تحت الضوء - عندما يؤكد إنريكي فيلا ماتاس أن لا أسود في ألمانيا

20 نوار 2014 | 00:00

في رصيد إنريكي فيلا ماتاس كتاب عنوانه "مرض مونتانو" يتوزّع في خمسة أجزاء - شخصيات اقترضَت من البحث والذكريات وحكاية السفر والتخييل. في ذاك النص المتفردّ على نسق واضعه، استدعى الإسباني نظيره التأليفي الأرجنتيني بورخيس، متحدّثا عن المترجمين والباحثين والممثلين وحافظي المكتبات ناهيك بالسارقين ورماة الخناجر. في غاليري من الرسوم الكاريكاتورية عاين أخلاقيات التبعيّة الأدبية، ليصنّف نفسه في خانة الكتّاب المتطفلين، اولئك الذين كانوا دوما من ذوي الرتب الثانوية واعتادوا القول انهم يشعرون بالراحة "في الأماكن الواطئة". أغلب الظن أن فيلا ماتاس من هذا الصنف، ولهذا السبب قوبل منجزه بامتياز "فورمنتور" للآداب 2014 الذي كان مُنِح للمفارقة، في بداياته، لبورخيس أيضا.

تمهّل أفراد لجنة التحكيم في الجائزة الإسبانية الدولية عند مؤلفات فيلا ماتاس التي كذّبت الحديث عن انحلال أصاب السرد، ليبين الكاتب، بنتيجة ذلك، الممثل الأجدى للوعي المعاصر، على ما أضافوا. في "مرض مونتانو" عبّر الإسباني الحالم والمتقد في آن واحد، عن خشيته من احتمال انتهاء مسار الكتّاب عجائز وخطيرين أو وحوشا متيقّظة ومقوّسي الظهور وربما مدمني مخدرات وعازبين بلا ذريّة. أفصح عن قلقه ليتشبّث بمنجز متطلّب ويستمرّ سقيما سرمديا بالأدب في تجلياته الأرفع، وخفرا أمام موهبة لا يحفزها قسريا، بل ينتظر أن تأتيه ساعة يحلو لها وبلا دعوة ليشرّع أمامها أوراقه البيض.
في الآونة الأخيرة ينهمك فيلا ماتاس بالتسويق لكتابه الأحدث "لا تدعونا كاسيل للمنطق" (لدى دار "سايكس بارال" بالقشتالية) الذي يحلّ كإحتمال تأليفي إضافي ليجمع بين الإلتباس والحياة المعلّقة. في متناولنا نص يجزم صاحبه انه "تقرير روائي أو بحث روائي أو رواية، غير انه ليس تخييلا ذاتيا"، يواصل بدفع منه، استفهاما ضروريا عن أحوال الكاتب. ينطلق الإصدار من حال من الإبهام الملحّ الجميل، فنقرأ: "كلما زاد منسوب الريادة عند الكاتب، قلّ إمكان أن يصنّف على هذا النحو. لكن من يهتم لذلك فعلا؟ في الواقع ان جملتي ليست سوى "ماكغافين" ولا تمّت بصلة كبيرة إلى ما أنا في صدد اخباره، وإن كان جلّ ما سأقوله عن الدعوة التي تلقيتها للمجيء الى كاسيل، وعن رحلتي الى هذه المدينة، سيصبّ في الأمد الطويل، في الجملة الأولى. كما يعرف البعض، ومن أجل أن أشرح ما يعنيه مصطلح "ماكغافين"، من الأفضل لي الرجوع الى مشهد القطار. يسأل أحد المسافرين على متنه: "هل يسعُك ان تطلعني على محتوى هذا الطرد الموضوع في رفّ الأمتعة فوق رأسك؟". يردّ الثاني "آه، إنه "ماكغافين". يرغب الأول في معرفة ما قصده، فلا يلبث أن يشرح الثاني قائلا "ماكغافين" هي أداة لصيد الأسود في ألمانيا". يعلّق الأول "لكننا لا نجد أسوداً في ألمانيا". فيجيب الثاني "إذا انه ليس "ماكغافين"!
يريد الكاتب أن يدلّنا الى تعبير غير مألوف يحيلنا على مسائل متشعّبة في الحياة، أما أكثر تنويعاتها شهرة في رأيه، فأُلقي في مطلع "سايكو" للمخرج البريطاني هيتشكوك. في الدقائق الأولى، تقترف جانيت لي سرقة تتراءى على أهمية بالغة، في حين لا تلعب في المحصلة سوى دور هامشيّ في الحبكة التشويقية. لكن الجنحة تضطلع بدور محوري يتعلق باجتذاب انتباهنا إلى ما يجري على الشاشة خلال الجزء المتبقي من الشريط السينمائي.
في كل حال، تُقرّبنا رحلة "لا تدعونا كاسيل للمنطق"، من الفن. تجيء بنا الى أحد أمكنته، الى موعد "دوكومينتا" الذي يقام مرة كل خمسة أعوام، في مدينة كاسيل الألمانية. في الحكاية - الذريعة، يدعى فيلا ماتاس للحلول ضيفا، على هذه المناسبة الرياديّة للفن الحديث والمعاصر، حيث ينصرف الى أداء خارج على جميع الأعراف ويرتبط بالمجيء كل صباح الى أحد المطاعم الصينية ليكتب، وسط عجقة الناس. يتحوّل التمرين إلى تجهيز فني في ذاته، إلى تودد من عجلة ابتكار الفن المعاصر، ويدفع بالكاتب الى نبش أصول الأدب حتى. في بيان منح جائزة "فورمنتور" جرى الحديث عن الأناقة الأدبية التي دفعت بفيلا ماتاس الى عتبتها. غير انه جرى اهمال كاتب لم يكن يوما من المتنورين الزائفين المرتاحين لتبعية محددة، في تجليها كما في انحطاطها. تسنّى له ان يحترف التهكّم المرتفع النبرة في منطقة وسطية تجمع بين الأمل والشفقة. كان له أن أصدر كتاب "بارتلباي ورفاقه" وكتابا آخر محوريّا في تجربته، عنوانه "على نسق دبلن" أيضا، حيث استبقى ناشرا "نخبويّا" يُدعى صموئيل ريبا، انتمى الى المدرسة القديمة واهتم بالكلمات والموهبة الأدبية أكثر من اهتمامه بالتسويق والنجاح المالي، فلم يلبث أن وجد نفسه مُفلسا. في أحدث تجاربه الكتابيّة، يصرّ فيلا ماتاس على فهم معضلة مواجهة الحياة المعاصرة لقاطنيها، فيسأل عن فن معاصر يفتقر الى الفوضى وأزمة الأفكار. نقرأ عن كاتب راوده حلم قديم بأن يدعوه الفنانون الرياديون في أحد الأيام، للمجيء إلى كاسيل، ذلك انه عدّ نفسه أحدهم. ها هنا لقاء غريب حيث يُبدي الكاتب رغبة ملحة في أن يكون شخصا آخر، أما الخلاصة فجعل الإنصهار بين الحياة والأدب ترياقا لصعوبة العيش.
عند فيلا ماتاس، يصير الإلتباس بين الأنا الذاتية والأنا التخييلية مُحفزا لا مفرّ منه. في وسع الكاتب أن يتلوّن، أن يغدو أكثر من شخص وربما صلة مذهلة بين الأقدار المختلفة. يستطيع فيلا ماتاس ان يتبدّى كاتباً ملعوناً، لكنه في كل الأحوال مؤلِّف يسعى الى ممارسة نوع أدبي يتجاوز السيرة الذاتية، وهي، في المحصلة، التخييل الذاتي. يعي إنريكي فيلا ماتاس تماما انه لا يزال يحتاج إلى الكثير، فيكتب، بنتيجة ذلك، ما يعجز عنه أولئك المقتنعون بأنه لا ينقصهم إلاّ القليل.

roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard