مخالفة دستورية (شكلية) في نشر قانون الايجارات

6 حزيران 2014 | 00:25

لست في صدد التدخل في الأسباب الموجبة للطعن (كونها غير متوافرة بين يدي). ولأنني لا اريد استباق قرار المجلس الدستوري، لكنه استوقفتني طريقة نشر القانون في العدد 20 من الجريدة الرسمية، والتي تتضمن مخالفة دستورية مزدوجة – (بالشكل) - وعليه يقتضي ابداء الرأي الدستوري ووضعه في تصرف كل من يتعاطى القانون الدستوري. جاءت الصفحة الأولى من العدد المذكور كالآتي:
"قانون صادر بتاريخ 8\5\2014 قانون الايجارات
بما ان المادة 56 من الدستور تنص على أن يصدر رئيس الجمهورية القوانين التي تمت عليها الموافقة النهائية خلال شهر بعد احالتها الى الحكومة ويطلب نشرها. وبما ان المادة 57 من الدستور تنص على أنه في حال انقضاء المهلة دون اصدار القانون أو اعادته يعتبر القانون نافذاً حكماً ووجب نشره، وبما ان مجلس النواب أقرّ قانون الايجارات واحاله رئيس مجلس النواب الى الحكومة للنشر بتاريخ 8\4\2014. وبما ان مهلة الشهر المنصوص عليها في المادة 57 من الدستور تكون قد انقضت بتاريخ 7\5\2014. دون ان يصدر رئيس الجمهورية قانون الايجارات ودون أن يعيده الى مجلس النواب، لذلك وتنفيذاً لأحكام المادة 57 من الدستور يعتبر قانون الايجارات نافذاً حكماً ووجب نشره بتاريخ 8\5\2014.
أقرّ مجلس النواب وينشر القانون التالي نصّه..... [حيث لم يقترن النشر بتوقيع رئيس الجمهورية.]
بهذه الطريقة نشر قانون الايجارات، والتي شابتها مخالفة دستورية واضحة بالشكل، كيف ذلك؟ بالعودة الى نص قانون الموجبات والعقود نرى انه حدّد كيفية حسبان المهل كونها من النظام العام والتي لا يجوز مخالفتها. وعليه عندما يكون قانون الايجارات قد أحيل بتاريخ 8\4\2014 الى رئاسة الجمهورية للاصدار والنشر، يكون انتهاء مهلة الشهرالمنصوص عنها في الدستور هو9\5\2014، مما يعني ان النشر الحاصل في 8\5\2014 قد تمّ قبل انصرام مهلة الشهر،حيث لن أسأل من هو المسؤول عن هذا الخطأ الساطع في حسبان المهلة!! ففي هذه الحالة يعتبر نشر القانون مخالفاً للقواعد الدستورية التي تستوجب الاصدار ثمّ النشر. والاصدار مرحلة دستورية تسبق النشر،والتي أدخلت الى الدستور مع تعديل الطائف حيث ان المادتين 56 و57 لم يتطرقا في السابق سوى الى النشر. من هنا تتبدّى المخالفة الدستورية الشكلية الأولى بنشر هذا القانون، لأنه حصل قبل نهاية الشهر ومن دون اصدار، أي من دون توقيع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزير (أو الوزراء المختصين) على الاصدار. وعليه لا يمكن ان يتجاوز المجلس الدستوري هذه المخالفة الدستورية الشكلية،حيث يقتضي الابطال الفوري بالشكل، واذا شاءت الحكومة تبني القانون، فلتعمل على نشره الحكمي وفق الأصول، لكي يتسنى للمجلس الدستوري البحث في أسانيد الطعن في أساس النزاع. طالما ان مهلة التنفيذ تمتد لستة اشهر بعد النشر.
أمّا المخالفة الدستورية الشكلية الثانية والتي لا يجوز تجاوزها، فتتمحور على مسألة نشر القانون من دون توقيع رئيس الجمهورية – الذي كان لا يزال في منصبه بتاريخ 8\5\2014- لأن وجوبية النشر الحكمي وفق المادة 57(بالنسبة للقانون) من الدستور كونه أصبح نافذاً بعد انقضاء الشهر، لا تعني اطلاقاً ان ينشر القانون من دون توقيع الرئيس، لأن رئيس الجمهورية الذي أقسم بالمحافظة على الدستور من واجبه التقيد بنص الدستور، وعليه أن ينشر القانون بتوقيعه في الجريدة الرسمية، لأن طلب النشر صلاحية خاصة بالرئيس لا يشاركه فيها لا رئيس وزراء ولا أي وزير، اذ ينتهي دورهم مع الاصدار. النشر صلاحية ترتبط بالرئيس، ولهذا ألزمه الدستور بالنشر تحت طائلة انتهاك أحكام الدستور. وتعديل الطائف الذي أدخل وجوبية النشر في المادتين 56 (في ما يتعلق بالمراسيم والقرارات) و57 (في ما يتعلق بالقوانين)، لم يكن بوارد ازاحة الرئيس أو تجاوزه في عملية النشر، لأن النص الدستوري واضح "ويطلب نشرها" أي رئيس الجمهورية دون سواه. كما انه لا يمكن التعويل على سابقة التعاطي المشابه خلال أزمة الحكم في عهد الرئيس اميل لحود، وكيف ان مجلس الوزراء يومها قد نشر مراسيمه وقراراته من دون توقيع رئيس الجمهورية في حينه، لأن المخالفة الدستورية لا يمكن الاعتداد بها، واعتبارها سابقة يعوّل عليها. علينا ان نحترم الدستور ونطبقه وفق الأصول، وعليه ان كل نشر من دون توقيع رئيس الجمهورية، للقوانين أو المراسيم، أو من يتولى صلاحياته كما هي الحال الآن يعتبر مخالفاً للدستور بالشكل، حيث يقتضي من المجلس الدستوري ابطاله، لأن صلاحيات كل السلطات الدستورية يجب احترامها والسهر على عدم مخالفتها، وعلى دقة تطبيقها. تأسيساً على ذلك نقول ان نشر قانون الايجارات بالطريقة التي تمت فيها يشوبها مخالفة دستورية يقتضي التصدي لها لأن السكوت عنها انما يشكل سابقة خطيرة تطال احدى الصلاحيات المتبقية لرئيس الجمهورية. تاركين البحث في أساس الطعن الى المجلس الدستوري واجتهاده في هذا المجال.

استاذ في القانون الدستوري

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard