان المرحلة. فنظام الخدمات يرزح تحت ضغوطا ثقيلة والاستثمارات في التنمية الاقتصادية المحلية غير كافية. وعلى الرغم من الحاجة الملحّة إلى بذل جهود فورية، أدّى ضعف المالية العامة وضعف الإرادة السياسية إلى عجز الحكومة المركزية والدوائر المحلية عن مجابهة هذا التحدي. وعلى الحكومة اللبنانية أن تنفذ على وجه السرعة الإصلاحات الضرورية في النظام المالي البلدي بهدف دعم البلديات في هذه الحالة الطارئة وتشجيع استثماراتها في التنمية الاقتصادية المحلية.
وقبل اشتعال فتيل الأزمة السورية، لم يرقَ أداء البلديات اللبنانية إلى مستوى قدراتها. فحصة السلطات المحلية في إنفاق الحكومة المركزية (باستثناء الدين) لا تتخطى 6% في لبنان، مقارنةً بما يعادل 27% في باقي دول العالم. وإلى جانب المجموعة الواسعة من المهمات الملقاة على عاتقها بموجب القانون، تتحمل البلديات اليوم حصةً غير متساوية من الأكلاف المرتبطة بأزمة اللاجئين. غير أن البلديات هذه تثقلها القيود الإدارية والتبعية المالية. وعليه، فهي عاجزة عن أداء مهامها، حتى الأساسية منها، وهي تقديم الخدمات والاستثمار في التنمية.
وكثيرةٌ هي العيوب التي تشوب أكبر مصدرين للعائدات البلدية، وهما الصندوق البلدي المستقل ونظام الضرائب المحلية. ومن شأن إصلاحهما أن يعزز العائدات المحلية ويضمن فسحة أوسع من الاستقلالية المالية. غير أن هذه الإصلاحات غير كافية، وإن كانت ضرورية، لعدم قدرتها على تغطية حاجات الاستثمار لدى البلديات. فلا بد من أن تترافق إصلاحات الصندوق البلدي المستقل والنظام الضريبي مع توفير مصادر مالية أخرى، إن كان للبلديات أن تواكب ارتفاع الطلب المحلي وتؤمن التنمية المحلية.
وفي هذا السياق من التحديات، نظّم المركز اللبناني للدراسات طاولة مستديرة مغلقة جمعت بعض رؤساء المجالس البلدية ومسؤولين الرسميين وخبراء في القانون وممثلين من القطاع الخاص في 19 كانون الأول 2013 لمناقشة الدور الحيوي الذي تضطلع به البلديات في تعزيز التنمية الاقتصادية المحلية ومصادر التمويل المحتملة. وتركز النقاش في الغالب حول انخراط القطاع الخاص في التنمية المحلية. وأهم المسائل وتوصيات السياسة العامة المستخلصة من الطاولة المستديرة توجز في ما يلي:
يتيح إطلاق المشاريع المشتركة مع القطاع الخاص فرصةً أساسيةً للبلديات لتمويل الاستثمار في التنمية المحلية. وبإمكان البلديات أن تستفيد من أصولها وتستخدمها في شراكاتها مع الشركات الخاصة. ومن شأن هذه المشاريع أن تستحدث فرص عمل للسكان المحليين وتحفّز الانتاج المحلي. وإذا ما استثمرت الأموال في مشاريع تدرّ العائدات، فقد تولّد مصادر دخل جديدة ومستدامة للبلديات في المستقبل. ورغم أن المشاركين لم يتفقوا على الشكل الذي تتخذه هذه الشراكات، ردّدوا جميعهم، ومنهم رؤساء المجالس البلدية والمسؤولون الحكوميون، أهمية إشراك القطاع الخاص في التنمية المحلية.
وللبلديات الحق في إطلاق المشاريع المشتركة مع القطاع الخاص بموجب القانون، وقد نُفّذت مشاريع محلية عدّة في لبنان بالشراكة مع القطاع الخاص. وعلى سبيل المثال، استثمر اتحاد بلديات جزين في مشاريع عدّة للسياحة البيئية بالشراكة مع القطاع الخاص، ولا سيّما في مشروع "La maison de la forêt"، الذي تبيّن لاحقاً أنه حقق نجاحاً باهرًا في توليد العائدات للاتحاد البلدي. وبلدية الغبيري استثمرت أيضاً في مشاريع عدّة إلى جانب القطاع الخاص، ومنها في إقامة ملعب، وإنشاء مجلس لإدارة الكوارث، وبناء مركز صحي. واستحدثت هذه المشاريع فرص عمل عدّة لسكان الغبيري وشجّعت الانتاج المحلي.
لكن، يبقى مصدر التمويل هذا غير مستغل بالكامل رغم جوازه قانوناً ونجاح تجارب بعض البلديات في التعاون مع القطاع الخاص، ما يعود في الغالب إلى افتقار البلديات إلى المعرفة القانونية والتقنية المطلوبة للدخول في شراكات كهذه وإلى الأنظمة الرقابية التقييدية التي تفرضها الحكومة اللبنانية. فهذه الأنظمة تحظر مثلاً استخدام بعض البلديات أصولها، ولا سيما الأراضي، وغالبًا ما تضع الإجراءات البيروقراطية غير الفعالة والقيود الإدارية المفرطة.
وبهدف ردم الثغرة في الاستثمار في التنمية المحلية، يوصى بأن تتخذ الحكومة اللبنانية الخطوات لتيسير الاستفادة من المصادر المالية المحلية التي تحتاجها البلديات بإلحاح. وفي المرحلة الأولى، وإذا ما أرادت الحكومة أن تضع سياسات أكثر فاعلية، عليها أن تأخذ في اعتبارها التجارب السابقة للبلديات التي عملت مع القطاع الخاص.

باحثة في المركز اللبناني للدراسات

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard