كتاب - "حلم سليمان" لجورجين أيوب بالفرنسية "هو" هنا تفصله عنهم فسحات الأراضي والبحار والحروب

16 نوار 2014 | 00:00

يصعب ألاّ يحيلنا نص يحمل عنوان "حلم سليمان" ومن حيث النسب الاسميّ في الأقل، الى لوحة على هوية شبه مطابقة، تعود إلى الفنان الإيطالي لوكا جيوردانو. والحال ان الرغبة في التماهي مع مضامين العمل الفني، واستكمالا مع مصدرها الأساسي، أي الحكاية التوراتية، لا تتوقّف عند هذا الحدّ بل تنسحب الى أبعد؛ يشي بها جعل شخصية محوريّة بهوية سليمان تتحكم بمفاصل السرد.

تخبر لوحة جيوردانو ان للعلامات الحُلمية قدرة تعبيرية مستعيدة حوارا، من العهد القديم، بين الله وسليمان، وفق الصيغة المتعارف عليها، في حين اشتغلت النظرية الفرويدية على الحلم أيضا، لترى فيه تعبيرا عن حاجات الفرد العميقة، تلك التي يعجز عن الإفصاح عنها مباشرة. وربما يجوز استيقاف قطع من هاتين المقاربتين، ها هنا.
نكتشف في "حلم سليمان"، جديد جورجين أيوب بالفرنسية لدى "منشورات تارابوست"، نصا يتقصّد عن سابق إصرار وترصّد، أن يضيع بين أحلام اليقظة وكوابيس المتخيّل، في جوار رجل في مسار ترحّل مقلق ودائم. تستبقيه الكاتبة عند عتبة السرد، منغمسا في صعود أحد الجبال تحت أشعة شمس حارقة حيث لا يحوّل نظره يُمنة أو يسرة. في لحظة أولى، السماء ملبّدة بالغيوم، وفي التالية لا تلبث أن تنطلق مياه السماء. في وسط مشهد طبيعي يكسوه شجر الصنوبر لا يتأخّر الرجل في أن يغفو، ليستعيد وعيه بعدذاك ويتذكّر ملاك الموت الذي زاره ليلا، قبل أن يروح يركض في الإتجاه المعاكس، نزولا، هذه المرة.
تقودنا ثلة من العلامات الى حاضنة السرد، ولا سيما يقظة سليمان المباغتة في سريره، في ساعة يختلط فيها النهار بالليل في أحد أيام تشرين الثاني من عام 1914، نراه شاحبا ومرهقا، بينما يملأ الرعب عينيه وتسود حوله أصوات خشنة وتأوّهات حيوان مجروح. لا نتأخّر لنفهم ان الفرار من سكنة الليل، ومن "المكان الذي شكّل غرفته المرتجلة"، سببه خشية تسلّلت الى بدنه والى لياليه التي بهت لونها، على خلفيّة إعلان الحرب في بلاده النائية قبل أربعة شهور؛ هو الذي أبعده الوهم من جبله، وأوصله الى أحد بلدان أميركا، غصباً عنه. تعبُر أيوب إلى القلق على مصير الباقين في البلاد، فتعاين سليمان الـ"هو" وقبالته الـ"هم". نقرأ: "بدءا من الآن، هم، هناك، من دون مساعدة، وهو هنا، تفصله عنهم فسحات المحيط والبحار والأراضي والدول والحرب!".
يتقدم النثر الى يوميات المهاجرين حيث إلزامات والتزامات وفروض. يتراءون مرغمين على العمل المضني في مطرح يصيرون فيه ناسا كمثل أصناف سيزيف، يتحدّثون عن مكان حاضر لم يكونوا يريدونه، وحيث يفعلون ما لا يروقهم. يتعزّز هذا الإقتناع بالقصاص الجماعي، صيغة من قبيل "كان بائعا متجوّلا. هاجر كمثل الكثيرين من مواطنيه. وكمثل الكثيرين من مواطنيه، صار بائعا متجولا". يلاحق النص حكاية الإنتقال العسير من المسقط الى بلاد الوهم. يتقرّب من رحلة سليمان البحرية المديدة وولادته الثانية المتعثرة بأوراق ثبوتية حديثة في نيويورك، والرحيل مجددا الى العالم الجديد. ان "حلم سليمان" حكاية المواجهة بين أولئك الذين أطلق عليهم في بلاد الإستقبال تعريف "توركو" (أي التركي) المقزّم. كلمة أفصحت، وفق أيوب، عن معاداة الأجانب العادية والعوز التام وغياب أي حقّ مدنيّ أيضا. والحال ان سليمان المنتمي الى "مقاطعة بعيدة" في السلطنة العثمانية، فقد مع اعلان الحرب في مطلع القرن العشرين، الحق في الإنتساب الى هوية "توركو" المستعارة حتى. بعدما صارت السلطنة العثمانية "المحتل والعدو"، بات من غادروها مهاجرين متروكين الى مصائرهم المرتبكة. أقفل باب المحيط أمامهم فغدوا بائسين في بقائهم، وعاجزين عن العودة، على السواء. ها هنا حكاية فردية تخصّ رجلا يتماهى مع نكبات بلاده، رجل من عمر نظام الحكم الذاتي في مسقطه تقريبا (بروتوكول 1861) أي منذ أكثر من نصف قرن، "شكّلت نهايته بالنسبة لسليمان علامة نهايته الشخصية". في النص تساؤل عن الحروب حيث الضحايا محددون سلفا: "أنظروا بدءا من موسى والى الحملات الصليبية وحروب نابوليون! هل رأيتم حربا واحدة استثنت الضعيف والفقير؟".
يتراوح النص بين الراهن المحبط والماضي المشذّب. في أمسيات حيث يجمع حوله زملاء الهجرة يرصد سليمان منمنمات الأمس. يستعيد ابن الجبل وابن الضيعة البهية، الشتاء القاسي وكأس الشاي وسقوف الطين المدعومة بجذوع السنديان ودود القز وصناعة الحرير، والصخرة والشجرة والكنيسة. يستعيد مفردات الفردوس. غير انه فردوس ناقص موشوم بـ"حرب بين الأشقاء" أدمت البلاد في أعقاب ولادته وشتّتت الجماعات الدينية. يدفع بنا السرد تارة الى طعم الهناء وطورا إلى مناخ من الهلع الدفين. وربما تكون هاتان الحالتان مرتكزي الرواية الباحثة في ارتطام المهاجرين بواقعهم المستجدّ المرير.
أعدّ سليمان لرحلته كأنه يعدّ لرحيله من الدنيا، فوقّع وصيته ووزّع ما يملكه وما ورثه. سليمان واحد من ناس الطبيعة الذين يورّطهم حلم الحضارة والسفر والحرية أحيانا. لكن للمنفى القدرة على طحن الأفكار المسبقة وعلى تجفيف "مصادر إلهام" سليمان الشاعر الشغوف بالكلمات، المهتم للصلات التي تنسج حبّ الكلمات. في صحبة ابنته المراهقة ماريا، بلغ أرضا غريبة تتحدّث لسانا لا ينطق بسوى بعض كلماته تخرج كأصوات غير مألوفة "تدَحرجت في حلقه كأنها أحجار".
تحاول رواية "حلم سليمان"، وفي أكثر من ركن، أن تستبقي الهجرة التي تجعل الحاضر معاقبا سلفا، ذلك انه بمثابة احتفاء بالماضي حكما. راهنٌ يستميت لإحياء الغابر. غير ان النص لا يصير وإن بمنّة من التفاصيل المعيشة الوفيرة، ملحمة الهجرة بالمعنى الفسيح.
يقفل السرد على حلم آخر، يخصّ الكتابة ترياقا لمداواة اللعنات، لقتل صور الأجساد المبتورة، لجعلها عقيمة بلا جدوى أو سلطان أو قدرة.

roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard