سليمان يطوي "حقبة الدوحة" على جَلَبة السلاح إنجازات تُسجّل له وإخفاقات تكشف عورات الطائف

24 نوار 2014 | 00:32

قصر بعبدا. (ابرهيم الطويل)

اليوم يطوي ميشال سليمان عهدا رئاسيا استمر 6 اعوام. يغدو "رئيسا سابقا" شذ عن قاعدة رؤساء كثر. نزل عن عرشه بصمت، غير حالم بالتمديد. تماما كما دخل الرئاسة بصمت، مدعوما بـ"توافق الدوحة". معه، يطوي لبنان حقبة اتفاق رعته قوى اقليمية ودولية ليتجه نحو "الفراغ" او الشغور، لا فرق. اللغة العربية "مطاطة"، لكن مفاعيلها واحدة. بكلمتين، يثبت اللبنانيون مجددا عجزهم عن لبننة الاستحقاق الرئاسي، استحقاقهم.

يمكن القول ان عهد ميشال سليمان شهد "ميشالين". "الاول الهادىء، حاضن المقاومة وراعيها بينما بدا "ميشال الثاني" في اشهره الاخيرة اكثر "مشاكسة". رفع الصوت ضد السلاح غير الشرعي. ركز على هيبة الدولة وحقها في اتخاذ قرارات الحرب والسلم. صال وجال دوليا. تعويضا لعرقلات داخلية هنا وغياب حكومي هناك.
اليوم، يعود ميشال سليمان الى مسقطه، عمشيت. "سينام" على انجازات حققها، ومعظمها خارجي - ديبلوماسي. وقد يندم على "اخفاقات"، سببها الاول دستوري. معها، تعود "عورات الطائف" الى الواجهة.
أدى الرئيس ميشال سليمان في النصف الاول من عهده دور الحكم. احتدم الصراع السياسي. فبدا اكثر انحيازا الى القيم والمبادىء عندما تعلق الامر بسيادة لبنان واستقلاله ومحاربة الفساد. وفي كتاب يلخص "مسيرة عهد" صدر في شباط الماضي، يتحدث مقربون من الرئيس عن مجموعة معوقات اعترضت مسيرة الدولة في النصف الاول من العهد. ابرزها استهلاك اكثر من 9 اشهر في تشكيل 3 حكومات متتالية، فبروز اشكاليات دستورية ضمن النظام لم تسمح للرئيس باتخاذ قرارات حاسمة، الى التجاذبات التي كانت قائمة ضمن الحكومة بفعل الانقسام السياسي. وعليه، استدعت التطورات حتى منتصف 2012، عملا قام به رئيس الجمهورية على ثلاثة مسارات: الاول تناول الحوار الوطني، وركز الثاني على تفعيل العمل الحكومي، وطاول الثالث توضيح الموقف اللبناني لدى الدول العربية. فأطلق لهذه الغاية، المرحلة الرابعة من الحوار وقام بجولة على عدد من دول الخليج داعيا الافرقاء الى التبصر وابقاء البلاد في منأى عن ارتدادات ما يحصل في الجوار السوري.
وفي اطار متابعته الوقائع، اتخذ مجموعة مواقف واجراءات هدفت الى تحقيق مصلحة لبنان. يأتي من ضمنها رفض التعديات العسكرية السورية على الاراضي اللبنانية، وطلب التدقيق في تصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين التي تحدثت عن وجود عناصر من الحرس الثوري الإيراني في لبنان، واستخدام صواريخ "حزب الله" في الصراع الإيراني – الاسرائيلي. وبذلك، رفض أي شراكة مع الجيش والقوى الشرعية التي لها حق حصري في حماية أمن الدولة، ودان عمليات الخطف وقطع الطرق التي رافقت توقيف لبنانيين في سوريا، وحض على إنشاء خلية عمل مشتركة بين الأجهزة الأمنية للتصدي لها.
وبعيد مراجعة لتجارب الحكم التي طبعت عهود الاستقلال المتعاقبة، استخلص سلسلة
دروس انطلق منها لتطبيق استراتيجيته التي طبعتها محاور رئيسية. أهمها، تأمين اعتماد "إعلان بعبدا" كوثيقة رسمية من وثائق الامم المتحدة، وتبنيه من الاتحاد ألاوروبي وجامعة الدول العربية، واطلاق "مجموعة الدعم الدولية من أجل لبنان" من منبر الامم المتحدة وبرعايتها. وقد انتهى الاجتماع إلى اعتماد خلاصات ركزت على تقديم مساعدة للبنان تتضمن دعم العملية السياسية بقيادته، ودعم الأمن والاستقرار وتمكين البلاد من القيام بواجبها الانساني حيال قضية النازحين السوريين، وإنجاز آلية متكاملة لتأمين متطلبات الجيش استنادا إلى هبة مالية قدمتها المملكة العربية السعودية بالتنسيق مع فرنسا.
وبحنكة، قاد الرئيس التوافق على سياسة خارجية تكرست في "اعلان بعبدا"، وجوهرها تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات إلاقليمية، ليستكملها بتقديم تصور كامل لاستراتيجية وطنية للدفاع تستفيد من القدرات الوطنية، بما في ذلك قدرات المقاومة ضمن إطار حفظ هيبة الدولة واحترام مبدأ حصرية السلاح.
داخليا، نجح في إدراج تشكيل "هيئة الإشراف على الانتخابات النيابية" بنداً أول في جدول أعمال مجلس الوزراء، وقدم مراجعة طعن بقانون التمديد الى مجلس النواب مرفقة بدعوة المجلس الدستوري الى اتخاذ قراره في شأنها. وتزامنا، أصرّ على تشكيل حكومة جديدة قبل الوصول إلى تاريخ بدء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد للبلاد.

الساحة الدولية
يكثر المحيطون بالرئيس من الحديث عن اعادة لبنان الى الساحة الدولية. اعادة تمثلت في تمسك لبنان بعلاقاته الوطيدة مع المجتمع الدولي. ومن هذا المنطلق، ركز على التزام بقرارات الامم المتحدة وفي مقدمها تلك المتعلقة بمهمة قوات حفظ السلام في الجنوب، والقرار المتعلق بالمحكمة الخاصة بلبنان.
وتكرست هذه المقاربة ايضا بالزيارة التاريخية للبابا بنيديكتوس الـ16 للبنان في ايلول 2012. زيارة أختار من خلالها الحبر الاعظم "بلد الرسالة" ليوقع الارشاد الرسولي مؤكدا دور لبنان الرائد في محيطه، مركزاً لحوار الحضارات وألاديان ونموذجاً للديموقراطية التوافقية.
وإيمانا منه بمأسسة العلاقات اللبنانية – السورية، تم الاتفاق بعيد المحادثات التي جمعت سليمان وبشار الاسد في آب 2008، على إقامة علاقات ديبلوماسية بين الجمهورية اللبنانية والجمهورية العربية السورية على مستوى السفراء، فيما اطلقت الخطوات الاولية لترسيم الحدود بين الدولتين. وتزامنا، انصبّت الجهود على ضمان انتخاب لبنان عضوا غير دائم في مجلس الامن بين 2011 – 2010. وترأس جلسة لمجلس الامن الدولي، مع تولي لبنان رئاسة المجلس للمرة الثانية طيلة ايلول. ومثل استقبال لبنان للامين العام للامم المتحدة بان كي مون في بعبدا حدثا، كلله كلامه المتكرر بالتمسك بـ"اليونيفيل" ودورها جنوبا.
في غضون ذلك، شكل اغتيال رئيس شعبة المعلومات في قوى الامن الداخلي اللواء وسام الحسن "شرارة" حركة مكثفة في اتجاه بعبدا. في طليعتها الزيارة السريعة التي حض بها الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند لبنان فالمفوضة العليا للشؤون الخارجية والأمن المشترك في الاتحاد ألاوروبي كاثرين آشتون. وكان سليمان، زار فرنسا مع انطلاق إدارة هولاند، وتركيا حيث بحث تطورات المحيط العربي وقضية المخطوفين وإيران، مشاركا في قمة حركة عدم الانحياز، والفاتيكان حيث شارك في منح الرتبة الكاردينالية للبطريرك مار بشارة بطرس الراعي. وتسلم في موسكو "جائزة المؤسسة الدولية لوحدة الشعوب الارثوذكسية".
وفي اطار دعم لبنان المتواصل للقضية الفلسطينية، دعم رئيس الجمهورية مطالبة فلسطين باكتساب صفة "دولة غير عضو مراقبة"، كما رعى لقاء ثلاثيا ضمه والملك عبد الله بن عبد العزيز والاسد في قصر بعبدا في تموز 2010، تعزيزا للوفاق الوطني والاستقرار الداخلي. وتطرق لقاؤه مع الرئيس الاميركي باراك اوباما الى المفاوضات التي تجري بين الاسرائيليين والفلسطينيين آملا في أن تكون خطوة في سياق المفاوضات الشاملة للتوصل إلى حل عادل وشامل في الشرق الاوسط.

rita.sfeir@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard