شعر - ماذا يصنع كلبٌ بالكلمات؟!

10 نوار 2014 | 00:00

لوحة لحسين ماضي.


أنديرا
وجهها الناحل
قاربٌ
استراح على جانبيه مجذافان
يصغيان إلى موجة
إلى مروحة سفينة بعيدة
إلى يد تمسك بخيشوم السمكة
وتعرضه في الشمس.
قاربٌ مغروس في الرمال
كشخصٍ يتأمل
كذكرى حسّيّة
تركت ملحها على الطلاء المقشور
كأغنيةٍ
بأوتار كمان ممزقة
- أنديرا
ينادي صوت
- أنديرا
ينادي آخرون على التلة.
للوحدة جوقة تردد المقطع الأخير من الكلمات
- أند... يرا
جوقة بحّارة في حانة
حانة في فيلم
فيلم تشاهده أنديرا الآن
وفي أذنيها صوت موجة من جهة ما.
* * *

يوم صرتُ أصلع
يوم تحسّستُ رأسي،
ووجدتُ أني أصلع،
كانت الوحدة
هي ما شعرتُ به،
كأني في مواجهة الله
بلا فكرةٍ عن نفسي
بلا ذكرى أمشّطها
بلا خيال
يتلبّد تحت المطر
لامعاً ووحشياً كعينَي العاشق
بلا رأسٍ ينحني
لتقلّمه المقصّات
تاركةً أيام براءته تسقط على بشكير أبيض
يوم تحسستُ رأسي
لم أعد بحاجة الى السجود
لأن الله كان هناك دائماً
صحراء
مستديرة وخاشعة
وكنت أحلم
كالأنبياء
أحلم بالدم... وبشعوب
تضرب هذه الفيافي
وتفجر العين المقدسة الوحيدة
وكلما مسحتُ رأسي
بكيتُ
كنبيٍّ مريض بالوحدة والانتقام
كمراهقٍ
رأى مستقبله يضيع
من دون يدٍ تربت على فروته
من دون شفةٍ تميل على أذنه
يوم تحسستُ رأسي
لم أستطع النطق
كانت جذور شعري تنبت إلى الداخل
وحين أغنّي
يبدو كأني غابة تختنق
والله على رأسي
سماء خرساء
بلا صديق.
* * *

جرسٌ نائم
كان عليه أن يكتب إليك
لكن لغته كانت وحيدة
حتى هو نفسه
لا يكاد يسمعها
أراد أن يصف
لكن عينيه
كانتا تريان الأشياء
أبعد كثيراً من أن تصل إليها كلمة
إلى درجة أنه تقريباً كان أعمى
حاول أن يمسك يدك، ويقول: هنا
لكنه كان يتساءل:
هل يعني ذلك
الشيء نفسه لكليكما
كان يتألم طبعاً
لأنه مشى كثيراً
من دون أن يعني هذا
أنه كان قادراً على الحركة
وكان سعيداً رغم هذا
مثل جرسٍ صافٍ
جرسٍ نائم في متحف
حيث كان جيرانه
كل ليلة
يضيئون نوافذهم
معذّبين بكل هذا الغناء.

* * *

آه يا بلادي
الأشجار
في شارع "استاذيو"
عصير الليمون في الساقين
والشمس
عشرون دراخمة على طبق.
وكنت صغيراً ويافعاً
بحيث أومئ في ابتسامة شجاعة:
ذي اكسيرو الينيكا كالا
(لا أعرف اليونانية بشكل حسن)
وأمضي بالانحناءة نفسها
علّمتني اليني كلمات
نسيتها طبعاً:
الرأس
الصدر،
الذراعين،
ثم ترفع تنورتها وتضحك،
وأنا مثل عصفورٍ يترنح،
عصفور
لطمه نسرٌ كبير
في علم بلادي.
آه يا بلادي.
....
أنام وسط عمّالٍ
يستيقظون مع الفجر
وفي المترو
أنصت الى عازف الأكورديون الضرير.
الشمس هنا أيضاً
حتى على باب المصنع
- ذنيخي ذوليا؟
(ألا يوجد عمل؟)
كنت سعيداً جداً
أربع سجائر
وزجاجة من الحليب
وأسأل اليني عن اسخيليوس
فتضحك،
ترفع تنورتها وتضحك،
وأنا مثل عصفورٍ يترنح
عصفور لطمه نسرٌ كبير
في علم بلادي
آه يا بلادي.
* * *

الكلمات
في أحلامها
يطاردونها دائماً برؤوس آخرين
ليلها كله
ويدها تتقلص
إلى جانبي
من دون أن أتمكن من الدخول
فأنا نفسي
أكون هناك أيضاً
ربما على هيئة كلب
يحاول أن يقنعها
أنه كان يوماً ما
شخصاً طبيعياً
ويؤكد لها ذلك
بقراءة أشعار
وحكايات
وهو ما يضاعف وحدتي
إلى جوارها
ويجعلني
طوال الليل
أفكر بلا كلمات
وأقول لنفسي:
ماذا يصنع كلب بالكلمات؟!
* * *

أغنية في الشارع
حاولْ مرةً واحدة
أن تغنّي
هناك... في أكثر الشوارع إظلاماً
ليس في البيت... أحذّرك
بل هناك
وعيناك
تبحثان عن الكلمات
حيث تندفع روحكَ إلى الأمام
تلقائياً
لا تغمضْ... أحذّرك
دعِ الليل
يأتي إليكَ كلّه
التحِمْ به
اضربْ بصوتك
كأنكَ في غابة
دعِ المنجل نفسه
يحرّر عنقكَ إلى الأبد
مَن أنتَ؟
لن تسأل أبداً
نزيف غصن يتكسر،
لازمة موسيقية
بعروق منتفخة
تبحث عن خلاصها
من التكرار
اضربْ... وتقدّمْ
كعاشقٍ استيقظ على خديعة
كرجلٍ مسؤول من الآن عن حياته.
كأغنيةٍ في شارع
أنتَ جمهورها الوحيد.

* * *
عذوبة
"من أين يبدآن؟"
لم يكن ذلك هو السؤال الصحيح
على الأقل لم يعد.
كانا قد بدآ بالفعل،
ولهذا توقفا خائفين،
توقفا طويلاً.
لم يكن هناك ما يقال.
نعم.
في الحبّ فقط،
يمكن أن يصبح العجز
نزيهاً وحقيقياً
ولا يعود الواحد قادراً على تحريك سبابته
كأن العالم كله يقف على طرفها.

* * *

هذه الجحيم
يدها على المقود
وقدمها تضغط على السرعة القصوى
ماذا عليَّ أن أفعل؟
أشير بيدي:
- هنا... أو هنا
حياتي تمرّ خاطفةً وراء النافذة
في اتجاهٍ عكسي.
أريد أن أتأكد من الوضع الصحيح للذكريات
أخلع حزام الأمان
وألتفت:
- ماذا عليَّ أن أفعل؟
....
عَرَقُنا على الرصيف يا ملاكي
من يستلّ لحمنا
من بين التواءات الحديد؟
من يفكّ الإطارات المحترقة
عن فكرة تريد أن تلمس الأرض؟
من يقرأ لنا عدّاد السرعة؟
لنعرف كم استغرقت شفاهنا في هذه الجحيم؟

* * *

عارية تماماً
عاريةً
مثل التعاسة،
كانت تتقلّب في النوم،
وتسأل:
"أيّ حلم عليَّ أن أختار؟"
كأن هذا ممكن أصلاً.
كأنها لا تدرك
أن حلماً تختاره
لن يكون أكثر أماناً أبداً.
وأن هذا بالذات
هو ما يبقيها عاريةً هكذا،
حتى حين تحاول أن تبدو طبيعية
حتى حينما تقول لأحدنا: صباح الخير،
أو: شكراً،
حتى حينما تقرر أمامنا أنها ستعيش وحيدة،
من دون أن تدرك
أننا جميعاً نعرف ذلك من البداية.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard