مجرد عشاء [2]

17 حزيران 2014 | 01:30

كانت طفلة صغيرة، يوم قرر والدها الانفصال عن والدتها. كانت القرارات كلها بيده هو. والمسألة هنا لا تتعلّق بحياته فحسب، إنما بمصير النساء اللواتي يدخلن حياته او يقتربن منها. رحلت الام وبقيت الإبنة مع والدها. كان عليها أن تتحمّل سيطرة امرأة ثانية، دخلت المنزل وباتت مجبرة على مناداتها "خالتي". بسرعة فائقة، وبمباركة الأب ورضاه، باتت البكر تعيش على الهامش، في زاوية المنزل. فيما زوجة الأب والإبنة الثانية تتقاسمان الأب ومحبته وحياته الاجتماعية الصاخبة. وكلما كان يغيب عن حياة الإبنة الكبيرة، كان يحضر في حياة أختها غير الشقيقة. مرت السنوات. حاولت المسكينة أن تجد التعويض خارجاً. كانت تحتاج إلى جرعات زائدة من الحضور الذكوري في حياتها. تزوجت، وبعد مدة قصيرة، تطلّقت. كان عليها هذه المرة أن تشتغل أكثر على نفسها، على علاقتها الشائكة مع والد، لكثرة الحرمان العاطفي الذي عاشته معه، باتت تنفر منه. عادت هي إلى منزل العائلة، تزوجت الأخت الصغرى. مرت السنوات، قبل أن يتخذ الوالد القرار مجدداً بالانفصال عن الزوجة الثانية هذه المرة. في البداية، لم تفرح صديقتنا ولم تحزن. لكنها مع الوقت تنبّهت إلى أن خطوة والدها - العازب والوحيد حالياً - ستحوّل حياتها كابوساً، وخصوصاً أنها مع الوقت ستصبح ونيسة أيامه ورفيقة لياليه. اعتاد أن يحرمها من عاطفته، واليوم يريد ان يحرمها من أوج سنوات حياتها وعطائها وحريتها. لم تكن ترغب بذلك. لم تكن تريده. باتت تنفر منه من جهة، وباتت بحاجة إلى هامش أكبر من الحياة الحرّة، وبلا قيود، علها تجد الرجل المشتهى والمنتظر. الليلة دعاها الوالد الى العشاء خارجاً. لا تدري لماذا لم ترفض. في الواقع، كانت تعرف سبب قبولها. رغم خوفها منه، ورغم تبعيتها الاقتصادية له، ما يجعلها مجبرة على اطاعته... رغم كل شيء، كانت تعيش رغبة دفينة لم تستطع تحقيقها كل الاعوام الماضية، الا وهي الخروج ولو مرة مع والدها، ولوحدهما. على الطريق، استعادت - من دون قصد - شريط أحداث الماضي.
حين جلسا على الطاولة، عادت طفلة صغيرة تختبر مشاعر متناقضة، كانت تكره والدها وتحبه في الوقت نفسه. كانت تكره جبروته وتسلّطه وتحكّمه بالنساء، وتعجب في الوقت نفسه بقدرته (حتى الأمس القريب) على الإيقاع بأي امرأة يريد. كانت تشعر بثقل في صدرها حين تتذكر أنها ستصبح أسيرة له في المستقبل، وممرضة لما تبقى من خريف العمر... وتشعر أيضاً برغبة طفولية لتخبر جميع رواد المطعم، انه والدها... وانه اختارها هي - حتى ولو لم تكن لديه خيارات اخرى - لقضاء السهرة معها. تحدثا بأمور كثيرة. أشياء لم تعتقد يوماً أنها ستناقشها معه. تحدثا عن الرجل، المرأة، مؤسسة الزواج، عن أمها، عنه وعنها.
فجأة وخلال الحديث، بدأ يتحدث عن أمور صعقتها. أخبرها عن أمه التي تنتظرهما في المنزل، وذكر أمواتاً، بالنسبة إليه ما زالوا أحياء. حاولت الإبنة السيطرة على نفسها. بهدوء مصطنع، ذكّرت والدها أن من يذكرهم ليسوا أحياء وأن آخرهم مات قبل ٢٠ عاماً. حاول بدوره السيطرة على نفسه، وعدم إظهار ذعره من ذاكرة باتت تخونه. ضعفت همته. شعر بقرصة برد. بشكل لاإرادي، حضنت والدها، ومشت قربه حتى وصلا الى السيارة. رافقته كحبيب، طال غيابه. وحين سألها شاب الـ Valet Parking، من سيقود السيارة: "أنت أم زوجك مدام"... وقف متسمّراً أمام إجابتها التي تحمل الكثير من الجدية: "ليس زوجي... هو إبني"!.

الجزء الأول عبر موقع "النهار" / باب "نهارك"

georges.moussa@annahar.com.lb
Twitter: @moussa_georges

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard