رئاسيات 2014 - الاستحقاق الرئاسي في الدستور: الفراغ خلل في الصيغة وصلاحيات رئيس الجمهورية لا تُعقد لغير ماروني

29 نيسان 2014 | 00:00

يفرد الدستور الفصل (أ) من الباب الثالث منه لانتخاب رئيس الجمهورية، اي تحديدا المواد 73 الى 75، وذلك في ترتيب مستغرب لهذه المواد من ضمن الباب الثالث المذكور، الذي يتضمن ايضا فصلين، يتعلق الاول منهما بتعديل الدستور، والثاني بأعمال مجلس النواب، في حين ان لا رابط بين هذه المسائل الدستورية، وانه كان من المناسب ان ينص المشرّع الدستوري على انتخاب رئيس الجمهورية بعد المادة 49 من الدستور التي تتناول خاصية الرئيس الوظيفية ورمزيته وانتخابه. ينسحب هذا الاستغراب في ترتيب المواد على ايراد المواد 49 الى 63 ضمنا من الدستور، المتعلقة برئيس الجمهورية، في الفصل الرابع المعنون "السلطة الاجرائية". لا يخفيكم الامر ان كثيرا ما يتحكم الشكل بالمضمون. اما انتخاب رئيس الجمهورية في الآلية والمضمون، فيمكن مقاربته من زوايا ثلاث:

- الاستحقاق الرئاسي في ضوء المادتين 73 و75 من الدستور.
- نصاب الحضور واكثرية التصويت لانتخاب رئيس الجمهورية.
- الفراغ في موقع الرئاسة.

أولا - الاستحقاق الرئاسي في ضوء المادتين 73 و75 من الدستور:
تنص المادتان 73 و75 من الدستور على ما يأتي:
المادة 73: "قبل موعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية بمدة شهر على الاقل او شهرين على الاكثر، يلتئم المجلس (النواب) بناء على دعوة من رئيسه لانتخاب الرئيس الجديد واذا لم يدع المجلس لهذا الغرض فانه يجتمع حكما في اليوم العاشر الذي يسبق اجل انتهاء ولاية الرئيس".
المادة 75: "ان المجلس الملتئم لانتخاب رئيس الجمهورية يعتبر هيئة انتخابية لا هيئة اشتراعية ويترتب عليه الشروع حالا في انتخاب رئيس الدولة من دون مناقشة او اي عمل آخر".
إن هاتين المادتين تستدعيان الايضاحات الآتية:
1 - يجب التمييز بين دعوة مجلس النواب وتعيين موعد الجلسة. ان ما يجب ان يحصل ضمن مهلة الشهر الدستورية (م 73) ليس الدعوة (التي يمكن ان تحصل قبل هذه المهلة او خلالها) بل التئام المجلس لانتخاب رئيس الجمهورية بناء على تلك الدعوة.
إن دعوة مجلس النواب لانتخاب رئيس الجمهورية انما هي صلاحية دستورية محفوظة صراحة لرئيس المجلس(م 73) في حين ان تعيين موعد الجلسات انما هو ترتيب داخلي، وعادة ما يرد في الدعوة ذاتها، مع الاشارة الى ان دعوة واحدة ووحيدة كافية بذاتها كي يجتمع المجلس ويعقد ما يلزم من جلسات حتى التوصل الى انتخاب الرئيس العتيد، بمفهوم المادة 73 من الدستور (…).
2 - عندما يوجه رئيس مجلس النواب الدعوة لانعقاد المجلس لانتخاب رئيس الجمهورية بمدة شهر على الاقل او شهرين على الاكثر قبل موعد انتهاء ولاية الرئيس، ولا يتمكن المجلس من الاجتماع في اي من الجلسات الواقعة في المهلة الدستورية المذكورة (لعدم اكتمال النصاب مثلا كما حصل في جلسة انتخاب المرشح الوحيد الرئيس بشير الجميل في 19 آب 1982 الذي لم ينتخب رئيسا الا في اليوم الاخير من المهلة في 23 آب 1982)، يعود لرئيس المجلس ان يعين موعد الجلسات، لانه سبق له ان وجه الدعوة، وذلك حتى ينتهي المجلس من انتخاب رئيس الجمهورية (…).
3 - اما في حال لم يوجه رئيس مجلس النواب الدعوة قبل او ضمن المهلة المحددة في المادة 73 من الدستور، فهل يحق له توجيهها بعد هذه المدة (اي بعد 25 نيسان في حالتنا) ؟ الجواب سلبي، لان المادة 73 تلحظ في هذه الحالة، على ما أسلفت، انه يتعين على المجلس ان ينتظر الموعد الحكمي ليلتئم تلقائيا من دون دعوة من رئيسه (في اليوم العاشر الذي يسبق تاريخ انتهاء الولاية، اي في 15 أيار في حالتنا) حيث يقتصر عندئذ دور رئيس مجلس النواب – او نائب الرئيس عند الاقتضاء - على تعيين ساعة انعقاد الجلسة كترتيب تنظيمي داخلي استنادا الى سلطته الادارية العادية.
4 - يحق لرئيس مجلس النواب، خارج اية دورة عادية او استثنائية، دعوة المجلس الى الانعقاد فقط لانتخاب الرئيس عملا بصلاحيته الدستورية المحفوظة له بموجب المادة 73 من الدستور . ان هذه الصلاحية المحفوظة لرئيس مجلس النواب هي، من هذه الزاوية، صلاحية استثنائية، بمعنى انه يعود له أن يمارسها خارج المواعيد الحكمية لانعقاد مجلس النواب او من دون ان يكون هذا المجلس منعقدا في دورة استثنائية (…).
5 - ليس ما يحول دون تعديل الدستور خارج تاريخ التئام مجلس النواب كهيئة ناخبة (م 75) سواء تم هذا الالتئام، بناء لدعوة من رئيسه، او في حال عدم توجيه الدعوة، قبل تاريخ الالتئام الحكمي في اليوم العاشر الذي يسبق انتهاء ولاية رئيس الجمهورية (م 73)، حيث يتحول مجلس النواب عند الالتئام الى هيئة ناخبة لا هيئة اشتراعية حتى حصول عملية الانتخاب.
إن المقصود بالتئام مجلس النواب كهيئة ناخبة ان يكون مجتمعا في جلسة عامة مستوفية نصاب الحضور، والا كيف يمكنه "الشروع حالا في انتخاب رئيس الدولة..." (م 75)؟

ثانياً - نصاب الحضور وأكثرية التصويت لانتخاب رئيس الجمهورية:
1 - إنّ النصاب الدستوري المتوجب لجلسة مجلس النواب المخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية هو ثلثا عدد أعضاء مجلس النواب في ما خصّ الدورة الأولى من الاقتراع، أما النصاب الدستوري للدورة الثانية وسائر الدورات اللاحقة من الاقتراع فهو الغالبية المطلقة من أعضاء مجلس النواب، الا انه لا يجوز الانتقال إلى الدورة الثانية من الاقتراع إلا بعد أن تكون قد انعقدت الدورة الأولى بنصابها الدستوري، وهو ثلثا أعضاء مجلس النواب، وأخفق أي من المرشحين في نيل تأييد ثلثي أعضاء المجلس، وذلك للاعتبارات الآتية:
أ - إنّ اشتراط المادّة 49 من الدستور غالبية الثلثين من مجلس النواب لانتخاب رئيس الجمهورية في دورة الاقتراع الأولى يعني أنها اشترطت ضمناً أن تكون مثل هذه الغالبية متوافرة في الجلسة التي ستُجرى خلالها هذه الدورة طالما أنّه من غير الممكن حصول أيّ من المرشحين المفترضين فيها على غالبية الثلثين ما لم يحضر ثلثا أعضاء المجلس جلسة الانتخاب التي تُجرى فيها الدورة المذكورة (النصاب الضمني)، علماً بأنّه لا يجوز الانتقال إلى دورة الاقتراع الثانية حيث يجوز فوز الرئيس بالغالبية المطلقة من أعضاء مجلس النواب، إلا إذا جرت الدورة الأولى للاقتراع خلال جلسة يتوافر فيها نصاب حضور ثلثي أعضاء مجلس النواب.
ب - إنّ جعل المادّة 75 من الدستور المجلس الملتئم لانتخاب رئيس الجمهورية هيئة انتخابية لا هيئة اشتراعية يوجب استبعاد نصاب الأكثرية المطلقة المحدّد في المادّة 34 من الدستور (اكثرية الاعضاء الذين يؤلفون مجلس النواب) في مجال تطبيق المادّة 49 في دورة الاقتراع الاولى، ذلك لأنّ المادّة 34 مرتبطة بقيام المجلس بوظيفته التشريعية في حين أنّ المادّة 49 تحدّد وسائل قيام المجلس بممارسة اختصاصه الإضافي بانتخاب رئيس الجمهورية وهو اختصاص مستقل تماماً على الصعيد الدستوري عن وظيفة التشريع.
ج - (…).
د - إنّ اشتراط نصاب ثلثي اعضاء مجلس النواب لصحة المباشرة بأعمال جلسة انتخاب رئيس الجمهورية ضروري ولازم لإبعاد احتمال انتخاب الرئيس من نواب ينتمون إلى إحدى الفئتين المسيحية أو الاسلامية زائدا واحدا أو زائدا عددا ضئيلا من نواب الفئة الأخرى في ظلّ المناصفة الرقمية في تشكيل البرلمان بين الفئتين ما دام أنّ مجتمعنا متنوّع ونظامنا يقوم على مشاركة مكونات الوطن في صناعة القرار الوطني، لا سيّما ان رئيس الجمهورية هو رمز للوحدة وليس الانقسام.
هــ - استقرّ العرف على اعتماد نصاب ثلثي أعضاء البرلمان لجلسة انتخاب رؤساء الجمهورية جميعاً منذ الاستقلال، حتى في ظلّ ظروف أمنية صعبة للغاية. وقد سبق واتخذ الاجتماع المشترك لهيئة مكتب مجلس النواب ولجنة الادارة والعدل في 5 أيار 1976 قراراً أكّد فيه "أنّ اشتراط المشترع نيل المرشح أكثرية الثلثين من أعضاء المجلس النيابي في الدورة الأولى يفترض حضور ثلثي أعضاء المجلس على الأقل من أجل إمكان عقد الجلسة والشروع في الاقتراع"، ولم يتخذ هذا القرار في ظل المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، فبصورة أولى ان يؤخذ به في ظل هذه المناصفة!
2 - تُحتسب الغالبية المطلوبة للنصاب والفوز بالرئاسة، وهي الثلثان في الدورة الأولى والغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي، على أساس عدد أعضاء مجلس النواب العاملين، الحاضرين والغائبين، من دون المتوفين الذين لم يتمّ انتخاب خلفاء لهم، وليس على أساس عدد النواب الحاضرين، علماً بأنّ اللجان المشتركة في مجلس النواب سبق وخلصت عام 1980 إلى أنّ عبارة الغالبية المطلقة من مجموع الأعضاء الذين يؤلفون المجلس قانوناً الواردة في المادة 57 من الدستور، تعني الغالبية محسوبة على أساس عدد النواب الأحياء، حاضرين أو متغيبين، من دون المتوفين، على رغم ان تطور صياغات المادة 57 المذكورة قد يوحي بأن المقصود بالعبارة تلك الغالبية المحسوبة على اساس عدد النواب المحدد في قانون الانتخاب.

ثالثاً - الفراغ في موقع الرئاسة:
ماذا لو لم يحصل انتخاب رئيس للجمهورية قبل انتهاء ولاية الرئيس الحالي في 25 أيار 2014؟
بادئ ذي بدء "ما من شيء اسمه فراغ وهو كلام غير مسؤول واستسهال" (النائب غسان تويني، تصريح منشور في "النهار" عدد الاحد 26 آب 2007) كون الدساتير والقوانين، كالطبيعة، تنفر من الفراغ وتملأه حكما.

في "صيغة 1943":
الجميع من اصحاب الاختصاص يعرف "بوجود الكثير من المبادئ غير المكتوبة، وهي اهم من الدستور"، قاصدا بذلك المبادئ العرفية التي تسمو الدستور Principes supra constitutionnels، والجميع في لبنان يعرف ويجمع على ان دولة الاستقلال (1943) ومن ثم نظام جمهورية الطائف انما يندرجان تحت سقف ما يسميه اصحاب الرأي الدستوري "صيغة 1943"، اي ذاك الميثاق الذي توافق عليه اللبنانيون عند قيام وطنهم المستقل ومن ضمنه ان توزع الرئاسات الثلاث، اي رئاسة كل من الجمهورية ومجلس النواب والحكومة، على المذاهب الكبرى الثلاثة، الموارنة والشيعة والسنّة. ان ما يعزز هذا التوزيع ويكرسه ويجعل منه اتفاقا كيانيا ان اتفاق الطائف الذي ارسى نظام حكم جديدا لم يمس به ولم يلامسه، بل اتت تعديلاته جميعها تحت سقفه. هذا يعني ان اي خلل في هذه الصيغة خارج اجماع اللبنانيين من ضمن ميثاق جديد للحكم ينظم حياتهم العامة المشتركة وشؤون النظام الذي يرتضونه، انما يحدث خللا بنيويا في كيان الدولة ووحدة الشعب والارض والمؤسسات. لذلك لا يمكن تصوّر رئاسة الجمهورية معقودة اللواء للفراغ او لغير ماروني، وهكذا بالنسبة الى رئاسة مجلس النواب (شيعي) ورئاسة الحكومة (سنّي).
- أشار الدستور الى خلو سدة الرئاسة في مادتين منه:
- المادة 62: "في حال خلو سدة الرئاسة لأية علة كانت تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء".
- المادة 74: "اذا خلت سدّة الرئاسة بسبب وفاة الرئيس او استقالته او لسبب آخر، فلأجل انتخاب الخلف يجتمع المجلس فورا بحكم القانون، واذا اتفق حصول خلاء الرئاسة حال وجود مجلس النواب منحلا تدعى الهيئات الناخبة من دون ابطاء ويجتمع المجلس بحكم القانون حال الفراغ من الاعمال الانتخابية".
إني اشاطر رأي العلاّمة ادمون رباط ان النصين اعلاه انما يطبّقان في جميع حالات شغور رئاسة الجمهورية، اي بما في ذلك انتهاء ولاية الرئيس وعدم انتخاب خلف له، وهي الحالة التي تندرج تحت عبارتي "اية علّة كانت" (م 62) او "سبب آخر" (م 74). استلّ العلامة رباط حججه من الاصول التاريخية للنصين المذكورين في ظل الجمهورية الثالثة في فرنسا. لا حاجة الى اجهاد الفكر كي يأتي تطبيق المادتين 62 و74 من الدستور شاملا جميع الحالات من دون استثناء، وذلك بمقتضى القاعدة الشرعية المدونة في المادة 64 من مجلّة الاحكام العدلية بأن "المطلق يجري على اطلاقه ما لم يقم دليل التقيد نصا او دلالة"، كما المبدأ القائل بأن القانون انما يؤلف قاعدة شاملة Lex est commune praeceptum. الامر الذي يعني بالنتيجة انه مهما كان سبب خلو سدة رئاسة الجمهورية، تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء الذي يتولاها الى حين انتخاب رئيس جديد للجمهورية، اي بصورة انتقالية وموقتة، ذلك ان الاصل ان يتولى رئيس الجمهورية أصالة صلاحياته الدستورية.
- ادهى ما يمكن ان يتأتى عن الفراغ الرئاسي التحرر من الضوابط والآليات الدستورية المتصلة بانتخاب رئيس الجمهورية او بالتعديل الدستوري. ان الفراغ الرئاسي لا يبرر على الاطلاق تجاوز الدستور في مسألتين اساسيتين:
- في حال انتهاء ولاية رئيس الجمهورية الدستورية من دون انتخاب رئيس، لا يعفى اي مرشّح تنطبق عليه الفقرة الثالثة من المادة 49 من الدستور من الموجبات والمحظورات التي تفرض عليه، كأن يحرر هذا المرشح في حال كان قاضيا او موظفا من الفئة الاولى وما يعادلها في جميع الادارات العامة والمؤسسات العامة وسائر الاشخاص المعنويين في القانون العام، من موجب الاستقالة والانقطاع الفعلي عن وظيفته قبل سنتين على الاقل من تاريخ انتهاء الولاية الرئاسية. ان الحجّة بأن الفراغ لا يمكن ترقبه قد تصلح في حال كان الفراغ في سدّة الرئاسة متأتيا عن وفاة الرئيس او عجزه الصحي او استقالته او فقدانه، الا انها لا تصلح على الاطلاق في حال تأتى الفراغ عن انتهاء الولاية الدستورية من دون التمكن من انتخاب خلف للرئيس المنتهية ولايته، ذلك ان تاريخ انتهاء الولاية الدستورية انما هو تاريخ ثابت بقوة الدستور ومعروف ومرتقب بامتياز.
- ان تعديل الدستور، لأي جهة كانت، يجب ان يتم صراحة وفقا للآلية المنصوص عنها تفصيلا في الدستور، ما يعني ان التعديل الضمني او المضمر هو تدبير خارج تماما عن الدستور وعليه.
الميثاق والدستور اولا وآخرا، على ما ذكّرت به تشديدا المذكرة الوطنية الصادرة عن سيد بكركي في 9 شباط 2014.
(جزء من دراسة أطول)

¶ وزير سابق، وعضو المجلس الدستوري سابقاً، ومحام.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard