قميصها الأسود (2)

13 أيار 2014 | 00:00

مرّ أسبوعان. حان موعد الخطوبة. كل شيء في السهرة أسطوري: المكان، الطعام، المدعوون الذين بدأوا يتوافدون... نخبة من المجتمع المخملي. شخصيات سياسية واعلامية وفنية واقتصادية. الكل هنا. حتى العروس (الحفيدة) كانت قد وصلت. الكل هنا. كل أفراد العائلة، ما عدا الجد والجدة. "حتى اللحظات الأخيرة، كانت تبدي تجاوباً كبيراً، فلمَ غيّرت رأيها إذاً؟"، سألت العروس والدها، وهي تتأمل أن تصل جدتها في أي لحظة، بعدما نجح زوجها (الجد) في فكّ الحداد الذي استمر 15 سنة... في تلك الليلة جثا أمام زوجته، طالباً منها أن تبدّل رأيها وتشارك عائلتها أول فرحة تعيشها مند اعوام. وجد في المناسبة فرصة، ليخرج أولاده من دوّامة حزن، تغرق المنزل كله. في داخله، كان يعلم أنها قد تستجيب لندائه، لكنه لم يكن يتوقع أن توافق على خلع ملابسها السوداء. نام وفي داخله بعض الهدوء المفقود منذ فاجعة موت أصغر أولاده. أما هي فلم تذق طعم النوم. لا أحد يستطيع تفسير ما اختلجها من تناقضات. كل فكرة كانت أشدّ إيلاماً من الأخرى: هل ستتمكن حقاً من "خيانة" ذكرى ابنها؟ ولكن، هو توفي... لماذا تريد قتل من بقي من العائلة، وخصوصاً أنها تعرف مدى تأثيرها على كل فرد فيها؟ ثم، ما ذنب حفيدتها لتعاني غصة في أولى تجاربها الحقيقية مع الحياة؟ اللعنة على هذه الحياة: لتعيش أشياء، أشياء كثيرة يجب أن تموت...
في اليومين التاليين، أظهرت لامبالاة تجاه الموضوع. بقيت غير مهتمة حتى جاءت حفيدتها. حين وضعتها تحت الامر الواقع، فتحت خزانتها. لم يكن هناك سوى اللون الأسود. لدقائق، شعرت الجدة أنها فعلاً عارية. للحظات، نامت الأم المفجوعة ونهضت مكانها امرأة - ولو في هذا العمر - تحاول لملمة ما تبقى فيها من أنثى، دفنتها في اليوم نفسه الذي دفنت فيه ابنها. هو ووري الثرى، وهي ودعت كل أحلامها وتطلعاتها وحتى رغباتها... فجأة عادت كل الرغبات وعاد معها طيف زوج، أهملته زيادة عن اللزوم. سارعت الحفيدة إلى إنقاذ الموقف. اتصلت بصديقة متخصصة بالموضة، تهتم عادة بإطلالة الفنانات والشخصيات العامة، والموعد بعد غد في أشهر دور أزياء البلد. بحماسة خفرة، ذهبت إلى الموعد. ذهبت بمفردها. لم تكن تريد أن تتشارك هذه اللحظات مع أحد. لم تكن تملك الجرأة ليشاركها بها أحد. بعد جولات عدة، وقع الاختيار أخيراً على فستان أحمر. كان على اختصاصية "اللوك" أن تبقى لثلاثة أيام، تحاول اقناعها به، وسط هواجسها الكثيرة: لون أحمر في هذه السن؟ لون أحمر لأم ما زالت تذرف دماً ودموعاً على ابنها؟ لون أحمر لسيدة تتشح بالسواد منذ دهر؟ وكل الأسئلة، كانت تقابلها إجابة واحدة: التغيير المطلوب لن يتحقق الاّ بتحوّل جذري.
لا تعلم كيف وافقت أخيراً. جاء يوم السهرة. على بساطته، كان استحقاقاً صعباً... للمرة الأولى، غيّرت تسريحة شعرها. وضعت ماكياجاً خفيفاً. كان زوجها ينتظرها في الطبقة السفلى. تأخرت. ناداها. لم تجب... صعد مسرعاً. دق باب الغرفة. سمع صوتها يرتجف. سألها عن سبب تأخرها، فطلبت خمس دقائق إضافية. كانت قد وصلت الى أول الدرج حين انهارت قواها. عادت سريعاً الى غرفتها. خلعت الفستان الذي كانت ترتديه ولبست فستاناً ثانياً بني اللون، كانت قد اشترته سراً في إحدى زيارات السوق. خرجت، أخذت نفساً عميقاً وهي تعترف بأن أشياء كثيرة يستحيل العودة إليها مهما فعلنا... بينها اللون الأحمر!

الجزء الأول عبر موقع النهار، باب "نهارك"

georges.moussa@annahar.com.lb
Twitter: @moussa_georges

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard