"الإقتصاد الجامع": من السياسة إلى السياسات!

1 أيار 2014 | 00:00

في هذه المرحلة المفصليَّة والمأزقيَّة من تاريخ لبنان المُعاصِر حيثُ أسئلة كيانيَّة، وهواجس بنيويَّة باتت تقُضُّ مضاجع اللُّبنانيين من دون استثناء، ثمَّة حاجة مُلِحَّة إلى مُقاربات جديدة في السِّياسة حتماً، بما يعني استنهاض الشرعيَّة بنَفَسٍ مؤسَّسي صُلْب، إنَّما بالأَولى أيضاً في السِّياسات الإقتصاديَّة – الإجتماعيَّة حيث همُّ النَّاس وأوجاعهم كما آمالهم.

قد تكُون في هذا السِّياق الإستعدادات القائمة لإنتخاباتِ رئاسة الجمهوريَّة كما الحركيَّة المطلبيَّة النَّقابيَّة المتنامية، ناهيك عن ارتباكات صُنَّاع القرار، وتحذيرات الهيئات الإقتصادية، وقد تكون في كُلِّ هذا السِّياق، مؤشرات توجُّهاتٍ شعبيَّةٍ جديدة باتت تَلُوحُ في الأفُق، بما يعني الإنتقال من سِجالات السِّياسة إلى هُمومِ السِّياسات العامَّة.
وليس المقصود أبداً هُنا استبعادُ ما يبقى كثيفاً في الخلافات العموديَّة والأفقية بين اللُّبنانيين، بقدْرِ استِلهامِ اللَّحظة الرَّاهنة للتأكيد على إمكان توحُّدِهم حول ما يعني حياتَهم اليوميَّة. وقد يكونُ هذا الاستلهام مفصلياً إنْ أسْنَدَ روحيَّتَهُ إلى فلسفةٍ جديدة في الرؤية الإقتصاديَّة – الإجتماعيَّة، عَنَيْتُ فلسفة " الإقتصاد الجامع" التي أطلقها "ملتقى التأثير المدني" منذ نحو عامين باقتناع من مؤسِّسيه وداعميه والملتفين حَوْلَهُ، ومنهم على الرَّحب والسِّعة ناقِدون بنَّاؤون. وكم بُتنا عطاشا لِسجالاتٍ في عُمقِ البُنى المجتمعيَّة تتنافَسُ في الشأن العامّ لما هُو الخير العامّ.
"ما هو الإقتصاد الجامع؟" سؤال بادرني به أحَدُ أصدقائي الإقتصاديين الخُبراء، ليستطرد من ثمَّ قائلاً: "ألا يكفينا نظريَّات عقيمة مغلفةً بشعارات جميلة فيما الحاجةُ إلى العَمَل هي الأكثر إلحاحاً؟ بالله عليكم أوقِفوا هذا النَّوع من الهُروب إلى الأمام".
عصبيَّة صديقي الحادَّة أرغمتني على إجابةٍ مقتضبة مُفادُها: "موافِقٌ على أنَّ نظرياتٍ جديدة لا تُجدي، وبات لِزاماً علينا التعمُّق في قُدرتنا على إنجاز ديناميَّة تغيير اقتصاديَّة – إجتماعيَّة فعليَّة تُحسِّن نوعيَّة حياة النَّاس". وبالاستناد إلى هذه الإجابة المقتضبة كان التَّصميم على فَتح النِّقاش الوطنيّ والعلميّ حَوْل ما يَفهَمُه "ملتقى التأثير المدني" بـ "الإقتصاد الجامع".
ليس "الإقتصاد الجامع" سِوى تعبيرٍ عن وجوب السَّعي المنهجيّ لِدفع اللُّبنانيين، كُلِّ اللُّبنانيين، إلى البحث في آليةٍ ذكيَّة وفعَّالة لتجاوز انقساماتهم العموديَّة والأفُقيَّة، والتي فيها كثيرٌ من الامتداداتِ الأبعد من لبنانيَّة، من خلال إعادة الإعتبار لما يعني تمتين تماسُكِهم المجتمعي على قاعدة ازدِهارِهم الإقتصاديّ. ولَيس في إعادة الإعتبار هذه أيُّ انتقاصٍ من مسلَّمة الانتماء للبنان وطناً نهائيَّاً لكُلِّ أبنائِه مع احترام التعدُّديَّة، بِقَدْرِ ما في ذلك من تطويرٍ لما يلتقون حَولَهُ من الجماليّ بالهويَّة، إلى العملانيّ بالتَّلاقي حَوْلَ مَشاريع نموذجيَّة يستعيدون فيها التَّوازُن بين القِطاع العامّ والقِطاع الخاصّ والمجتمع المدني في فِعْلِ شراكةٍ في المسؤوليَّة.
وإذا ما كان "الإقتصاد الجامع" في ما يهدُف إليهِ أوَّلاً عودةَ التَّوازن بين الدَّولةِ والرَّأي العامّ، على تعدُّد مكوِّنات كُلٍّ من هذين المحورين، فإنَّ ثاني أهدافِه تتلخَّص بالتأكيد على أنَّه آن أوان الإنتقال من السِّياسة إلى السِّياسات. والسِّياسات تُعنى بالاستجابة لحاجات النَّاس اليوميَّة كما تلك المستدامة. والسِّياسات تعني تخطيطاً وسُرعة تنفيذ وتكامُليَّة في الخُطط ناهيك عن إيجاد آليَّة رقابة من المجتمع المدني الواجب أن يخرُج من موقِع المتفرِّج، أو المتذمِّر، أو اليائس، ليدخل في مُبادرات بنَّاءة إيجابيَّة كما تبنَّي روحيَّة المُساءلة بمنأى عن المُهادنة والمُداهنة.
أمَّا ثالثُ أهداف "الإقتصاد الجامع" فيستند إلى إلحاح إطلاق الشَّراكة بين القِطاعين العامّ والخاصّ، بل أبعد من ذلك، وفي هذا يُريدُ "ملتقى التأثير المدني"، توسيع إطار هذه الشَّراكة لتشمَل المواطنين فنُمسي في هيكليَّة ثُلاثيَّة الطرف، على أن تأتي هذه الشَّراكة الثُّلاثيَّة بمعايير متوازنة في أساسها مَنْعُ الاحتكار، والتأكيد على نَمَط التَّنافسيَّة كما القُدرة على الاستثمار بنسَبٍ عادلة، ولِم لا، وهُنا بيتُ القَصيد، تحقيق مشاريع نموذجيَّة مناطقيَّة من ضمن مخطط وطني على قاعدة اللامركزيَّة الإداريَّة التي اقتراح القانون الأخير مؤهَّلٌ لاحتضانها.
ورابع أهداف "الإقتصاد الجامع" توحيدُ اللُّبنانيين حَوْلَ ما لا يستطيعُ تشتيتهم وبعثَرة قُدُراتهم وإخضاعهم لإستزلامات، وفي هذ الوحدة تكمُن إمكانيَّة التَّعاون بين صُنَّاع القرار والقِطاع الخاصّ والمجتمع المدني، إذ يُمسي التَّعاون مبنيَّاً على أساس المصلحة العامَّة المشتركة أكثر منه استغراقاً في تحسين مواقع النُّفوذ أو تكديس الثروات أو تقاطُع تناتُف الحِصص، وهُنا لمبادىء الشَّفافيَّة والحقّ بالاستحصال على المعلومات كما التوجُّه نحو القضاء المختص للمُحاسبة، الدَّور الأساس.
أمَّا خامِسُ الأهداف فيتلخَّصُ باستجماع طاقات الكفاءات الإبداعيَّة والعلميَّة والتقنيَّة والقانونيَّة والماليَّة والإداريَّة والرَّقابيَّة لِوضع خُططٍ كاملةٍ ومُتكاملة وتنفيذها وصيانتها ، إذ من المُلحِّ وَقْفُ هَدر هذه الطَّاقات بسبب غياب التَّخطيط الوطنيّ القصير والمتوسط والبعيد المدى، كما من الأكثر إلحاحاً استكمالُ وَصْلِ لبنان المُقيم والمُغترب، ليس على قاعدة الاستفادات الآنيَّة، بل على قاعدة ارتباطٍ بالهويَّة – الجُذور نعم، إنَّما الارتباط بالعَمَل المشترك القادِر على الدَّفع في اتجاه الاستقرار المجتمعي والازدهار الاقتصاديّ من خلال تحديد حُقول هذا العمل المشترك وتأطير أولوياته.
اما سادسُ أهداف "الإقتصاد الجامع" فمبنيٌّ على اقتناع شُركاء العقد الإجتماعي – الإقتصادي، إذ في تعبير "شركاء الإنتاج" على علميَّته بعضُ الالتباسٍ في مَفهوم العدالة الإجتماعيَّة، المبنيٌّ على اقتناع هؤلاء بأنَّه آن أوانُ إيقاف المواجهات التَّقليديَّة لتحصيل الحقوق أو فَرض الشُّروط في قِطاعات العمل والحماية الإجتماعيَّة، بل أنَّ "الإقتصاد الجامع" معنيٌّ بإستباقِ هذه المواجهات الحاصلة أو المُفترضة من خلال تقديم خيارات خَلْق فُرَص عملٍ لزيادة النمو، على أن تُرفد فُرَصُ العمل هذه بشبكة أمانٍ اجتماعيَّة قِوامها الأساس التَّربية والاستشفاء ونُظم التَّقاعد. للاقتصاد الجامع بما يَطرحُه من مُساواةٍ في الشَّراكة الثُّلاثيَّة الطرف، إمكان قونَنَة الحقوق ومأسَسَةُ الاستحصال عليها وتكريس الرَّقابة على منتهكيها، وهذا يقتضي الخروج من ديماغوجيَّات الإقتصادَين الليبرالي المتفلت من جهة، والتَّشاركي الكُليّ من جهة أخرى. "الإقتصاد الجامع" وَسَطٌ عادِل تعنيه الليبراليَّة بقدْر إبداعيَّتها، والتَّشارُكيَّة بقدر حمايتها النَّاس.
"الإقتصاد الجامع" ليس نظريَّة تُضافُ إلى نظريَّاتٍ إقتصاديَّة أخرى، بل ترجمه "ملتقى التأثير المدني" بمبادرة أولى وطنيَّة جامعة وهي الخُطَّة الخُماسيَّة لإدارة قِطاع المياه في لبنان، حيثُ المياهُ فيها حقٌّ وثروة لا سِلْعة أو استِباحة، عنيتُ "بلوغولد" عَسى نَفتح من خلالها نقاشاً وطنيَّاً ونبتعد عن انزلاقات المواجهة الهدَّامة لمصلحة الإنحياز للعلم والنَّزاهة!

المدير التنفيذي لـ"ملتقى التأثير المدني"

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard