كتاب - "وشوم الضباب" للشاعر السوري تمام هنيدي كيف لأمٍّ أن تخيط لصغارها الأكفان أيضاً؟

3 حزيران 2014 | 01:02

يتساوى الألم، في “وشوم الضباب” (“دار المتوسط”)، المجموعة الشعرية الأولى للشاعر والصحافي السوري تمام هنيدي، بين المرء المُعذَّب بالرحيل عن وطنه، والوطن المُعذَّب بخسارة أبنائه. يتخلّى المكان عن كونه مشاعاً، ويغدو حميمياً الى حدّ الخراب. يهجره الشاعر ممارساً تجاه خرابه خيانة عظمى.
هنيدي المتخّذ من أسوج احتمالاً لاستراحة موقتة من آخرين هم ذاكرته، يضع القارئ أمام معضلة العلاقة بين الشعور والمكان، أو بين الإنفعال وموضع التعبير عنه خارج الذات المنفعلة. يهجر وطنه كمكان أعياه التحمّل، من دون أن يستطيع إزاء حشرجاته شيئاً. لا بل، إستجابة لغريزة البقاء، يلوح له صوت الحشرجة حدساً يجمِّل الهرب، ويأمر الهارب ألا ينظر الى الخلف خوفاً من أن تستدعيه كثافة المذبحة، وتسوّل له التريّث بذريعة النداء الوطني والواجب تجاه الأرض في المحَن.
فعْلُ المغادرة، يُحدِث في القصيدة إحساساً بضعف البشر. تدور الحرب طاحنة ما بين الخلاص الفردي المتمثّل في رفض ثنائية الجلّاد والضحية وتجسيد الرفض بالبعد التام من إطارها، والخلاص الجماعي المتمثّل في الموت في كل لحظة، الذي يستلزم، بالضرورة، الحضور على أرض المعركة. الذات بين الخلاصين المحتَملين، تحزم أمتعتها وترحل. تعزّي الرحيل بالآنية، واستحالة فرضية وجود المرء في الحيّز من دون الجسد. ذلك أنّ الشاعر، بقراره المغادرة، يحافظ على حياته للمستقبل. المستقبل بعد الضباب، إذ يحلو للنفس أنّ السماء قد تنجلي يوماً، ليعود أولاد الحرب للّعب بتسالي الطفولة بدل القذيفة.
مبررات "سلخ" الذات عن الوطن، نجدها في القصيدة ملحقة بضخّ هائل من الذنب والحسرة. يصبح وضع الشعر أمام أسئلة مصيرية، هرباً جديداً من إخفاق الأوطان في حماية أبنائها. هنيدي الذي يرفد بنهاية مجموعته بعض أوجاع التشظّي المتراكم في البقع حيث توجد الكائنات السورية، يمهّد في البداية (الجزء الأول من المجموعة كُتِب قبل الثورة) الى حتمية التحرّك سعياً الى الحرية: "عندما يخرج منك المكان، يعينك ضوء جديد عليك، لتكتب ضوءاً جديداً غريباً". لا بدّ من التوق الى ضوء، هو إما النجاة وإما الإحتراق حتى الموت. هكذا، الى حين يصبح الخيار شخصياً، مهما بلغ من اللؤم والبشاعة.
كأنّ القصيدة تخشى رميها بالتنكّر لواقعية الشوارع المدمَّرة، المسوَّرة بالاختناق المنبعث من الجوانب، حيث ترقد الجثّة المنتفخة الأعضاء، الفاقدة هويتها، والمتحولة مجرّد رقم. ويل الشاعر ويلان: هو المحدِّق في الموت والبعيد منه في آن واحد، يدرك فظاعته، بينما يبقى في منأى جسماني منها، تفصلهما المسافة من دون شرط منحه السعادة. حمْلُ الجسد على النجاة، بخيار إنقاذه من فجائية الموت، لا يفعل شيئاً تجاه الذات الصارخة المتألمة بشهقاتها. يخلّصه الرحيل من قلق المحافظة على البدن، من غير أن يجعله في معزل عن الفجيعة: "أسير وحيداً. مدن وشوارع في رأسي. بيتٌ. أمٌ... أخواتٌ. وشهيد. أشكال بيوت... صوت جموع. كتبٌ. وعشيقات أذكرهنّ فتبتسم الرجفة". ترجو القصيدة ألا يُساء فهمها، فتُحاكَم بإسقاطات جاهزة للصبّ على أبناء أوطان بلا خيارات. الداخل هو الوطن الحق، وكلّما عاد الشاعر الى باطنه استنبط منه إمكان عيش لائق، يردّه قدر بلاده الى الخارج المدوّي بصوت الرصاص. خرابنا الذاتي ليس أقلّ بؤساً من خراب موضوعي يمسي في كلّ مكان. "ليت الطفل لم يولد ليُقتَل"، تتحسّر قصيدةٌ كان شاعرها رأى صغاراً يلعبون بظلّهم، فيما أمّهم تخيط لهم ثوباً، فإذا بها، عن غير قصد، تخيط الأكفان أيضاً.

fatima.abdallah@annahar.com.lb
Twitter: @abdallah_fatima

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard