موسيقى - أناستازيا يارتسيفا المحتشمة النارية أضرمت بقوسها أصوات شومان الجوّانية المايسترو ميشال خيرالله قاد الأوركسترا الفيلهارمونية إلى غلازونوف فاكتشفناه

مي منسى womansday

29 نيسان 2014 | 00:00

(حسن عسل)

أجمل ما في سهراتنا مع الأوركسترا الفيلهارمونية، الولائم التي تطيّب النفس وترتفع بنا إلى حيث الهناء والسكينة مهما اشتدت عواقب الحياة على هؤلاء المؤلّفين الذين بمآسيهم وتجاربهم الوجودية عمّروا المسكونة بالمعدن الذي لا ملمس له سوى معجزة بنيانه وارتقائه فوق قشور الدنيا النتنة.

في كنيسة القديس يوسف نلتقي أسبوعيا في هذه المعمودية لنغتسل معا بآيات مختارة من عباقرة الموسيقى، بعد أن تكون المطوية أفادتنا بمكوّنات هذه الوليمة، من مؤلّفات أليفة حينا، غريبة حينا آخر، يحلو بها الاكتشاف وتخزين مقادير جديدة في مكتبة الذاكرة الموسيقية.
المايسترو ميشال خيرالله الذي ألفناه كمانا رئيسيا في الأوركسترا، فيحل مكانه أوندين بريزيانو حين المنصة تدعوه لقيادة الأوركسترا، أتذكر أنه كلّمني الأسبوع الماضي وكان مستمعا بين المستمعين، عن ألكسندر غلازونوف، هذا الموسيقي الروسي شبه الضائع بين تشايكوفسكي وبروكوفييف، الذي سيقترح عملا له إلى جانب شومان وسيبيليوس فنكتشفه موسيقيا رومنطيقيا بين الرومنطيقيين الذين يضيئون بقصائدهم السمفونية أفراح الإنسانية وأحزانها.
من أين ابدأ إنطباعاتي المشحونة دوما بذلك الألم الذي تولّده الموسيقى فيّ؛ الألم اللذيذ الذي تتوق إليه النفس العطشى إلى الاكتمال؟ أمن سيبيليوس والبداية له وقصيدته "رومانس"، أم من كونشرتو لشيللو وأوركسترا لشومان ليكون الختام كما جاء في المطوية لغلازينوف، مقطوعات لأوركسترا تحت عنوان القرون الوسطى؟
هي أناستازيا يارتسيفا التي لم تغب عن البال، نستعيد حضورها الفيزيقي الجذاب أولا وكأن الشيللو هو الذي جاء إليها ليغل في حضنها ويستمتع بأصابعها المتزحلقة بأصالة ورهافة على أوتاره، تبثها قشعريرات من جنون شومان وعشقه المسجون في موسيقاه.
للكونشرتو مزاياه الضامة إلى الأوركسترا وقائدها، آلة ينفرد عليها عازفها في زف أجمل ما في نفس الكتابة الموسيقية من لواعج ومشاعر يبوح بها الموسيقي على سطور أوتاره أو ملامسه. هي أناستازيا يارتسيفا التي كانت في كونشرتو شومان، المتكلّمة بأصابعها على أوتار الشيللو باسم شومان، مسكونة في هذه الرسالة الحادة بمعانيها الدرامية، سيدّة في الانضباط الحسوي بين القوس والأصابع، تطوّع بهما حمم طبيعتها المفتونة بالصوت الجوّاني الذي يحاول شومان تركيزه في توافقات باهرة. العازفون من حولها قدموا لها بساطا أوركستراليا حلّقت به في هذه التحفة الرومنطيقية بأسلوب نقي، صافٍ، يكشف الغموض المتلطي خلف المنمنمات المسنونة بوحي عبقري.
بعد هذه اللحظات الشومانية عادت سيدة الفستان الأحمر الكاشف عن محاسنها، تطرب تقديرنا لمزاياها بسفر جميل إلى "بحيرة البجع" لتشايكوفسكي. السابحة في سحر هذه البحيرة كانت بجعة سوداء ترسم في كل حزة قوس مشهدا من هذه الكوريغرافيا الخالدة، تغري بها العين كما السمع. فشكرا لها.
كان لا بد أن نعود بعد هذه السكرة إلى أجواء البرنامج فنندمج بشاعرية سيبيليوس في "رومانس"، القصيدة الغنّاء التي كتب للكمان أن يرنّمها، هذه الالة التي رأى فيها سيبيليوس روح فنلندا، الأرض التي يستوحي منها موسيقاه. ولعل الدخول مع الأوركسترا في شاعرية سيبيليوس كمن يقف مستطلعا بالعين والأذن أمام لوحات إنطباعية، ترحل بالمشاهد إلى أماكن خيالية، مثيرة بألوانها الغمامية، الغامضة المصوغة بيد معلّم جبل المؤثرات العاطفية من وحي تقليد وطنه الشعبية.
ألكسندر غلازونوف كان في الختام مذاقا جديدا نكتشفه تحت راية مايسترو قادنا إلى هذا الموسيقي الروسي بدقة التفاصيل واقتصاد الحركة. معتدل على زاهد بعض الشيء، بأن ميشال خيرالله أكثر ارتباطا بجوهر المقطوعات المتتالية، من زخرفاتها الظاهرة.
غلازينوف فرد على بساط "القرون الوسطى" عنوان تحفته، أربع رؤى مما تخيّلته موسيقاه لما كانته أوروبا على سبيل المثال في تلك القرون.
من البريلود بدأت هذه الحياكة الخاصة بمؤلَف أكاديمي، متى عثر على محور مقطوعته مضى يطوّره ويبثه شكلا موحّدا وإيقاعا يرفل بألوان جذابة في تنقّلها من الكمانات إلى الهوبوا والكلارينيت. البريلود مسار غنائي لا بد أن ينفتح على آفاق أخرى، وهذا ما يعلنه الصمت الفاصل بين حركة وأخرى، إلى أن تنتقل عصا المايسترو إلى "سكيرزو" تحتدم فيها الوتريات، ملوّنة بتنويسات قاتمة، تنعيها الأوركسترا إيقاعا مأتميا رهيبا. إلى أن تتماهى المشاهد القاتمة في "سيريناد التروبادور"، حيث تغدو الأوركسترا التماماً على ميلوديا عاطفية وارفة، يدخل في أنغامها "الهارب" داعماً أغصانها الرقيقة. لعل رسالة هذا الموسيقي ينبلج فجرها في المقطوعة الرابعة "صليبيو القرون الوسطى" وتشرحها المطوية المضيئة على هذا المؤلّف المغمور، بأنها مأخوذة من نظرة التقاليد الأوروبية عن المحارب الصليبي كبطل مسيحي متغطرس، في موسيقى تستفز الغرور، لامعة بنمطها الكلاسيكي. فهل اكتشفنا في هذه الرباعية المشكّلة، ظاهرة موسيقية مخفية بين كبار موسيقيي روسيا في ذلك الوقت؟

may.menassa@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard