قميصها الأسود (1)

6 نوار 2014 | 00:00

الساعة السادسة صباحاً. كل شيء حتى الآن عادي. عادي جداً. التفاصيل ذاتها. الطقوس ذاتها. منذ ١٥ عاماً، حياتها تسير أصلاً وفق عادات محددة. لا شيء يتغيّر. تصحو عند السادسة. تحضّر بيدها الفطور لزوجها. تجتمع بمدبرة المنزل والطاهية للاتفاق على جدول النهار المتعلّق بشؤون المنزل ومائدتي الغداء والعشاء. تنزل الى الحديقة الخلفية لتقطف بعناية، مجموعة الورد ذاتها. ثم ترتدي قطع ملابسها السوداء من الخزانة. وتذهب لتمضي ساعة ونصف الساعة في المقبرة. هناك، تنظّف كل يوم الأرض. شتاء وصيفاً تضيء الشموع. تجلس، تناجي صورة الإبن، تخبره كل ما يحصل في أيامها الباهتة، ثم تبكي. دموعها لم تجف طيلة هذه السنوات. تخبره عن أبيه، عن أخوته الثلاثة، عن حياتهم، عن أولادهم... وعن قلبها الذي انفطر يوم وقع حادث السير المشؤوم، ولفظ صغير البيت أنفاسه الأخيرة، داخل سيارته المتفحّمة.

تفحّم قلبها. مرت بكل مراحل الصدمة النفسيّة. عاشت نكراناً عظيماً. سألت ربّها ألف مرة: لماذا أنا؟ عاشت استسلاماً مخيفاً. قررت أن توقف حياتها. أن تعيش في الظل. صحيح أن زوجها وأولادها يحتاجونها إلى جانبهم، ولكن ليس هناك حزن أكبر من حزن أم ثكلى. وجع مزمن؟ الكلمات، كل الأبجدية، لا تكفي لتوصيف مراراتها. كانت تكرر على مسمع المقرّبين: "ليتني خسرتُ أحد أعضاء جسمي ولم أخسر أحد أولادي. حينها، كنت رفضت جسدي لفترة ثم كنت عدت وتأقلمت مع الواقع الجديد. أنا الآن جثة تتنفس. جثة لا تملك القدرة على المقاومة، ولا القابلية على التكيّف مع الجحيم الذي اختبره على الأرض".
في طريقها إلى القبر، كانت تعلم أن هذا اليوم سينتهي باستحقاق صعب. حتى ولو كانت رمزيته صغيرة، لكنه يعني لها الكثير. مزيج متناقض من المشاعر يعتصر قلبها. هل تسرّعت في قرارها. هذا الخوف الداخلي، ماذا يعني؟ لا يهمها ما قد يقوله الناس. لا يهمها موقف الأقرباء. المسألة شخصية، تتعلق بها أولاً، ومن ثم بأفراد عائلتها... الأحياء منهم!
بعد أسبوع، خطوبة حفيدتها البكر. عمّها كان يحبها كثيراً. كان يكبرها بعشر سنوات فقط. كان متعلقاً بها. وهي تعرف أنه سيسعد لسعادتها أينما كان اليوم. بعد أسبوع، خطوبة حفيدتها البكر. إنها الفرحة الأولى التي تدخل المنزل منذ مدة طويلة، واليوم ستبلغ الجدة أسرتها بأنها لن تحضر الخطوبة. مساء، اجتمعت العائلة. أولادها الثلاثة، أحفادها، العروس، والجد. كانت صامتة طيلة الوقت. كانت قد أخبرتهم سابقاً بأنها ستطلعهم على مسألة مهمة. جاء وقت الكلام. أبلغت الجدة العائلة أنها لن تحضر السهرة. قدمت حجّتها بكلمات مدروسة: حبّها لحفيدتها لا يمكن وصفه، لكنها غير قادرة على الفرح، ولا تريد أن تفسد فرحة الآخرين. جنّ جنون العروس ووالدها وجدها. لم ينجح أحد في اقناعها. انتظر زوجها حتى رحل الجميع ودخلت غرفتهما لتنام. دخل وراءها. قال لها إن الفاجعة لقنتّهم (أي العائلة) دروساً كثيراً، أحدها أننا كي نعيش الحياة كما يجب، علينا أن نتقن فن المحاولات. رجاها أن تحاول النهوض مجدداً، أن تُنهض معها كل العائلة. رجاها أن تحضر المناسبة. أن تشرف على التحضيرات. أن تخلع قميصها الأسود. أن تختار فستاناً ملوّناً... رجاها أن تخلع الأسود. بكى. قال لها إن هذا المنزل يحتاج إلى نافذة، يدخل منها الهواء مجدداً. جثا على ركبتيه أمامها، طلب منها الاّ تقفل باب النافذة، أن تجعلهم يتنفسون من جديد... ثم ختم حديثه: "لن أنام قبل سماع جوابك"!

georges.moussa@annahar.com.lb
Twitter: @moussa_georges

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard