مجرّد عشاء! [1]

3 حزيران 2014 | 01:27

بين بيروت وبينها علاقة غامضة. كثيراً ما استمدت من المدينة قوة وصلابة وحتى جاذبية. لكن الليلة الوضع مختلف. أضواء المدينة تبهر قاطنيها، فيما قلبها هي يغرق في ظلام دامس. عادة، عندما يقترب موعد أي من لقاءاتها الغرامية، كانت تعيش اللحظة كمراهقة تختبر أولى مشاعر الحب. لكن الليلة الوضع مختلف. هو ليس موعداً غرامياً، ولا لقاء تعارف مع رجل قد يعجب بها... لكنه مجرّد عشاء مع أول رجل في حياتها. وهي مجبرة على تلبية الدعوة.
عند لقائك بها، يصعب أن تصدق أنها قطعت الثلاثين بسبع سنوات. كل شيء - لدى هذه المرأة - يبدو طفولياً: مظهرها، صوتها، وجهها الذي قضت وقتاً لتخفي أولى التجاعيد التي بدأت تظهر عليه... كانت تريد مقاومة الوقت، وقت عاكسها طيلة حياتها، حتى قررت أن تنتصر هي عليه.
حياتها لم تكن سهلة. كانت في الثامنة عندما تطلّق والداها. عاشت مع زوجة أب، لم تحبّها يوماً. كانت علاقتهما تحمل الكثير من الكره المتبادل والمبطّن. لطالما تمنّت أن يترك أبوها تلك المرأة. خسرت أمها، لكنها لم تكن تريد خسارة والدها ايضاً. أمنيتها لم تحقق. أحب الرجل زوجته الجديدة. سرعان ما أنجبت له بنتاً ثانية. احتكرت هي وابنتها كل حنانه. ومثل حكاية سندريلا، قضت صديقتنا ليالٍ طويلة وحيدة، فيما أبوها وزوجته وابنته الثانية يمضون ليلهم خارجاً. ذلك الواقع الفجّ، والنقص العاطفي الذي عاشته، دفعا بها إلى الزواج من رجل اعتقدته مناسباً لها. لم تعلم يوماً إذا كانت المشكلة في الزوج الذي لم يعطها الحنان الكافي، أو المشكلة لديها هي التي باتت متطلبة - زيادة عن اللزوم - في ما يتعلّق بالمشاعر. بعد سنتين تطلّقت. كانت حينها في بداية الثلاثين، فقررت أن تعطي نفسها فرصة مختلفة وتولد من جديد. أول ما اشتغلت عليه، كان علاقتها المضطربة بأبيها. غياب الام ترك فراغاً كبيراً، لكن الأب، الحاضر الغائب، بقي القصة كلها. وفي الوقت الذي كانت فيه أختها - غير الشقيقة - تنمو بشكل صحي مع والد يمدّها بالثقة ويرسم لها صورة صحيحة عن أنوثتها وعلاقتها بالرجل... كانت هي - الأخت الكبرى - تعيش مئة عقدة في هذا المجال. تزوجت بحثاً عن الصورة المفقودة لوالدها. تطلّقت لأنها لم تجدها. ثم قررت أن تشتغل على نفسها حتى تعيد تشكيل علاقة "طبيعيّة" أكثر مع والدها والرجال. مع الوقت، تحوّلت علاقتها به إلى لامبالاة. في الواقع، كانت تقنع نفسها بأنها لامبالية... دخلت الجامعة مجدداً. قررت التخصّص في الادب الانكليزي، حتى تتحرر من أي تبعية اقتصادية للأب. وهذا الأخير، كان بخيلاً جداً في عواطفه، لكنه كان كريماً في الماديّات ومحباً للحياة.
كل شيء بدأ يسير وفق ما رسمته، حتى الشهر الأخير. لا تعرف لماذا قرر والدها الانفصال عن زوجته الثانية. رجل سبعيني، عمّا يبحث اليوم حين يتخلى عن شريكة عمره؟ يا الله، كم تمنت أن تأتي هذه اللحظة قبل سنوات طويلة. لكن اليوم الوضع مختلف. لقد باتت امرأة ناضجة، لنقل إنها تحاول اكتساب صفة النضج، وما تمنته صغيرة بات كابوساً. والدها أصبح وحيداً. تذكرها فجأة. لم يعد أمامه غيرها اصلاً في المنزل. ولأنه ما زال قادراً على التحكّم بها، أجبرها على الخروج معه الليلة للعشاء... للبعض المسألة عادية، ولا تستوجب كل هذه الثورة الداخلية... للبعض المسألة عادية، ولكن ليس لامرأة تحلم كل ليلة أن تقتل صورة ذاك الأب، فيما هي ستتحول فجأة إلى شريكة السنوات المقبلة، أو ما تبقى منها!

التتمة في العدد المقبل

georges.moussa@annahar.com.lb
Twitter: @moussa_georges

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard