معرض - معرض استعادي لجميل ملاعب في "غاليري جانين ربيز" حياة تستحق العيش في قصر اللوحة الممتازة

14 أيار 2014 | 00:00

يقام في غاليري جانين ربيز – الروشة معرض استعادي، من 1980 إلى الآن، للفنان جميل ملاعب عنوانه "حياة تستحق العيش" يستمر إلى 7 حزيران. في الآن نفسه يصدر عن "الاوريان لو جور" والغاليري كتاب عنوانه "جميل ملاعب بقلم جوزف طراب" يتناول محفوراته ومنقوشاته على الخشب والملونة في غالبيتها مع اكثر من مئة صورة هي "نسخة الفنان" epreuve d’artiste للأصليات.

كُتب الكثير عن هذا الفنان الممتاز، وهو مر بتجارب كثيرة قبل ان يحط رحاله على مزيج من التجريد، يحتوي فسيفساء هندسية صغيرة ورائعة تدور في الرأس من دون ان تولد فيه مللا او ضجرا او ازعاجا. هي في تشكيلها الملون بخفة وبفرح لا تستنجد للتلاعب بكثافتها او رونقها، بل تركز جيدا على تكوين الرسم – النموذج او المنمنمات التي هي في الواقع تردادات لا تتعب ولا تبتعد عن مسارها المنضبط بصرامة.
الاعمال المعروضة في الغاليري تتباهى بخطوطها واشكالها وايحاءاتها وعناصرها وتصوراتها. لكأنها صفحات من عشرات القصص التي لا يمل جميل ملاعب من سردها.
كأنه يترك في نهاية كل واحدة منها ملاحظة افتراضية مفادها انه قد يعود اليها في ما بعد ليزودها ايقونات جديدة تمنحها روحا جديدة وقابلية للعيش طويلا وبكثير من الامل.
يعمل الفنان على ما يبدو بنفس طويل. ينقش او يحفر أو يلون. يروي شيئا ويدخل في اللعبة ويضيف فكرة ثم اخرى. يخيَّل اليَّ ان جدته او امه او زوجته او ابنته تدخل عليه، تسأله عما يفعل، فلا يردّ بالكلام بل باللون او بالنقش.
يُريها الفرح وقوس القزح والربيع او الخريف. ينخطف ملاعب، فينسى انها تراقب او تلاحظ. فهو يروي لذاته اولا، ولذلك لا ينزعج ولا يتوقف ولا ترفّ عينه ولا تتعب يده. هو المأخوذ او المسلوب الانتباه، لانه يتابع خفايا الإيقاعات في اسطورته التي ترافق حياة الناس الذين لا يهمل رسمهم بين وقت واخر كأنه الحكواتي الذي لا تجف قريحته.
من يرى تلك الاعمال يتذكر غالبية الاحداث المذكورة فيها. انها من يوميات الحياة الحلوة والمرة. انها الملابس للعيد وملابس للشغل، وتلك التي تزنر خصور الصبايا والإيشارب الذي يلقى على الرأس، اثناء العمل في المطبخ او في العجنة او غيرها من اعمال البيوت في الضيعة خاصة. الالوان فاقعة وتلتصق بذوق النسوة في القرى.
جميل ملاعب يحمل في ذهنه ومشاعره الوان القرية وكل ما يلازم ناسها في المناسبات الحلوة والمرة. هو لا ينسى الداخل، البيوت والأثاث، لان في المشهد الذي يحييه حياة مكتملة للناس، في عيشهم، وطقوسهم وعاداتهم.
مبهجةٌ تلك المنقوشات التزيينية التي تشكل القاعدة الخلفية للوجه او الجسد او الاداة او الالة او المواضيع المنوعة التي تلفت الرسام وتلهم عقله ويده. في هذه الرسوم، تحدد الاشكال المعادة اطارها المنسوج كأنه قطعة قماش غزتها الابرة والخيطان الزاهية لتقذفها الى الواجهة وتجعلها الموضوع الاساسي في القصة.
لا يسقط الفنان من اعماله هذه الكثير من العناصر من دون ان يذكرها او يجد لها المكان الذي يبرز حسناتها او جمالها او قبحها. لذلك نجد عجقة ما في المحفورة الواحدة كأنه يخاف الفراغ. لا يترك سنتيمترا فارغا بل يملأ كل المساحات بالصبغات المختلفة حتى ولو أبقى احيانا بعض الزيادات التي تثقل العمل وتوحي بالاختناق. غير ان هذا لا يزعج لان اغلب المعروضات مكثفة ومتناسقة ومتواطئة حتى الذوبان بعضها مع البعض الآخر، كأنها تتمات متلاحقة مفيدة ومقبولة بترحاب.
يحب ملاعب البشر والحيوانات الاليفة التي ترافقهم. يعرف جيدا مفردات الحياة القروية وينقلها الينا بمحبة. يريحنا ويدلنا على افضلها. يحاكي ذكرياتنا ان كنا من مواليد القرية وينبهنا انها قد تزول لانها تتفرنج. وها نحن ننتقل من مشهد او من صفحة في موسوعة تتضمن اكثر من تصور واكثر من ذكرى واكثر من استنساب في الخيارات الهندسية والبشرية والحيوانية والنباتية.
جميل ملاعب هو فعلا الرسام الحكواتي الامثل في كل ما يناسبه وما يلهمه وما يؤثره. وقد امضى ما يقارب 34 سنة في خطف ما يراه وما يعجبه وما يلفته، مخرجاً إياه من الواقع، مخلّداً إياه في الفنّ. ان النظر الى ما يعرض متعة يجب تجربتها.

laure.ghorayeb@annahar.com.lb

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard