شعر - أدخل الجملة وأُغلق الباب ورائي

14 حزيران 2014 | 00:40

عمل لألان لامبروسو.

أدخل الجملة وأُغلق الباب ورائي. بربع قلب، أبحث عن زرّ الإضاءة. ثمّ، أعدل. أبقى في عتمة الجملة، في ظلال الحروف، وما يمر بينها من هواء وحشرات. أبدأ عملي هذا بتنظيف الجُمَل. ابحثي عن النقاط، كنت أخاطب نفسي؛ اجمعيها واخرجي بسرعة الكذبة. لا وقت لتلميع عيون الحشرية أو لتطهير مخارج الحروف أو لإزالة الشعر من جلد هذه الورقة. اخرجي فحسب. كشتيمة. تعوّدتُ على هذا العمل حتى غدت ممارسته على نحو متراكم من الخفة. أنتقل بين الجملة والأخرى أحيانًا، كشجرة مهاجرة، لا تلبث أن تتفكك لتعيد غرس جذورها في الكلمات. هذا ما يجعل مناعتي ضد الفيروسات التي تحملها هذه الجُمَل قويّة ومحصنة، كأوراق كلينكس في حقيبة عانس. زيادة على هذه المناعة، اكتسبتُ قوّة نظر ورؤية فطرية لتجنب الكوارث والفخاخ التي غالبًا ما تكون على شكل فواصل في وسط الجملة. أفكر الآن أنني ربما أصبحت ألتجئ إلى هذه الجُمَل في الأزمات وخصوصًا الأزمات المتعلقة بالعمال الآخرين. اختبرتُ وقتًا عصيبًا بعدما استأجر زميلٌ أذني لستة أشهر ولم يدفع كامل الايجار. لماذا تحدث لي هذه الأشياء أيها الكتاب العظيم؟
عملية تنظيف الجُمَل ليست دائماً بهذه الخفة، أقول لكم. جُمَل كثيرة تتطلب تفكيكًا بعد التنظيف، لأنها تصبح محنّطة بفعل الوقت والابتذال، ويجب تقطيعها وتوزيعها على الأولاد كجزء من الارث، وإلا انتهى الأمر بها ملكًا للدولة أو للقواميس. ثمة في المقابل، جُمَل لم يدخلها أحدٌ منذ سنوات، وأخرى لم يدخلها أحدٌ البتة. هذه الجُمَل تسمّى الجُمَل الجُزُر أو الجُمَل العذراء، وفق المناطق. أتذكر ليلةً أمضيتها في جملة عذراء. كانت هذه الجملة تقع على حدود لغتين، واضطررتُ أن أبيت فيها بسبب قلة الوقت الموجود في القنينة. بعد منتصف الليل، سمعتُ صدى يكلّم نفسه. فوقفتُ على رأس الألف وصرختُ: أيها الصدى، هل أنت على ما يرام؟ واجبي مراقبة المشكلات التي تعرض لهذه الجُمَل، ومحاولة تحديد مصدرها وتصليحها. لكن الصدى لم يجاوب، مكتفياً بإيماءة من الرأس وبرفع الإبهام للدلالة على أنه بخير. انتبهتُ أن الجمل العذراء ليست سويّة كما كان شائعاً، إنما هي عبارة عن صدى نائم يرفع اشارة النصر. أخطر ما يمكن أن يحدث لجملة هو أن تصاب بفيروس. غالباً ما يكون على شكل كلمة متداولة بصورة خاطئة. عنوةً، يدخل الفيروس الجملة التي يريد، فتمرض.
عندما تمرض الجُمَل، لا يحدث شيء. الجُمَل لا تموت. لكنها لا تعيش. بل تظلّ. تصير بحاجة إلى صيانة، فيأتي المنظّفون بعيونهم الواسعة ليعيدوا قراءتها إلى الأبد.

* * *

تأملات نظّارة شمس

جملة بقرنَين، ببزّين، ترعى في رأسي.
كل حرف يحوي 80 في المئة من المساحة الفارغة. في هذه المساحة، يدٌ تلوي رقبة. في هذا الفراغ، سائل المعنى المنوي.
عيون الجملة تبحلق فيَّ. آذان الأغنية تنهش سمعي. عينا الرجل الصغير تنظران من خلف النافذة بينما ينام هو في سريره.

* * *

بالإذن من ديفيد لينش


¶ مشهد أول
أقود سيارة على الأوتوستراد قرابة المغيب. السماء الرمادية بنفسجية، تزرقّ مع الشرايين، كعين امرأةٍ ضُربت منذ يومين. كعين امرأة أيضًا، تُطبق السماء عليَّ. أدرينالين محقون في نحلة. فجأة تتحول السيارات الأخرى على الأوتوستراد كلاباً ضخمة تعوي. أتحول أنا كلبة تركض في اتجاه أرضٍ لا تطالها سماء.

¶ مشهد ثانٍ
رجلان وامرأة في سيارة سوداء تعبر مسرعةً على المرفأ. تقفز السيارة في الماء. أحبّ لو أن فيلماً يبدأ هكذا. لو أن السائق ينظر إلى المرأة الجالسة في الخلف، ثمّ إلى الرجل بقربه ثمّ إلى الفراغ. لو أنه يبرم رأسه الصغير كعقرب ساعة الموت. أحبّ فيلماً يدور بكامله على نظرة الرجل الثاقبة التي ستأخذه إلى الصين وتعيده إلى السيارة مرورًا بسوريا ولبنان. النظرة نفسها لو ترتديها المرأة وهي تقود السيّارة واضعةً رأسَي الرجلَين مكان الضوءين الأماميين، لإنارة الطريق بشكل أفضل. أحبّ فيلماً يرسل فيه البحر نظرته الثاقبة فاغراً لاستقبال زائريه القادمين من لبنان.

¶ مشهد ثالث
كانت الساعة الثالثة فجراً حين أتوا. طبعوا أختاماً عنكبوتية على أيدينا وطلبوا منا التقدم نحو الجبل. بعد ثوانٍ، لاحظت أن الوشم بدأ يتسلل إلى كامل يدي واصلاً إلى المعصم والأصابع. امتزج الحبر بالدم ورقص الخليط في الشرايين على وقع خطواتي التي بدأت بالتباطؤ. ستصبحين بلا دم، قالت لي الفتاة التي بقربي. أظنّها أختي. لكن لا يمكنني أن أموت. إذ كيف أموت هكذا! ما إن اجتزنا أسراب الأسماك التي خاطت لنفسها أجنحة وزعانف، حتى فهمت أننا بدمنا سنوفر بحرًا جديدًا للحيوانات البحرية التي خسرت البحر بعدما مات من العطش.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard