موسيقى - "مطر" السيّاب موسيقى عبدالله المصري وصوت أميمة الخليل سمفونية الوجع والتمرّد والحرية

3 حزيران 2014 | 01:02

كان على كلمات الشاعر العراقي بدر شاكر السياب أن تنتظر اثنين وخمسين عاماً، ليأتي من يلتقطها من أثير الذاكرة، ليس ليعيد قراءتها أو الاستماع إليها والتمعن في أبعاد مضامينها فحسب، بل ليبث في كلماتها الروح ويحييها من جديد.

"أنشودة المطر" التي كتبها السياب في العام 1962، وشكلت نموذجاً شعرياً حديثاً انسكبت فيه الكلمات والصور الشاعرية، استوحيت كلماتها من المطر وصوته وفعله المحيي في الأرض، في لعبة تصويرٍ لغوية تعكس "الجو" السياسي في العراق يومذاك، بأسلوبٍ يتجاوز الرقيّ والحلم بالتغيير. هذه الكلمات وقعت تحت رؤى المؤلف الموسيقي اللبناني الجنسية، العالمي الحضور، عبدالله المصري، الذي كان يبحث عن نصٍّ شعريّ يفي من خلال سكبه في الموسيقى، الوعد الذي قطعه لصاحبة الصوت المتألق حنجرةً وتاريخاً وقيمةً وحضوراً، الفنانة أميمة الخليل. وفي لحظة توهج، تلاقى إبداعان، والتحمت موسيقى الشعر الموغلة في صمت الحروف، برغبة اللحن في التعبير عن المكنونات، فانبعثت الحياة في الكلمات، وقد هطلت عليها زخات مطرٍ لطالما تاقت إليها.
الرمزية التي تسكن شعر السياب في "أنشودة المطر"- وهي أشبه بالرمزية المكشوفة التي تعلن عن ذاتها بذكاء، أو تواري مقصدها بخفر- تلقفتها مخيّلة عبد الله المصري الموسيقية، وقبلها ذاكرته، ومعهما واقعه، وقد وجد فيها ضالته. فهذا المؤلف لبناني المولد، وقد عايش منذ طفولته ما جنته الحرب عليه وعلى أبناء جيله من ويلات ومآسٍ لم يملك في مواجهتها سوى "غيتار" حمله على متن رنين أوتاره إلى عالمٍ يتجاوز البشاعة، عالمٍ ساحر، هانئ، حالم، مسالم، مزهر، يسوده الحب ولا شيء غير الحب، عالمٍ رسمته له أغاني الأخوين رحباني وصوت فيروز، وجسد فيه النزعة إلى الحرية لاحقاً الفنان مارسيل خليفة. لكن المصري جعل من هذا الإرث "الخميرة" التي أسست لفكره الموسيقي الخاص: موسيقى تنبض شباباً، لكنها تستند إلى عمق التجارب السابقة، وتغرف على الدوام من معين التراث اللبناني والعربي. موسيقى منفتحة، لكنها تتخطى حدود السائد، لتعود دوماً إلى الجذور الكلاسيكية التي تحيي ثمارها. موسيقى متمردة، لكنها لا تحمل معول هدم ما كان، بل تبني فوق مداميكه الصلبة مداميك يانعة تؤدي إلى المزيد من المعارج المتراقصة بخضرة، وتأخذك إلى المسالك التلحينية المتوهجة حيويةً. موسيقى رائدة وفوق- معاصرة، لكنها تبقى وفيةّ لجوهرها وقريبةً من متلقيها، فلا ترتسم نوتاتٍ تتقافز أو تتنافر كيفما كان، بحجة المعاصرة، وفي الوقت نفسه لا تجترّ ما في ذاكرة المتلقي، بحجة إرضائه، بل تقطف من هذا وذاك، لتصنع عصارتها الخاصة والفريدة وغير المسبوقة، ولتقدّم للمتلقي، العربي تحديداً، وجبةً موسيقية تنبع من ذاكرته الجماعية بالـتأكيد، لكنها في الوقت نفسه تحاكي المتلقي الكوني. هنا يكمن التحدّي ويتبدى الإبداع في الجمع بين الثقافات المختلفة والمتناقضة ربما، وفي نثر النغمات الموسيقية غير المأسورة بحدودٍ ثقافية أو أثنية، لتأتي النتيجة غير المسبقة التوقع. فالتأليف هنا لا يخضع لقالبٍ جاهز يتيح للسامع معرفة مسار اللحن، انطلاقاً من بدايته حتى الختام، بل ينطلق فكر المصري في آفاقٍ تلحينية رحبة، محسوبةٍ بعمق لتوائم الفكرة العامة والسياق الدرامي للنص، لكنها- وهنا الأهم- متحررة حتى المفاجأة في انطلاقتها وتحليقاتها صعوداً وهبوطاً، وبلوغها محطاتٍ غير مرسومة أو غير قائمة في المتوقع أصلاً، مع عدم رسوّها على ضفاف خاتمةٍ جاهزة، وإن فعلت، فللحظاتٍ تعود بعدها إلى الإيغال في فكرة الكاتب وما وراءها وبين سطورها، وفي انعتاق اللحن الذي يلاقي صوتاً قام بتحريره هو الآخر من أسر ذاكرتنا. فإذا بحنجرة أميمة الخليل آلة صوتٍ مسكون بالصفاء المطلق، تتدثر باللحن وتحلق به إلى بعدٍ جديد، فنعيش معها لحظات دائمة يتوحد فيها النص والصوت والموسيقى وبيانو رامي خليفة وفضاءات أوركسترا "كابيلا روسيا"، ليستحيل الكل قطرات مطر تتساقط تارةً في حزنٍ خريفي يشوبه الانتظار والقلق، وطوراً في غزارة شتاءٍ يروي تربة الروح المشتاقة بعد طول عطش، فتتراقص الحنجرة والموسيقى، وطوراً في إعصارٍ كأنما هو الثورة المرجوّة، تعبّر عنه حنجرة أميمة في صرخةٍ تبلغ مداها الأسمى. لكن الموسيقى تعيدها إلى حدود الواقع، فتستجيب على مضض، ونشعر بهذا حين يعود انهمار المطر خفيفاً، أو يتساقط رذاذاً أقرب إلى الندى في الربيع، يلثم أصابع البيانو برفق، بعدما كادت تتفجر أو تثور حتى التفكك.
لكن عبد الله المصري، المفطور على الفرح والحلم والتفاؤل، لا يغيّب الإحساس بالأمل في المسار التلحيني الذي وضعه لمؤلفه الموسيقي هذا، ملاقياً على الدوام نزعة الأمل الكامنة في كلمات السياب هذه، وهو الأمل الذي نستشعر به يأتي قبل النزوع اللحني إلى الثورة، فنحس بتصاعد إيقاع تساقط قطرات المطر، حتى انهماره غزيراً محيياً، كما بعد الانكسار للواقع، أو الحزن بسببه، فنشعر برذاذٍ خفيف الأثر، متباعد الزمن، لكنه دائم الحضور، يتلو فعل الإيمان بالآتي.
"مطر..." قصيد سمفوني؛ التأليف الموسيقي: للدكتور عبدالله المصري؛ النص لبدر شاكر السياب "انشودة المطر"، اداء: اميمة الخليل – سوبرانو شرقي، رامي خليفة- بيانو، اوركسترا وكورال "كابيلا روسيا" بقيادة فاليري بوليانسكي، اصدار شركة نغم وانتاج اميمة الخليل وشركة نغم 2014.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard