غسان تويني في ذكراه الثانية... عن زمن الفراغ و"العصفورية الدستورية"

7 حزيران 2014 | 00:00

في الذكرى السنوية الثانية لرحيل غسان تويني تنشر "النهار" مجموعة مختارة من افتتاحياته في زمن الفراغ الرئاسي عام 2007 وصولا الى مشارف حقبة انتخاب الرئيس ميشال سليمان عام 2008 علَّ في استعادتها في زمن الفراغ العائد ما ينعش ثقافة وحقائق تكاد تندثر بعد غياب عملاقها.

عسكريّ للرئاسة... يخرجنا من "العصفورية" الدستورية؟

أخشى ما نخشاه أن تدخلنا العصفورية الدستورية التي خلّفها عهد الرئيس لحود الميمون باب تعديل المادة 49 من الدستور على نحو يجعل رئاسة الجمهورية رتبة عسكرية طبيعية تُمنح لكل قائد للجيش عند بلوغه أجل التقاعد... وأن يكرّس ذلك عسكريتارية "بريئة" تدوم ما دام القواد الذين لا يرتكبون هفوات تبعدهم عن موقع "حل المشكل" بعسكري كلما تعذّر الخيار بين المرشحين المدنيين!
هكذا إذذاك نلج، متأخرين ومن الباب الخلفي، دنيا الحكومات العسكرية التي دشنها حسني الزعيم في دمشق في أواخر الاربعينات من القرن العشرين، وصارت في دمشق ومعظم العواصم العربية المشرقية وصولا الى القاهرة، نهج حكم ينسجم مع النظرية الاميركية المستوحاة من بعض اختبارات الشرق الاقصى، والقائلة بأن الديمقراطية في العالم الثالث تعجز عن إقامة دول لها مناعة ضد الفساد، فتحتاج اذذاك الى حكم عسكري يوحّد المجتمع ويحميه من التقهقر!
وتتوالى الانقلابات العسكرية التي سرعان ما يرتدي الحكام الذين تنجب البزات المدنية، شأن ما فعل الرئيس العماد فؤاد شهاب الذي اختاره "تفاهم" أميركي – ناصري لحكم اللبنان الذي كانت تمزّقه "الحرب الاهلية" في نهاية عهد الرئيس شمعون، فجيء به كمسلك يوحّد بين الفريقين المتصارعين، الفريق الناصري – الاسلامي والفريق المسيحي المؤيد لمشروع أيزنهاور الاميركي.
ورغم الخيار الدولي – الاقليمي، وموافقة الرئيس شمعون عليه، لم ينتخب الرئيس شهاب بالإجماع، ولا حتى في الدورة الأولى نتيجة تمسك العميد ريمون إده بترشيحه "انقاذاً للديمقراطية"، وكذلك لم يتقيد رئيس الحكومة السيد سامي الصلح بقرار رئيس الجمهورية، فتغيّب وعددا من وزرائه عن جلسة الانتخاب.
وجدير بالذكر أن سيارة الرئيس الصلح استهدفتها نتيجة ذلك أول "سيارة مفخخة" لعلها كانت لا تزال إختبارية إذ اخطأت الهدف وأصابت سيارة مدنية للركاب ذهب بعضهم ضحية العدوان.
ومع أن الرئيس شهاب تمكّن من تأسيس تيار برلماني – شعبي فرض انتخاب الرئيس شارل حلو خلفاً له، إلا أنه لم يتمكن من "التجديد" بالعودة الى الرئاسة لأن تكتلاً برلمانياً تكوّن حول رئيس مجلس النواب السيد كامل الاسعد الذي أصرّ، رغم وجود أكثرية نيابية شبه مضمونة، على "استئناس" الرئيس شهاب قبل طرح مشروع التجديد له، فاضطر شهاب، في الساعة الاخيرة، الى إصدار بيان يعلن فيه عزوفه عن العودة الى الحكم، لأن حكم لبنان صار يحتاج الى "إصلاح النظام"... الذي لن يقدم عليه "تمسكاً منه بالكتاب..." أي... الدستور.
وهكذا انتصرت المعارضة وفرضت انتخاب سليمان فرنجية رئيساً بأكثرية صوت واحد. وكان أول ما أقدم عليه الرئيس فرنجية، فور تأليف حكومته الاولى، إحالة ضباط "الشعبة الثانية" على المحاكمة أمام المحكمة العسكرية بتهم تتناول تدخلهم في السياسة... وهو "النهج" الذي كان قد خلّفه الرئيس شهاب و"طبَّع" اللبنانيين على تقبّله، في وجه معارضة عنيفة لعسكرة الحكم.

ومع عهد فرنجية تغلّب اللبنانيون على التجربة العسكريتارية، رغم أن الرئيس شارل حلو كان قد أعدَّ، عند تقديمه استقالته، في منتصف عهده، مرسوماً بتعيين قائد الجيش آنذاك، العماد اميل بستاني رئيس الحكومة الانتقالية... مما ساعد على تكتل الأكثرية النيابية واجتماعها في منزل الرئيس حلو لحمله على الرجوع عن استقالته. وهكذا فعل، وكانت احدى أول خطواته بعد ذلك التحرر من الاجهزة العسكرية في القصر الجمهوري التي كانت قد فرضتها عليه "الشهابية"، بمختلف سلطاتها وتشعباتها!
غير أن "الشهابية" هذه استمرّت حاضرة في السياسة، وعادت الى الحكم بانتخاب الرئيس الياس سركيس (الذي كان قد فشل في معركة سليمان فرنجية). وكان ذلك الانتخاب على أمل أن يضع حداً للحرب (التي لن نسميها، كما يفعل كثيرون، أهلية). فلم يضع انتخابه، قبل نهاية ولاية الرئيس فرنجية بشهرين، حداً للحرب، ولا وضع تسلّمه الرئاسة عند انتهاء آخر يوم من ولاية فرنجية، حداً للقصف السوري لقصر بعبدا الذي دخله سركيس، بعد أداء اليمين أمام النواب الذين استحال انعقاد مجلسهم في بيروت، فانعقد في "شتورا بارك اوتيل"، في حماية الجيش السوري "المنتشر" في البقاع، نزولاً الى حدود جبل لبنان.

هذه الاستعادة التاريخية، لماذا؟
لنبرهن أن "النظرية العسكريتارية" لا يتقبّلها لبنان ولم تصلح لحكمه، لأن العهد الشهابي، رغم اقتران تاريخه بعدد من الاصلاحات المؤسساتية التي كانت قد اقترحتها "الجبهة الاشتراكية الوطنية" قبل قيامها بما سُمي "الانقلاب الابيض" الذي أطاح عهد الشيخ بشارة الخوري (رغم كونه العهد الاستقلالي، إلا أنه زوّر الانتخابات النيابية عام 1947 ليؤمِّن مجيء أكثرية نيابية تجدّد له).
وهكذا في عزّ موسم الانقلابات العسكرية العربية، جرى قلب عهد الشيخ بشارة باعلان المعارضة البرلمانية دعوة الى إضراب سلمي عام "يدوم حتى سقوط الطاغية"... فسقط الطاغية مستقيلاً بعدما عيّن حكومة انتقالية برئاسة قائد الجيش اللواء الأمير فؤاد شهاب الذي رفض إغراءات كثيرة للبقاء في السلطة بطرح نفسه على مجلس نواب كان يكون، في غالب الظن – والحسابات! - مستعداً لانتخابه، وبالاجماع. فلا الجنرال طرح نفسه، ولا فرض عليه المجلس القبول... بل دعت الحكومة الشهابية مجلس النواب الى الاجتماع خلال المدة الدستورية (وهذا ما لم يفعله الجنرال عون في الظرف المماثل عام 1988!!!) وانتخب المجلس "الخوري الاكثرية" زعيم المعارضة، كميل شمعون، للرئاسة بالاجماع بعدما انسحب له الزعيم المعارض الآخر حميد فرنجية نتيجة تحكيم برلماني بين الاثنين، كان يفترض أن يخلف فرنجية شمعون، لولا اصابته بوعكة صحية منعته من متابعة حياته السياسية. وثمة من يقول إن حمى الطموح الى التجديد راودت الرئيس شمعون، ولكن "حرب" 1958 منعته من ذلك، وجاء إذذاك الرئيس فؤاد شهاب كحلّ "إقليمي – دولي" نظراً الى ان الحرب كانت تلك أبعادها والدوافع!

... والآن؟
الآن الرئاسة في متناول قائد الجيش، اذا استقامت الامور البرلمانية وعادت العلاقات بين الأكثرية و"المعارضة" الى شيء من النمط الطبيعي، على الخط "التوافقي".
إلا أن الذي يهمنا تسجيله هنا هو أن العماد ميشال سليمان قد رُشِّح لتعذّر الاتفاق على اختيار مرشح "توافقي" من لائحة الموارنة التي اقترحها السيد البطريرك، بعدما ضغط عليه ثلاثة وزراء خارجية كاثوليك يمثلون الاتحاد الأوروبي (ومن ورائه - ؟ - أميركا).
فهو إذاً بديل عسكري من المرشح المدني المفقود، والمنتظر منه إذاً هو أن يوظف رصيده العسكري في "حكم مدني" كان مطلوباً ولم يتيسّر. وهو ما ينتظر "المدنيون" أن يكون ضمانة التفاف الشعب حوله لأن "المسألة الأمنية" التي أورثنا إياها وحذرنا من مخاطرها "السلف الصالح" هي الهاجس الأعظم لدى المواطن العادي، الثري قبل الفقير، وكلهم طالب اطمئنان وحقوق وعدالة.
تضاف الى ذلك المسألة الاقتصادية المالية التي ثمة أزمات تحاصرها، ولكن ثمة موارد وقدرات مادية ومعنوية، داخلية وعربية ودولية، تنتظر من يقيم لتحركها وتوظيفها وتشغيلها الاطار الضروري من الثقة بالنفس وبالوطن، فضلاً عن حاجتها الى حماية داخلية وخارجية، زائد الحماية من الفساد والمفسدين، وهو الهاجس في الحكم الديمقراطي الذي أدى في منطلق عصر الانقلابات إلى اللجوء الى العسكر ظناً أن الجسم العسكري فيه من المناعة ضد الفساد ما ليس مثله في الادارات المدنية.

... وأخيراً، أخيراً، هذا الحلم الذي لا نظنه مستحيل التحقيق، أن يحترم الرئيس الآتي من العسكر قواعد الحكم المدني وينفخ فيه حيوية جديدة مستمدة من النظامية والحرص على الاصول ودقة القيام بالواجب... وألا يقع، خصوصاً، فريسة استهواء "المخابراتية" له وهي المرض العضال الذي يدّعي حماية الحكم وفي النهاية هو الذي يفترسه ويحوّل الحريات المؤتمن عليها طغياناً مميتاً.
ولا نخال الجنرال سليمان في حاجة الى من يفلسف له ترجمة ذلك في الحياة السياسية التي نأمل ان يساعد على استقامة ديمقراطيتها، وذلك باعادتها الى قواعد الحوار القائم على احترام الآخر وعدم تحويل "العائلات الروحية" التي يتكوّن منها لبنان قبائل أقصى طموحها ضرب خيامها في الشارع والساحات العامة بدل سلوك سبل الحوار العقلاني في مجالس الحكم.

غسان تويني

                                                                                   * * * 

... والطبيعة الدستورية كذلك تكره الفراغ

هل يتذكّر فقهاؤنا الدستوريون – الزعماء بينهم وغير الزعماء – هذه القاعدة العلمية الأساس في دنيا الطبيعة: "ان الطبيعة تكره الفراغ؟".
وبالتالي أن شيئاً ما تنشئه هذه الطبيعة، من ذاتها أو من محيطها، لتملأ به الفراغ غير الطبيعي، وغالباً ما يكون ذلك "أمراً واقعاً" يصير بعد ملء الفراغ "الواقع الطبيعي" الجديد، مستحدثاً كان أم تلقائياً.
ويكون ذلك، حكماً، أمراً ثورياً يبدأ غير مستقر، الا انه يصير مع الزمن استقراراً جديداً...

ومن مراجعة تاريخ "الفراغ الدستوري" في أنظمة وقعت فيه، سواء كان ذلك نتيجة عوامل خارجية فرضت نفسها على الفراغ لأنها منه أقدر... أم نتيجة منطق واقعي ذاتي عضوي أو ديالكتيكي... من هذه المراجعة التاريخية التي ندعو الزعماء، أياً يكن الذين يتزعمون وأياً تكن "مراجعهم" العلمية، والحقوقية، وصولاً الى المحض سياسية، بل العسكرية... أو مراجع قرارهم والتقرير...
- من هذه المراجعة، نتبيّن ان ثمة نماذج ثلاثة لملء الفراغ، هي:
النموذج الخارجي: تدخل فريق يكره الفراغ أو يسوؤه أو له مصلحة في عدم انتظار امتلائه ذاتياً أو من قوة منافسة... فيحرّك هذا الفريق عدّته السياسية أو العسكرية ويقفز الى "أرض الدستور" الفارغة غالباً بغير حق – ويوجّه الحكم المريض بالسيطرة عليه او تسييره الى حيث هو يريد، مستعيناً حيث يتيسّر له الأمر، بفريق أو أفرقاء داخليين تلتقي مصلحتهم مع المصلحة الخارجية هذه.
النموذج الانقلابي أو الثوري: تحرّكه قوة داخلية يسوؤها الفراغ أو هي صارت تكرهه أو تكره استمراره، فتتسلّط على سائر الأفرقاء وتعلن تحوّلها سلطة جديدة تبتكر لنفسها شرعية مقْنعة ولو الى حد محدود وقادرة على ان تفرض القبول بها أو التسليم...
النموذج الحزبي: تحرّك القوة الداخلية الأقدر، فتفرض على سائر القوى التي أدى صراعها معها الى حصول "الفراغ الدستوري" وتملأ فراغ السلطة ذاتياً من غير ان تلغي حكماً الأفرقاء الأضعف، بل تفسح المجال لاستمرار وجودهم على ان يتكيّف هذا الوجود مع الأمر الواقع الجديد. وليس من المستحيل ان يتطور الأمر الواقع الجديد اذذاك "ديمقراطياً" بنشوء توازنات قوى تعيد الحكم الى لعبة التناوب على السلطة في مدى يقصر أو يطول تبعاً للواقع الدستوري المستحدث آنذاك.

في ضوء هذه النماذج الثلاثة ومتفرعاتها الممكنة أو المتغيّرات الناشئة عنها، ماذا يمكن ان ينتظر لبنان، ماذا يمكن ان يحصل؟
في المطلق، المصير الأسوأ هو تلاشي
الدولة في فراغها الدستوري... المكروه! ولأن "الطبيعة تكره الفراغ"، فالأرجح أن:
يقوم تدخل خارجي، أقليمي أو دولي، مستشرعاً بالمواثيق القائمة أو غير قابل لمشروعية ميثاقية ما...
و"بالعربي الفصيح" تتدخل سوريا، أو إيران، أو اسرائيل، أو الثلاث معاً بتوافق موضوعي قد تنشأ عنه حرب أو صراعات دونها، لكنها قابلة لأن تصبح حرباً اذا لم تتدخل جامعة الدول العربية التي هي المؤسسة الاقليمية المشروعة الوحيدة.
وفي مرتبة أرفع، اذا عجزت جامعة الدول العربية، أو نشأت "حال عنفية" تهدد الأمن الاقليمي أو الدولي، تتحرك الأمم المتحدة تلقائياً بموجب شرعتها، أو يقوم من يدعوها الى التحرّك (إما لبنانياً وإما عربياً وإما اقليمياً) فيصير لبنان في حال لها وصف قانوني قائم اسمه "الدولة العاجزة" – او "الفانية" – تخضع اذذاك لشكل من أشكال الوصاية التي تدوم الى ان تزول حال "الفراغ الدستوري" ويقوم مقامها نظام دستوري جديد قابل للدوام.
2) يصاب قائد الجيش بسأم بدأت نذره تلوح في أكثر من أفق، فيختار ألا يترك السأم يأكل لبنان شعباً ونظاماً واستقلالاً، ويعتبر ان الإجماع القائم عليه كمرشح "توافقي" فيه قدر كاف من التفويض يجعله مخوّلاً أن يعلن أن "الأمر صار الآن له" فيعلن نفسه رئيساً باسم التفويض الشعبي الضمني الذي يتمتع به ويولي نفسه الأحكام الدستورية، ثم يؤدي القسم الدستوري امام مجلس النواب، وباللباس المدني، ويدعو كل الأفرقاء الى الحوار معه والتشاور واياه على طريقة السير في حكم "توافقي" على قدر ما يمكن التوفيق بين الشروط والمطالب المطروحة من الاكثرية والمعارضة (أو المعارضات على حد سواء)، انما بتحصين النظام التوافقي هذا بالطبيعة "الثورية" ضد التدخل الخارجي، اقليمياً كان أم دولياً.
وينجح الحكم الجديد أو يفشل تبعاً لقيام تآلف شعبي مع نهجه الثوري الذي قد يكون موقتاً ويتجه تدريجاً صوب نظام ديمقراطي فيه عناصر الصحة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وقادر على استجماع اعتراف بشرعيته من الدول الاقليمية المعنية ومن المنظمات الدولية. وبديهي ان هذا الاعتراف بالشرعية مشروط بما تنصّ عليه القوانين الدولية المعمول بها من قدرة على فرض النظام الداخلي وتأمين حال مقبولة من السلام الاقليمي والدولي.
3) دون النموذج الثوري، ثمة نموذج انقلابي برلماني ممكن نظرياً: تغلّب اكثرية برلمانية مستحدثة على حال الدوران في حلقة الفراغ، فتنتخب المرشح التوافقي الحالي او أي مرشح توافقي محتمل سواه، بالاكثرية الاقتراعية الممكنة وتملأ "الفراغ الدستوري" بأمر واقع برلماني جديد ينطلق منه الرئيس العتيد، بعد موافقته على الأمر، في عملية اقامة حكم ديمقراطي شرط نجاحه أن تتآلف حوله حركة شعبية توّاقة الى الخروج من "الفراغ الدستوري"، بل من "العصفورية الدستورية" اياها!!!
والشرط الأساسي لنجاح هذه المحاولة هو الاعتراف بشرعية جديدة كالتي كان يجب توافرها للنموذج الثوري أي فرض النظام العام واقامة حال أمن وسلامدوليين.

هل القصد من هذا البحث النظري رسم خريطة أو خرائط طريق للخروج من مأزق الفراغ وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقايا النظام اللبناني، والديمقراطية والحريات وصولاً الى معاودة الرسالة اللبنانية باستقلال عن الانقضاض الخارجي المتربّص بنا؟
ربما... ولِمَ لا؟ ... انما من غير ان يتجاوز بحثنا هذا حدّ طرح الحوار، وألا تكون لنا فيه دعوة الى اعتماد أي من النماذج كمسلك نحرّض عليه أو لنا فيه تفضيل .
والبديل من ذلك ليس مجرد استمرار "الفراغ الدستوري"، في حاله الرتيبة المملة، بل الانتقال منه الى وضع "فوضوي" بل "عصفوري" انتحاري تجتمع فيه كل اخطار الخارج التي رسمنا، زائد البؤس الاقتصادي والنزاعات الطائفية المطلّة...
ثم الهجرة من وطن يصير مجرّد أرض سائبة للفراغ الذي يسكنه اذذاك أبداً، الى ان تزول الارض وما عليها من بقايا العمران والحيوان والمزروعات... كما في بعض تنبؤات العهد القديم (التوراة) عن البلاد التي يغضب عليها الرب الإله ويلعنها.

غسان تويني

                                                                                   * * *

هل المخرَج "انقلاب دستوري" ؟

ربما صار من المبتذل ان نكرر مقولة ميشال شيحا إن الحوار السياسي، كلما غاب عن مجلس النواب، نزل الى الشارع وحل العنف محل الكلمة!
ومع ذلك نرى ضرورة للتذكير بذلك، ولو بقليل – بقليل فقط! – من الامل في ان تكرار المقولة سيقنع متوسّلي العنف بالخروج من الشارع، و"المخيمات"، ونقل "حوارهم" الى مجلس النواب.
نقولها ونكررها فقط للاثبات... ولشيء من الشماتة، بالذين لم يستجيبوا الدعوات الى الحوار، من الرئيس بري وسواه (ونحن سنكرر ولا خجل، اننا كنا من اوائل المستجيبين... ولا نزال).
لا نزال، على قلة أملنا في ان الدعوات قد تستجاب الآن، ايا يكن المنادي.
إنما لا نرى بديلاً من المناداة من جديد، ومن دعوة الرئيس البري الى عدم الوقوع في فخ حنينه الى قيادة المعارضة والاقلاع بدوره عن الحوار.

سذاجة؟ ربما، ولكن ليس من بديل!
التهديد بأبواب الجحيم ليس حتما بديلاً.
ولا هو البديل أن نتوقف الى أن تستقيل الحكومة... وإذذاك ندخل معها في مسألة دستورية قد تكون مضحكة إلى حد المهزلة. المسألة: الى من تقدّم الحكومة استقالتها؟ ومن يقبلها، ومن يرفضها؟ ثم من يجري الاستشارات الدستورية، وأين، والمجلس مقفل أو "نصف مقفل"؟
هل تقدّم استقالتها إلى نفسها، باعتبارها تمارس صلاحيات رئاسة الجمهورية الشاغرة، أو بالاحرى "المشغّرة" ربما عمداً كي تقع في هذا المأزق الدستوري بالذات: تعميم الفراغ، فلا رئيس ولا مجلس يجتمع ولا حكومة، ولا من يقبل استقالتها ويفتي بمشروعية الاستقالة أو "شرعية" البقاء!!!

ثم، ثم... يبقى السؤال الأهم والتحرّك الثوري الذي حذّرنا منه لا "تنجيماً مغربياً" بل فقط بفعل قراءة منطق تزحلق الأحداث وتطوّرها...
هذا التحرّك الثوري الذي كان محتواه والهدف هو الحلول الاقتصادية – الاجتماعية – المالية... فهل السلاح والعنف، والعنف الأمني – المضاد الذي سيأتي ولا بدّ...
هل السلاح والعنف أو "العصيان المدني" ولو سلمياً و"مخيّماً" هو الطريق بل الوسيلة لحلّ الأزمة الاقتصادية – الاجتماعية – المالية التي ستتفاقم ولا بد؟

ربما كان المطلوب خطوات قد تعتبر غير ديمقراطية، إنما تبرّرها الحاجة إلى إنقاذ الديمقراطية ولو بشيء من الخروج عليها:
مثلاً ان يستمع أخيراً قائد الجيش – بصفته المرشح الوفاقي الذي جرى "تتويجه" بإجماع عربي ودولي لا سابق له – أن يستمع إلى ندائنا من أسابيع ويتوجّه، من دون جيشه وباللباس المدني، إلى قصر بعبدا ويعلن من هناك انه قبل الترشيح الاجماعي الوفاقي وهو يدعو رئيس المجلس إلى جمع النواب، من كل الأحزاب، وانتخابه والاستماع الى خطبته الرئاسية والشهادة على القسم الذي سيؤديه باحترام الدستور والقوانين و"حفظ الاستقلال" (المادة 50).
نعم، "حفظ الاستقلال"... حمايته من المستطيبين استشهاده، فقد كفانا شهداء وشرب دماء وتنشّق عبير البارود... وللذين سيقولون غداً ان هذا انقلاب، نقول ان الانقلاب هو "أن تقلب شيئاً موجوداً قائماً!"...
اما وان رئاسة الجمهورية غير موجودة الآن، وغير معترف بشرعية ممارسة الحكومة لها، فالانقلاب السلمي الذي ندعو العماد سليمان الى القيام به هو نقيض الانقلاب... إنه البناء بالذات، بل المحاولة "الشرعية" الدستورية الأخيرة للمحافظة على الجمهورية ورئاستها في وجه الذين يسيرون بنا، ومن أكثر من منطلق، سريعاً وتسرّعاً الى الفوضى، فالتقسيم، فحرب مذهبية به وأهلية يهددوننا بها، تتقاسم الأرض والسلطات!!
ذلك هو المخرج الوحيد، ولا نرى سواه.
وفي وسع الجيش الذي يحرس الآن الأمن، لا أكثر، أن يحرس (لا أكثر) الدستور الذي يجري إنقاذه بالرغم منه!

غسان تويني

                                                                

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard