ما لا يعرفه إلاّ القلائل عن بدايات شاعر "لن" 3 قصص مجهولة "بقلم أنسي لويس الحاج"

17 أيار 2014 | 00:00

حسناً فعل أنسي الحاج (1937 – 2014) عندما نشر دراسته عن شوبان وبيتهوفن وثلاثاً من قصصه القصيرة في مجلة "الأديب" خلال العام 1955، قبل أن تنشر مجلة "المجلة" البيروتية عنه في 15 شباط 1956 خبراً مفاده أن جعبة الأديب الناشئ ابن الثامنة عشرة تحتضن مخطوطة طويلة عريضة عن الموسيقى وفرسانها، ومجموعتين شعريتين أو بالأحرى ديوانين ضخمين، ومجموعة قصص قصيرة، وأخرى تعج بالمقالات المتمحورة على السيرة والنقد، إضافة الى ترجمته قصيدة "قلب هيالمار" للشاعر الفرنسي لوكونت دو ليل، ورسالته "التشجيعية" لصاحب "الأديب" ألبر اديب.

طبعاً، لم تطو مقالات "الأديب" و"الأحد" و"الحياة" و"المجلة" تماماً صفحة تشكيك القراء في قدرة طالب دون العشرين على كتابة تلك الكمية الهائلة من الدراسات والمقالات والقصص القصيرة، لكنها فتحت صفحة تشكيكية حول مقدرة الطالب على الكتابة النوعية الرفيعة سواء بالنسبة إلى اللغة الأدبية الجميلة، أو لجهة عمق المضمون والتمرد على المألوف. فقد امتزج إعجاب القراء بالتعجب حين قرأوا في أقصوصة "الدالية الشقراء" المنشورة في "الأديب" عدد آب 1955 عبارات اعتادوا على قراءتها في نتاج كبار القصاصين الخلاقين من مثل قول أنسي عن بطل قصته الفلاح أبو وهيب "وأضحى، وهو في أصيل حياته، رفيقاً لأرضه يتروق بصحبتها ويشرب من عينها ويريح خدّه على خدها الأسمر الطري، بل صارا صديقين شيخين أحلى ما يربطهما وثاق سرّي لا يفهمه إلاّ من أحب الارض حقاً"... أو تقويله لبطله تعليقاً على هجرة الفلاحين إلى العاصمة: "لهم المدينة ولي كرمي"... أو وصفه للحظات أبو وهيب المأسوية الاخيرة "وبغتة انطفأت الشمس وانتصب العجوز مذعوراً، فتوجه شعاع أخير بأكليل احمر، وهوى بلا أنة على الورق، ونام معه والعنب يتدلى فوق جبينه وعينيه... يد انطبقت على عنقود، وشفتان على حبة شقراء".
جمع أنسي في سير عمالقة الموسيقى بين المعلومة الدقيقة الطريفة والكلمة الأدبية الجميلة، فيقول عن شوبان وعلاقته بحبيبته جورج صاند "فكما أن شوبان كان امرأة بمظاهر رجل، كانت جورج صاند رجلاً بمظاهر امرأة، وكما أن شوبان مثال الموت، كانت جورج صاند مثال الحياة". ويضيف عن شوبان الموسيقي المريض: "وفي الوقت الذي خانته قواه، تملكت منه شرارة العبقرية في جنون خلاق".
في صيف 1955 مرت "الأديب" بأزمة كادت تصنّفها في لائحة الدوريات المحتجبة. فكتب أنسي لصاحبها رسالة نشرت في عدد تشرين الأول 1955، قال فيها عن المجلة وصاحبها: "هذه السفينة، سحبها الموج حتى فم الحوت. ما أقواه، لا أعرفه. لكن أعرف أن سفينته طوت ناب الوحش. قيل: خلصونا، محنة ومرقت. قلنا: اذا لطمت العاصفة دوحة من أرضنا، وقهرتها الدوحة، صار لنا وسط العواصف أعياد، ورقصنا نهلل".
يبقى سؤالان: أولهما عن سر تذييله مقالاته باسمه الكامل أي أنسي لويس الحاج، والثاني حول عدم نشره حرفاً واحداً من بواكيره في كتبه. طرحت السؤالين عليه في أحد لقاءاتي الدورية معه في جريدة "الأخبار" حيث كان ثالثنا المخرج الفنان أميل منعم، فأجاب عن السؤال الاول: "قسم كبير من كتاباتي الأولى وضعته في المدرسة. كنت في السابعة عشرة، وطموحي أن أنشر في كبرى المجلات الأدبية كـ"الأديب". استعنت باسم والدي كبطاقة توصية. كنت أرسل مقالاتي بالبريد معتمداً على اسمه كواسطة دعم. وأعتقد أن ذلك كان نوعاً من الانتهازية". جواباً عن السؤال الثاني اكتفى بالقول "علاقتي بنفسي تراوح بين حمى الدقة وهدوء الاستهتار".
وسرعان ما حذف أنسي اسم والده عن توقيعه عندما بدأ ينشر نتاجه في "النهار" عام 1956. لكنه عتّم بالكامل على بواكيره التي نوّه بها قلم تحرير "المجلة" ولولا بعض النصوص التي نشرها وقتذاك في "الأديب" وغيرها من دوريات بيروت في أواسط خمسينات القرن الماضي، لتعذر على دارسيه الإضاءة على الفصل الأول من سيرته الأدبية.

الدالية الشقراء (قصة من الجبل)

بقلم أنسي لويس الحاج

بين التخت والباب كرسي مخلع وطاولة عارية إلا من طاسة وقنديل وذباب يدندن ويحوم. المنزل العتيق برحه أهله إلى بيروت منذ الصباح ولن يعودوا حتى دغشة الغياب... وربما ليلاً.
في السرير عجوز أبيض السالفين معصوب الجبين، بخرقة مشرّبة شيئاً من ماء الزهر البارد يجفف بها حمّاه وكأنما يشدّ على صداع رأسه ليخنقه. تغطية الحفة كثيفة بالرغم من الحر الاحمر المتلبد في الحجرة الفارغة الدكناء... كفّاه تحت مؤخرة رأسه وعيناه على تلة عالية تبدو من الباب، هناك، على كرم من الدوالي فيها، تعشعش فيه العصافير ويشتهي عنبه جميع القرويين...
هو، أبو وهيب غرس هذا الكرم، دالية دالية، غرسه في شبابه، في أرض صيّرها والده مغلالاً وأوصاه بأن يكمل عمله بعد موته. هذه التربة أعطاها من كيانه دماً وحياة وسكب في تراب جِلالها عرقه بلا تمنين فأعطته خيراً وبركة. وعاش لها، مثلما يعيش العاشق لحبيبته في أول الحب، وعاشت به ومنه. ولكن الفرق بين عشقه وعشق إنسانين، أن حبّه دام، ودام متزايداً أبداً لا يعرف الفتور. وأضحى، وهو في أصيل حياته، رفيقاً لأرضه يتروّق بصحبتها ويشرب من عينها ويريح خدّه على خدها الأسمر الطري، بل صارا صديقين شيخين أحلى ما يربطهما وثاق سرّي لا يفهمه إلا من أحبّ الأرض حقاً.
وأبو وهيب ووالده المرحوم ممّن ارتقوا بالعمل والكد الى الرزق الميسور. فنحن عندنا في القرية، وفي أكثر القرى اللبنانية، طبقتان من الناس: واحدة من "الأشراف" أصحاب الدور القرميدية الضخمة وبيوت "العقد" والأرزاق العديدة والوظائف الأولى في المختارية والبلدية والقروية، وواحدة من "شركاء" يتسلمون أرزاق الميسورين ويعنون بأبقارهم وحميرهم وغلاّتهم ويسكنون الدور الواطئة ذات السقوف الخشبية، والتي لا "علية" لها! وعائلة أبي وهيب كانت في أول الأمر تعمل عند مختار الضيعة وتعنى بأرزاقه وبمواشيه.
ثم أتت الحرب الكونية الأولى وفتك الجوع والمرض بالناس عندنا، وكان نصيبها قوياً، في المنطقة الجنوبية حيث قرية أبي وهيب فأصاب التشرد معظم القرويين وأفقرت الحرب كثيرين من ميسوري القرية ممن اعتادوا العيشة الرفيهة فاقتضاهم الضيق إلى بيع بعض الأرزاق ثم كلّها. وكان والد أبي وهيب يدخر بعض المال ولم ترغمه الحرب على إنفاقه لأنه كان وعيلته معتادين فظاظة العيش فأصابه من هذه الأرزاق كرم المختار الذي عمل عنده زمناً. ولم يتشرد ذوو أبي وهيب أيام الحرب على الرغم من أنه هو تزوج في أثنائها وعيل، مما اضطره إلى العمل مع والده في الكرم وتجارة القماش.
ذلك أن هذه العائلة عُرفت بعنادها في مقاومة البؤس وبقدرتها على تحصيل المال وادخاره... هذا أول ما بدر لي كتفسير لبقاء أبي وهيب في القرية أيام الحرب، ولكنني فهمت في ما بعد، أنه لم يعدُ كونه تأويلاً ساذجاً!
... كنا رفيقين، يوم قصدناه النهار الأحد، أنا وحبيبي... رحنا نردّ زيارة ولديه لنا في بيروت، ونسأله عن أخبار الولد الثالث، وهيب، في أميركا، جبل الدخان المريض... نهارها، رأيت أن "أتفاصح" أمام الفتاة فأُريها أنني فهمان... أحنيتُ رأسي قليلاً وتبسمت ابتسامة كانت كلها لرفيقتي، وقلت:
عمي، لماذا لم تهرب مع جدي ومعظم أهالي القرية في الحرب عندما اكتسح الجوع أراضينا وانتشرت فيها الأمراض وداسها عسكر العدو هدّاماً لا يرحم؟
فأجابني بدهاء وهو يرنو إلى دواليه بفخر وفي عينيه بريق لم أفهم إذ ذاك مغزاه:
- بسيطة! افترِضْ أن لك حبيبة أبت أن تذعن لك في أمر... فما تفعل أنت حيال ممانعتها...؟
قلت ببساطة، وعيني تذوب في حلاوتها...:
- أحاول بجميع الوسائل ان أرغمها على موافقتي...
- معقول! وإذا كان طلبك في أن تصحبك إلى بلاد نائية تموت عندها أصداء القذائف وصور المشانق والهياكل العفنة... وإذا كانت حبيبتك هذه لا تقدر أن تقوم لتمشي، إذا كانت مقعدة! باردة، لا تتحرك!!!
وهنا، لم أفهم قصده، فرحت أنظر اليه مدهوشاً أنتظر منه إيضاحاً، فواصل كلامه قائلاً:
- لا تعجبا، يا عروسي، فمعشوقتي من هذا الطراز، الطراز الكسيج الأصم الأعمى. إنها جامدة، لكل من لا يرى الحياة إلا في الحركة، وهي خرساء أيضا، للذين لا يفهمون الكلام من خلال العطاء. انظر هناك، يا بني، حيث الدوالي تنتصب مثقلة بالعناقيد الشقراء، حيث الأرض الكسيحة هذه، وهذا الخير، فإن هناك يعيش حبيبي، ولخيره هناك مواليد...!
كنت قد سمعت عن هذا الرجل كثيراً، فمن قروي قائل إنه يتكلم كالحكماء وآخر إنه "فيلسوف" فعلاً، وآخر إنه لو قيِّض له وتعلّم في المدرسة لكان أضحى نابغة عظيماً! فحسبت أولا أن هذا كله لغط وإعجاب أبله، وبقيت في اعتقادي هذا إلى ذلك النهار، فصرت من بعده أكرر زياراتي إليه، وحدي، ألعب معه بالورق، والطاولة، والداما، ونأكل عنباً، ونتحدث. وطالما كنت أسمعه يردد "وجد الانسان لأمور ثلاثة: العمل، والحزن والفرح، ولا يمكنه أن يحيا إلا بها... إلا اذا كان معدم الشعور...".
ويقولون لك بعد ذلك، إذا شئت أن تتكلم عن القرية في شيء كن بسيطاً كأبنائها البسطاء، ساذجاً كعاداتهم وكلامهم! أنا لا أرى أين البلاهة في هذا الكلام لقروي شيخ. ولا أرى فيه سذاجة ولا قذفة حروف لا تعي عمقها... بل أعلم، ويعلم غيري معي من رفاقي، أن أستاذاً لنا في المدرسة يعلم أن رجلاً يدعى راسكين كان يقول هكذا، أو مثل ما قال أبو وهيب... فما أشبهك، أبا وهيب، بذلك العالم الانكليزي تخطّ يراعته ما يمليه دماغه ويقول قلبه ما تعلمك أرضك...!!
واليوم أبو وهيب مريض. تنتابه نوب قلبية تكاد في كل مرة أن تودي بحياته... وهو راضٍ بكل ذلك لأن ولديه اللذين يفارقانه ثلاثة فصول بكاملها، بجانبه يرعيانه ويسهران عليه. وهو راضٍ أيضاً لأن أرضه بعافية، لا تشكو العوز في شيء. لقد تعب في حرثها هذه السنة وأهرق من قواه فوق العادة كأنه خشي أن يكون هذا العام آخر أيامه مع الأرض الطيبة، والمعول المتين، والثورين، والسكة. والحجرة المظلمة هذه التي رضي بها دون الغرفتين الأنيقتين العاليتين، لا يقرفه شيء فيها، لأنه تعوّد العيشة تحت سقفها المنغمس في ظلمة الأوساخ والعتمة. كل ما يريد أن يهنأ ولداه وعائلتاهما، وأن يصيّفوا وينبسطوا ولا يعكر عليهم الباعوض نومههم أو تقرص الدبابير أطفالهم أو العقارب... ويريد أيضاً أن يدعه ولداه يشتغل في أرضه فما يزيحانه بإلحاحهما عليه بالنزول إلى المدينة وبيع الأراضي والبيت و... و... ولن ينسى، في سعادته هذه، الرسالة التي تأتيه مرة كل سنة، من وهيب التاجر الكبير، في البلاد البعيدة...

* * *

كفّاه تحت مؤخرة رأسه وعيناه على تلة هناك، على كرم من الدوالي فيها، يبعثر أنظاره على ما يمكنه أن يبصر من العريش ويوقفها ملياً على عريشة انفردت قليلاً عن أخواتها وبانت للعجوز جليةً، عنبها أشقر، وورقها اصطبغ قبل الأوان بأرجوان خفيف. ومن حين لآخر، ينتفخ صدره الأسمر فيصعّد زفرة كئيبة وتتدحرج دمعتان كبيرتان على خديه الأجعدين، وما يحس بهما حتى تصلا الى الشفتين فيشعر ببرودة لذيذة ويستمرئ طعماً ناعماً فيه نكهة مالحة خفيفة... ويمضي زمن، وتبقى الدمعتان وتبقى مسحة الكآبة.
وفجأةً علا محيّاه احمرار قوي وتشنجت عروق رقبته وارتجفت شفتاه فأفلت يديه عن رأسه وانتزع بعنف أغطيته... ماذا لو يزور الكرم؟ لقد خلا المنزل من الفضوليين فلن يراه أحد خارج السرير ولن يرغم على التزامه في أثناء غياب أهل الدار. ودمدم: "تباً لهم من ظالمين! أنا ما بي؟ صداع بسيط هو في طريق الزوال.
ومع هذا يريدون ألاّ أخرج!! والكرم والدوالي أبداً أمام ناظري تسمّرني وتغويني... لكن لا بأس، ذهبوا وهذا الأهم. لهم المدينة ولي كرمي، أريد أن أفعل به ما أشاء...".
كان يعلم أن جني العنب قد حان وأن ولديه وأحفاده سيقصدون هذا الأحد إلى سوق الضيعة ليبتاعوا سلات جديدة، أو يشترونها من المدينة، هذا المساء. اذاً فهو لن يرى عناقيده عن كثب إن لم يسارع الآن إليها. وأمامه ساعات فراغ... وهو يريد أن يبذل جهد الجبابرة ليصل إلى فوق، حدّ البيت، على التل الصغير فيعيش في اليقظة التي كانت تراوده دائماً في أحلامه المتشوقة...
وتسلل من التخت. فأحس بكل شيء يدور حوله، لكن الرغبة كانت أقوى من ضعفه البدني، فتمسك بالكرسي المخلّع حيث هجعت ثيابة السوداء وهجعت عليها الحفة من غبار. وارتداها بتعب. ثم تراءى له أن قواه تخونه وهو يفتش عن عصاه خلف الباب، لكنه ظل واقفاً ولم يهو، بل كان يتمايل كالسكران كلما حاول أن يخطو خطوة. وكانت رجلاه ترتعدان وقسمات وجهه بادياً عليها الشحوب والعياء، فما إن ظهر على الباب حتى بهر عينيه نور ساطع ما كان ليعهده، بل كاد يُمحى من ذاكرته بتاتاً في ظل الجدران المعتمة وفي السرير في أثناء الثلاثين يوماً التي قضاها فيه... ومشى نحو الخارج محرّكاً خطواته بطيئة. حرّك القدم اليمنى قليلاً وعينه على الأرض ثم تقدم بالأخرى رويداً رويداً، كالطفل الخائف يتمرن على المشي وفي نفسه شعور دفين مبهم بحدث ينتظره ويعرف أنه عظيم.
ولم يجد بداً من الجلوس على درجات المدخل فأحسّ بالشمس الباسمة تدغدغ رمشيه وتهدئ من روعه فيقوى على النهوض والمشي بخطى قصيرة كأنه يزحف. ومرّ بساحة الدار فأفزع الدجاج، ورغبة منه في ألاّ يلتقي أحداً شرع يسلك درباً وعراً طويلاً بينما كان بوسعه أن يصل إلى الكرم بممرّ قصير سهل العبور. وزوّدت حمّى رغبته عضلاته البالية بطاقة فائقة: أن يرى داليته المصطفاة، فذلك يؤهّله لأن يقهر الموت.
... وانتهى إلى آخر الممر فأجاز نصف الطريق. على الهضبة المجاورة، رأى قرويين يعملون. هؤلاء كلهم يعرفهم، ويعرف أيضا أنهم الآن ربما يفكرون به، برنّة معوله المفقودة، بالعتابا الحنونة التي كان يغنّيها مجروحة، حزينة، ضعيفة... فوق، رأى الصنوبرة الهرمة الحامل فأيقن أن الدالية لم تعد بعيدة! فتنفس الصعداء وبسم بسمة الفوز.
كانت قريته الجنوبية تمتد على أخضر ندي، صامتة، آمنة، تهجع... وتراءت لأبي وهيب تحت تأثير وهج شمس الخريف، سيقان الأشجار بين المنازل، تتهاوى أعناقها بخفة ثملة بعطر في الهواء يحبّه الشجر، وتحبّه الغابة، ويحبّه أبناء الأرض... وعن يمينه، على مدة نظر، كان جدول منقوش بوهج الذهب الباهت تتراقص عليه بطيئة غمامة مغناج. كل هذا رآه بسرعة خاطفة، فقد صعد نظره حيث الدالية الشقراء، قرب الشمس تماماً، عند الآلهة.
وشعر بخفة جديدة، برشاقة الشباب تعاوده، وأخذت يده اليمنى تشدّ على عصاه بعصبية غريبة واليد الأخرى ترتعش وتمتد عنيفة نحو المرمى القريب بينما ملأ قلبه الفرح وعلت ثغره ابتسامة قريرة. عندما صار على خطوات من العريشة هوى بغتة إلى الحضيض، ولم يحاول النهوض فبلغ إلى تحت دالتيه زحفاً على بطنه الضامر تارة وعلى ركبتيه ويديه طوراً. وبدأ يتنفس بسهولة وهو ممتدّ بين صفّين من جفنات العنب تدغدغ قلبه نفحة من سعادة لا توصف.
ولم يستند الى جذع العريشة خشية أن يرضّها. فأمرّ بيديه المرتعشتين على الأوراق المحمرة يتلمس بنشوة ما بعدها نشوة العناقيد المتدلية ثريات من ذهب، من فضة، من بلور، من عقيق، حقنت بالشفق الدامي ولون القمر وشعور الليل المسترسلة... سوداء، ويمر عليها بشفتيه المكتظتين، أو يكاد يمر، فيتحسسها بنفسه المتقطع الساخن ويعود فيمسح منها بحذر آثار رهج أو كبريت... وكان يتمتم كلمات بلهاء، بل كان يهذي هذيان المحموم المنازع وأمام عينيه قبل النهاية بثوان، حلة جميلة، فيها من الأمل لون ومن النشوة لون ومن الحب لون ومن الفوز لون!
... وبدأت الشمس الكبيرة تنام وراء المنحدرات مضفيةً على العنب حبّات ياقوت أحمر. في ظل الدالية الحلوة، الشقراء، في ظلها العطر الموشّى بخيوط صفراء، تمدد أبو وهيب...
كانت التربة الرطبة تلفظ شذى قوياً كعطر النبيذ الجديد، اللذيذ.
وكان أبو وهيب يسكر بهذا العطر. وألحّت عليه الرغبة في أن يتذوق من عنبه شيئاً، من مواليد عريشته الحبيبة التي رعاها بحياة وأحبّها من قلبه، وعشقها، لأن ابنه التاجر، وهيب ذلك، غرسها بيديه طفلاً، وأكل عنقودها الأول، يوم حملته يد عفريت وطارت به إلى بعيد... فأخذ يلتقط "الخصل" ويأكل.
وظنّ أنه ما زال في خريف صباه إلى أغنيات القطّافين وإلى جلبة العربات تنقل العنب المقطوف إلى المعصرة تحوّله نبيذاً يعتق ودبساً طيباً.
وبغتةً انطفأت الشمس وانتصب العجوز مذعوراً، فتوّجه شعاع أخير بإكليل أحمر، وهوى بلا أنة على الورق، ونام معه والعنب يتدلى فوق جبينه، وعينيه...
يد انطبقت على عنقود، وشفتان على حبة شقراء!
("الأديب"، آب 1955)

ساقط
ذلك المساء كانوا ثلاثة شبان: واحد مبتدئ بالتجارة، وطالب في مدرسة، وآخر داعس على عتبة الجامعة الكبرى. وكانوا يتحادثون في كل ما يخطر لهم من حوادث أثيرة إلى قضايا عائلية وعاطفية إلى ما ينتظرهم غداً عندما ينزلون إلى الدنيا بمسؤوليات ومهام وجبال من الهموم على المناكب.
فالأول، عادل، كان يقول إنه سيواصل دروسه سنة أخرى فقط فينصرف إلى التجارة ويعمل في شركة ما فيؤمّن مستقبله ومستقبل أخويه الصغيرين؛ فإن له أخاً يكبره يكاد دخله لا يفي بحاجاته الفردية... وهو ميّال إلى الانكليزية لأنها سهلة الادراك، كما يقول، معممة أكثر من سواها، ومتداولة كثيراً في أيامنا؛ وبكلمة، لأنها لغة تجارية من الطراز الأول. وهذا يهمه طبعاً لأنه متعلق بعمله.
أما الثاني، ناجي، فهو طالب في مقتبل العمر يهوى الكتابة بطبعه ويحلم بالشهرة الذائعة وبانتشار اسمه وتآليفه في كل صقع... وهو حاضر البديهة، ممشوق القامة، غريب الأطوار... وسأله أحد الإثنين عما ينوي فعله غداً، فأجاب:
- هذا ما لم افكر به بعد... ولا حاجة بي الآن اليه، فالأيام طويلة بيني وبين المسؤوليات، وهي تقلب كل شيء وتأتي كل ساعة بجديد.
إنه على حق. الأيام طويلة تحميه من الأعباء القاسية، وما زال طليقاً، لا زوجة تربط رقبته بقيد ولا عيلة تحني ظهره نفقاتها ومشاكلها... ما زال في كنف والديه ينعم بالدفء وبنسيانه مرارة الحياة.
كان الليل قد لوّح بعينيه على الشفق الأحمر، ودغدغ هدباه الشبابيك، وكانت تمر من حين الى آخر بالنافذة عندهم في المنزل، أزواج الوطاويط العشواء سريعة تكاد في رفيفها أن تضرب يد الرفيق الثالث، فؤاد، المدلاة الطويلة...
وسأله عادل:
- وأنت، غداً نتيجة امتحانك النهائي... ماذا في رأسك عن المستقبل؟
- لا شيء... صور محطمة، مهمشة.
- كيف! أما تنوي مواصلة عملك؟
- بلى...
- اذاً...؟
- لكن الجيوب يا عادل، الجيوب فارغة... أبي عنده خمسة أطفال يجب تعليمهم... وأنا الكبير. وغداً يُقال أبي من عمله... وأجرة البيت والكسوة، والمدرسة، والمصروف كله...؟ مستحيل!
- اذاً لن تكمل... حرام! قالها ناجي.
- لا تقس عليّ، أرجوك، اعرف أن هذا غير لائق بي. ولكن الحياة، هي، لا تعرف. سترى أنني لن أترك الثقافة، سأدرس الفلسفة وحدي، ثم أدرس ليسانس...
- ليسانس...؟
- ... في الأدب.
- هه!! وماذا تفيد؟
- قد أصبح صحافياً... أديباً. أو معلماً في مدرسة.
- وكيف قلت إن في رأسك صوراً محطمة عن الغد؟ إنك تعرف ما تريد وتسعى اليه.
- أعرف، أجل؛ إلا أن المستقبل لا يزال في دماغي. أخاف منه. لا يستقيم في مخيلتي. لا أدعه يستقيم. أحطمه كلما حاول.
- لماذا تخاف؟
وحدق به ناجي وهو يسأله. حدّق به بعينيه العميقتين السوداوين، يتحداه وكأنما يقول له "كفى تعظيماً لآرائك، تجعل من حياتك مأساة كي نجلّك، وأنت فارغ مدجل!".
كان فؤاد يفكر بذلك. فقد فهم النظرة هكذا، ولطالما رأى هذه الثقة في عيني ناجي خلال أحاديثهما... يحسبونه ممثلاً!!
- في حياتي عامل لا يخوّلني القيام بمسؤوليات ضخمة... في حياتي عقدة.
- دعنا من الألغاز! اذاً تحب الكتابة. أجل، نعلم ذلك. ولكن هل ستظل تكتب على الرغم من توسط الحال؟
- من الفقر، قل... أجل يا عادل، سأظل أكتب.
- وتكتب ماذا؟
- كل ما يريده قلبي ويثور به دمي.
دقيقة صمت.
ثم نظر إليه عادل وأخذ يصعد بنظره من رأس فؤاد إلى قدميه مدهوشاً، وقال:
- أما تأكل؟
- قليلاً، لماذا؟
- أراك نحيلاً جداً يا صاحبي. كل جيداً ولا تسهر. أما يقول لك والدك شيئاً عن كتاباتك؟
- ينهاني. وأعرف أنه على حق...
- اذاً لا تشغل فكرك بعد الآن بالكتابة. ما زلت فتى. وأنت كما تقول، مقدم على خوض الحياة. أمامك ذووك، ولإعانتهم تلزمك العافية والبدن الصحيح. لا ترهق جسمك كثيراً... أنا ابتدأت مثلك أكتب، ثم رأيت أن ذلك يلهيني عن دروسي، فخلّيت القلم... هذا أجدى... خصوصاً في مثل حالك.
- أنت حقاً قوي! أقولها لك صادقاً، فإما أن تكون مغرماً بالحرف عابراً، وإما أن تكون جبّار الإرادة الى هذا الحد، تدفع ما لا يجديك نفعاً، ولو آلمك ذلك، وتنظر الى الحياة واقعياً غير هيّاب.
- لا بل أنا الثاني. وسترى أني متى مكّنتُ أشغالي وصار لي معاش عال سأعود أكتب وأنشر وأهوى القلم.
- أحسدك!
- على مَ؟
لأنك تقدر أن تتخلص منها.
- منها...؟
- الكلمة...
- وأنت يا فؤاد... أنت تستطيع أيضاً! جرِّب...
- لا يا أخي. ما أكتبه يعيش في عروقي، يسهر معي الليالي، ويأكل خبزي القليل الناشف... أنا محشش.
- أوهام!
- أنا محشش، أقول لك. الأدب في دمي كريات بيضاء تأكل الحياة مني لأنير... إنه أفيون في أنفي... بغي ساحرة على ركبتي. أعبدها. تستنزف مني حمرة الخدين وتعطيني حمّى ترتجف في أعصاب الحروف، على أوراقي.
كانت عروق رقبته تنتفخ وعيناه تلمعان ببريق جنون والحمرة تعلو شفتيه الشهائين... كان يرتجف... وكان يخيّل لصديقيه أن الشعر في رأسه أيضاً يرتجف.
- إذا مرّ يوم وما كتبت، أختنق... أنا لست مغروراً، لا، اعلما ذلك. لكنني عاشق من دمي. وعشق الحرف مميت، للذين يفهمون الحرف نوراً في الطريق.
وقال ناجي:
- معك حق. وهذا ما أشعر به أنا احياناً. كأن فيّ شيئاً يجب إفراغه، وإلا ضاق صدري.
وأعقب عادل باهتمام:
- لكن يا فؤاد، صحتك لا يجوز إهمالها. أهو من دواعي الكتابة أيضاً أن يهدّ الانسان بدنه؟
- أنا أدفع ثمن الكلمة...
كانت الوطاويط ما تزال تلعب أمام نافذة الثلاثة، وعلى الشرف المجاورة أناس يضحكون ويأكلون بزراً ويتكلمون على الناس...
- أحب الوطاويط.
وسها فؤاد دقائق ثم نظر إلى رفيقيه فرآهما مطرقين:
- بماذا تفكران؟
- بالشوك، قال ناجي.
وقال عادل:
- بالمستقبل... دعنا نذهب الآن يا فؤاد، فلعل لديك عملاً نلهيك عنه.
- الى اللقاء.

* * *

يطلع الصباح على الناس بأفراح وأعياد وبهجات، والصباح في منزل فؤاد لم يطلع ذاك النهار بالضوء: كان تعباً، منهوكاً، مريضاً... والصباح ذلك، لم يكن في قبضته خير ولا في فمه ضحكة... كان عابساً، يحمل باليد مخرزاً لئيماً وباليد الأخرى أغلالاً من حديد.
ومشى إلى قلب فؤاد في سريره الضيق، يحمل له شؤماً، يقول له، "رسبت في الامتحان... ساقط!"
"ساقط... ساقط...".
لا، بل الساقطون من يخفقون مع نفوسهم في العراك مع نفوسهم، يحاولون قهر العوسجة فيها، ويرتدّون مقهورين.
"ساقط... ساقط...".
لا! لا، لست ساقطاً! أقول لكم في قلبي جمال عظيم ينتصر، أنا قوي قوي كشمشون، دعوني أشرح...
"عيب.. يا ذلك!".
أوغاد! هذه الحكاية، من قصّها؟ تضحكون من أنفسكم، ومن الناس أيضاً، وتجعلون من الأبله منارة، وتقولون من لا يهتدي به ساقطاً يكون ومخذولاً وناقصاً!
"لا تثر... انتهى كل شيء... ماذا سنقول لأصحابك... لعادل، وناجي، ورياض؟ كيف ستقف أمامها، هذي التي تعشقها بصمت، وتقول لها في أوراقك الصفراء، يا كافرة؟! وأمك... أبوك الطيب الحزين... إخوتك الصغار الذين كانوا البارحة يرنّمون انشودة فوزك؟ انتهى كل شيء... كل شيء...".

("الأديب"، تشرين الأول 1955)

الحفلة الأخيرة
بكت ليلتها حتى الشهيق وما عرفت النوم حتى وجه الصبح. كان يوسف، زوجها، قد ضربها عشية البارحة ونزل فيها لبطاً وركلاً ولكماً فأدمى وجهها وترك في ذراعيها وفخذيها وظهرها بقعه السوداء الواسعة... مثل كل مرة... عند كل سكرة ونرفزة... ينخبط دمه لأقل صدمة، لقشة كلام، فتجحظ عيناه، ويفوه بكلمات بلهاء مثل وجه أمه، ويضرب الكراسي ببعضها ويرميها أرضاً، فتكون مقدمة لضرب الزوجة، ومقدمة مهيجة مخيفة.
ليس يشكو ضيقاً في المادة. مهما قيل في سكناه بيتاً كالمقابر. فهو ملاّك قدير وموظف لا يقل دخله الشهري عن الست مئة ليرة. ومأكولهم كذلك، لا ريب في فخامته، وملبوسهم، بقدر الامكان، جيد، وبالنسبة لأهل الحي، فاخر فاخر.
إلا أنه هو، وقح... وقح و"مفتول".
ولم يكن ليثنيه عن عادته القبيحة المجرمة كون ابنته شابة جميلة، وبرسم الزواج أيضاً، وكونه أباً لثلاثة صبية كبيرهم بلغ منذ أسبوع السابعة عشرة وأضحى أطول من أبيه... ولا كذلك كون حماته تعيش معهم في البيت وتشهد بأمّ عينها استشهاد ابنتها بعد كل علقة سكر، ومعركة كراس.
يوسف هذا صنع نفسه بنفسه. والده عمار بسيط يقضي نصف وقته مريضاً. ضاقت يده أيام الحرب فأخذت زوجته تعمل عند الناس، غسالة، خبازة، مسّاحة، وتعمل كل شيء أحياناً، وتكون صالحة لكل عمل، في سبيل الأولاد الشبان الأربعة، الذين يضيرهم جداً أن يطلعوا بدون حرف. عوّدتهم على الكفاح الشخصي، والعمل الطويل، فنشأوا أربعتهم في كرامة وصمت الجيران، وتدبروا مستقبلهم بدون وسيط – كما تشهد الأم، وعينها دامعة – فهذا يعمل عند مهندس، وذاك يدير محل تجارة، وذاك صاحب مطعم، وذلك، يوسف، شبه "فنان" يعمل سكرتيراً لأحد أصحاب دور السينما.
لعل الخمرة عرفت طريقها إليه بسبب بيئته الماجنة في سوق العمل، المستهترة بالقيم، أو لعلها كسبته على اثر انفراده في المنزل، في ساعات الفراغ وهي كثيرة في عمله هذا، عندما كان يغيب في تأملات نائية صامتاً كئيباً غريباً، راعباً بسحنته القمراء وزجاج نظارتيه اللماع، لا أحد يمكنه التحدث معه، فيفهمه، ويناقشه، ويلذّه كلامه، إلا زوجة عبلة لا يعنيها من وجودها سوى أن تحبل وتعلك "وتصمد". فلم ير بداً أول الأمر من كأس بيرة، مع حبّتين فستق يقضي معها السهرة في فناء الدار... ثم صار الكأس قنينتين. والمازة صحون بندورة وبزورات وخيار... ثم صارت البيرة لا تكفيه... العرق، العرق وحده يكوي الكبد، ويلذّ، وينشي...
وكانت مراحل مع العرق، بطحات برمتها تموت عند نهاية كل أسبوع في سلة المطبخ. عقب ذلك سنة فتزاوج العرق والبيرة، تزاوج العقرب في رأسه والأفعى.
وزوجته، مريانا هذه، المنكودة الحظ، التي راح شؤمها يفزعها من بلادها سوريا، من باب توما الحي الضيق في دمشق، لتجيء الى هذا الجحيم تتعذب بدون ذنب – هي وأمها التي صارت أحطّ من خادمة، وجارية – بدون ذنب، أجل، اللهم إلا بلاهتها وفراغ دماغها مما يسلّي أمثال بعلها الكبير الدماغ، صارت بعد طول معاشرة منقولة كزوجها، وكزوجها أصبحت، هي المرأة العبلة الغشيمة، تحدثك في كل شيء وتقحم نفسها في كل مجلس تحضره فتروح تؤيد هذا وتشرح عن ذاك وهي تخنخن وتلكن وتهفت – خصوصاً في غياب يوسف وغياب عينه الساهرة الموجعة الآمرة – وعندما يكون زوجها في مجلس ما توافقه في كل شيء حتى ولو قال إنه منذ ساعة كاد يصبح رئيس دولة.
وتزورهم في البيت، أي وقت شئت، فلا تصدمك قلة تهذيب ولا تعود بخفّي حنين، مكسوفاً. لكن تشعر برهبة في الجو، بخوف دائم، بقلق قاتل، بضيق يقبض على العنق ويخنق. لا أحد يستطيع أن يتكلم بما يريد، أن ينشرح... الزوج بالمرصاد... عيناه تقدحان لؤماً في تحفزهما... الزوجة خائفة من هفوة تصدر عنها وتكون شؤومة... الأولاد مكبلون... الكلبة ساكتة، هاجعة، والبيت واطئ، مظلم... والصراصير فيه كثيرة... والكلام جواهر...
هذا في النهار. أما ليلاً، فنادراً ما يكون يوسف هادئاً. وعندما يأتي زوار ليلاً ويكون هو في حال مخجلة، تحاول مريانا وأمها بشتى الطرق أن تحافظا على اتزان السكران أو بإتيان شيء يفهم الزائر على اثره أن وجوده غير مرغوب فيه... واذا لم تنجح أية وسيلة من هذه، قبعت الزوجة في زاوية متوارية، خائرة تحت جبال من الخجل والخيبة والفضيحة، وهربت الحماة إلى المطبخ "تبرّ" وتصنع القهوة، وتقضي حياتها بين البابور والمزبلة و"لكن" الغسيل والممسحة، لكأنها بدورها ممسحة.
وليست هذه العيشة بأمر عادي. إنها لا تطاق. ولا يتحملها إلا الحمار والجمل العتيق المحنك. وهكذا مريانا، إنها دابّة من الطراز الأول، على الرغم من صغر أذنيها وصباحة محياها ودورة الثديين... تأكل القتلة في الليل، ويصبح النهار، فيلفاها طريحة حد زوجها، تضاجعه هذيانه وحمّاه... فكأن فيه جاذبية لا تقاوم... لا، بل فيها مستنقع لا يمتلئ، يجب إرواؤه دوماً وأبداً...
إلا أن الليلة غير ما هي في العادة... الليلة الماضية فوق الركل واللبط واللكم، أضاف يوسف ضرب العصا، عصا الخيزران السميكة، وطرح الزوجة أرضاً، وقعد عليها، وبدأ حملته الطويلة الشاقة اللذيذة.
- أمك... أبوك... بنت الفاجرين: أمك قحباء، أمك كلبة، حمارة، بغلة...
وأمها تنصت من وراء الباب، في المطبخ، وترجف كضياء الشمعة.
ولم يكن يوسف يشتم كثيراً قبل ذلك. كل ما كان يقول: دينك، حرامية، بنت الحرامية. اليوم تغيّرت الحال... أضاف إلى قائمة الشتائم سبّات غليظة معبرة... وتساءلت الحماة: ما عساه صنع الليلة وأثاره الى هذا الحد؟ لعله شرب فوق العادة... لعله سمع من "الخواجا" عبارات قاسية، فجاء يتشفى بمريانا، وبأمّ مريانا.
لا، ليس هذا...
لعب القمار... الليلة... حتى انبعجت جيوبه واصفرت... وما كان قبل يلعب البوكير ولا البكارا ولا الرامي... الليلة سقط في التجربة... كان قد قبض أجرة البيت: مئتين. فذهب مع الرفاق وظل معهم حتى نصف الليل. فعاد وحيداً، فارغاً، جيوبه منبعجة من الطفر.
وشرب، في نصف الليل، بطحة كاملة، ممزوجة بالبيرة. وسهر حتى الثانية، على بطن زوجته، ينزل ضرباً بالعصا، وبيده الزرقاء.
لم يكن يضرب عن لا وعي. كان ينتقم من شيء، من البلاهة، والتفاهة، والفراغ، الجاسمة كلها في المرأة تحته، في عينيها الواسعتين، وكلامها الأجوف البليد.
بكت ليلتها حتى وجه الصبح، وما نامت، على غير عادتها، فالآهات تتلو الآهات، والتفكير متواصل: "ماذا سيحل بي؟ هيه، يضربني؟! سنرى... وجهي، عدت لا أعرفه... يداي مكسورتان... ظهري أزرق، كله بقع. بطني ممعوس، مبعوج، سنرى!! هذه المرة، فيّ أو فيه...".
وتبكي... كأن دموعها ذلك الليل انغرفت من بحر... كأن شعورها فاض، ورهف، وأثبت وجوده بعد كبت، وبلاهة سنين بكاملها... كأن حجراً وقع في هوة رأسها وقلبها السحيقة.
من زمان والضيق ينتاب صدرها، فترتمي في التخت تصرخ ألماً، وتتمطى كالبهيمة... قال لها الطبيب إنه الربو... الزعل يضنيها ويجرّها الى الموت... وما نفع كلامه شيئاً. لم يجرّ إليها الموت غير يوسف، سكره، قماره، عربداته.
ستذهب إلى الطبيب، لا سيأتي هو إليها، وتدلّه على يوسف، وتخبره عنه. سيقول للبوليس فيقبض هذا على المجرم وتكون الخاتمة...
أجل...
وأفاق يوسف بغتة وآثار السكر على وجهه. وسألها لماذا تبكي. فلم تجب... فاقترب منها ليرى، ففهم كل شيء، فهم أنه وحش، ومجرم غير عادي، وجاموس...
ودنا منها أكثر فأكثر، متملقاً إياها حتى صار على حديد التخت... فأخذ يديها بيديه، وراح يكلمها. ومضى أسبوع، فشفيت مريانا أو كادت. وخلال ذلك نسيت أن لها زوجاً سكيراً يضربها بعد كل سكرة، ومعركة كراس، في كل ليلة، حتى يعميها.
إلى أن كان مساء... مساء فرح بهيج... فجاء يوسف واقتعد الكرسي في فناء الدار، وأمامه قنينتان، واحدة حمراء وواحدة بلا لون، وفرش الطاولة بصحون الخيار والبندورة والبزورات، متأهباً للحفلة، وقال لمريانا بنبرته الآمرة القاطعة:
- صار لنا زمان لم نعيّد... تعالي اجلسي يا امرأة!

("الأديب"، تشرين الثاني 1955)

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard