رئاسيات 2014 - استطلاعات الرأي: "فبركة" للشعبية أم دقة في المنهجية؟

26 نيسان 2014 | 00:00

حضر أحد المرشحين الى شركة احصاءات معروفة باحثاً عن "شعبية". ببساطة، عرض مبلغا من المال طالبا استطلاعا للرأي يرفع أسهمه. استطلاع يمكن ان يستند اليه لاقناع "زعيم" كتلته كي يدرجه على "اللائحة الموعودة". يضحك المدير في شركة الاستطلاع وهو يستذكر هذه الحادثة التي تتكرر في المواسم الانتخابية. ينتقد غياب الضوابط. يتحدث عن عامل وحيد يحكم المهنة هو "عامل الاخلاقيات، الذي بات عملة نادرة".

في الشكل، غزت "موضة" استطلاعات الرأي لبنان في الآونة الاخيرة، فبات لكل وسيلة اعلامية وموقع الكتروني وحتى المحال التجارية ارقام خاصة بها. ارقام ترفع من شعبية مرشح او سلعة تارة، وتخفض نسبة التأييد طورا، في ظل غياب اي معطى علمي يحكم عملها.
في الدول الديموقراطية، يبدو لاستطلاعات الرأي مكانتها. مكانة اكتسبتها من المنهجية العلمية المتبعة والضوابط التي تحكم السوق ما جعلها عنصرا اساسيا في المعارك الانتخابية. بذلك، تتكرر الاحصاءات بعد كل مناظرة بين المرشحين او عقب الخطب المهمة لتعكس جانبا من المزاج الشعبي السائد.
هكذا مثلا امكن تحديد نسبة الفارق في الانتخابات الاميركية الاخيرة بين باراك اوباما (51 في المئة) وميت رومني (47 في المئة) عبر التصويت الشعبي. وتقاربت النسب بين نيكولا ساركوزي (48 في المئة) وفرنسوا هولاند (52 في المئة). وفي مقابلة مع "النيويورك تايمس" يتحدث مدير في حملة اوباما الانتخابية عن الدور الذي ادته وسائل التواصل الاجتماعي في تحديد هوية الناخبين والمستطلعين، علما ان هذا العنصر لا يزال قليل الاستخدام محليا.
في مراجعة للثغر التي تحكم عمل شركات الاستطلاع لبنانيا، يثير مصدر معني بالقطاع مجموعة عناصر:
- اولا عدم الاخذ في الاعتبار المعايير التي تحكم العينة المختارة، وهي معايير تبدأ من الاعتبار المناطقي وتمر على العامل الطائفي ولا تنتهي بالفئة العمرية. بذلك، يفترض ان تعتمد الاستطلاعات على "عينات" ممثلة للنسيج الاجتماعي والسياسي بجوانبه الطائفية والعمرية والمناطقية، مع تحديد نسبة الخطأ المحتملة. وبحسب احد اصحاب شركات الاستطلاع يجب تبديل العينة في شكل مستمر توخيا للدقة. واذا افترضنا ان عدد سكان لبنان 4 ملايين و800 الف نسمة، لا يجوز استطلاع الفئة ذاتها الا بعد 18 شهرا.
- ثانيا، تعتمد الاستطلاعات عالميا على مسوحات دورية تجريها عادة الدولة للسكان للوقوف على التحولات التي طاولتهم، وغالبا ما تكون هذه المسوحات عالية الكلفة وتتطلب تقنيات محددة. وكلما كبرت "العينة"، زادت النتيجة دقة. لبنانياً، يعتمد عدد من الشركات على ارقام الناخبين التي توفرها وزارة الداخلية والبلديات. وهي تغفل بذلك تحولات عدة، منها مثلا مشاركة المغتربين، علما ان آخر احصاء سكاني اجرته الجمهورية اللبنانية يعود الى عام 1933.
اما الاعتماد على ارقام وزارة الداخلية والبلديات، فيعني حكما تحديد نسبة الموارنة بـ22,2 في المئة من السكان، و7,8 في المئة للروم الارثوذكس، 5,2 في المئة للروم الكاثوليك، و3,6 في المئة للارمن، و1 في المئة للاقليات المسيحية. وحددت نسبة الشيعة بـ27 في المئة، والسنّة بـ27 في المئة ايضا، و5,2 في المئة للدروز و0,8 في المئة للعلويين.
- ثالثا، غالبا ما تغيب الضوابط في عدد من المؤسسات، فيصعب بذلك تحديد هوية المستطلعين سواء من المتصلين او عبر شبكة الانترنت. ويسهل تاليا على جهات حزبية او مناطقية او طائفية التحكم بالنتائج عبر "فتح الهواء" لطرف واغلاقه امام طرف آخر. وبذلك، يصار الى "فرض" العيّنة. ويؤكد صاحب شركة استطلاع ان "row vote" الذي يعني الاعتماد على نسبة من المتصلين او المشاركين الكترونياً لاستخراج نتيجة تعميمها، محظر في الدول المتحضرة.
- رابعا، بات معلوما ان التسييس "نخر" عددا كبيرا من شركات الاستطلاع التي دخل بعضها حلبة التجاذبات السياسية. وبذلك، لا يبدو صعبا على جهات تصنيف شركات في خانات حزبية وسياسية معينة.
- خامسا، وتوخياً للدقة، يفترض ملء الاستمارات ميدانيا. الا انه غالبا ما تعتمد شركات وفي شكل عشوائي على عينة من الاتصالات الهاتفية بعيدا من المقاييس المتعارف عليها، علما ان المقابلات الميدانية تبدو اكثر كلفة وتستغرق وقتا.
- سادسا، تراوح قيمة الاستطلاع ما بين 10 آلاف دولار (للعينة الصغيرة اي 1000 ناخب) و150 الف دولار للعينة الاوسع (100 الف ناخب). وبذلك، تبدو متاحة امام المرشحين، اقله على المستوى المالي.

rita.sfeir@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard