ممنوع على الفلسطينيين المطالبة بالقدس الشرقية عاصمة!

26 نيسان 2014 | 00:00

جدار الفصل ملتفاً حول ضاحية رأس خميس في القدس الشرقية.(أرشيف "النهار")

ردد محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، أمام أعضاء المجلس الثوري، في مقر الرئاسة بمدينة رام الله، ما قاله للوزير جون كيري من أنه يريد القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية.

كرر عباس هذا الموقف أثناء إجتماعه بأعضاء اللجنة المركزية لحركة "فتح"، مؤكداً تمسكه بالثوابت الوطنية، مع الأخذ في الاعتبار "بأن القدس الشرقية ستظل المطلب الأول في قائمة حقوقنا التاريخية."
ويُجمع المؤرخون على القول إن هذه المدينة المقدسة تعرضت للحصار عشرين مرة على إمتداد 38 قرناً من وجودها. وبعد أن دُمِّرَت سبع مرات، تناوبت على حكمها قيادات مختلفة، زاد عددها على 25 قيادة.
وفي مطلع القرن الماضي مهّدت الصهيونية للسيطرة على فلسطين والقدس، باحياء مملكة اليهود في العهد التوراتي. ولقد سخّرت من أجل تحقيق حلمها التاريخي الدول الكبرى، مدّعية أنها وحدها تملك الحق المطلق لاعلان القدس الموحدة عاصمة نهائية لاسرائيل. وبعد أن واصلت العصابات الصهيونية تفريغها من سكانها الأصليين، مسلمين ومسيحيين، ضغطت على الكونغرس الاميركي للمصادقة على قرار يقضي باعلان القدس عاصمة موحدة لاسرائيل. ومع أن جورج بوش الأب كان معارضاً لهذه الخطوة، إلا أن اللوبي اليهودي أحرجه عندما نجح في جمع تواقيع 83 شيخاً من أصل مئة في الكونغرس... و378 نائباً من أصل 435 في مجلس النواب.
والملاحظ في هذا السياق أن الموقف الاميركي الرسمي بدأ بالاهتزاز عقب صدور قرار التقسيم سنة 1947. وهو القرار الذي يضع مستقبل القدس ضمن صيغة غامضة كجسم منفصل Corpus Separatum بإعتبار أن التدويل يجعل من هذه المدينة جسماً لا يخص العرب أو اليهود.
وبعد مضي سنتين عارضت إدارة ترومان هذا القرار لأسباب إنتخابية، وإدّعت أن مضامينه ليست عملية بسبب غياب القوة التنفيذية القادرة على فرضه. وإنتقده السفراء العرب، وكتبوا له رسالة يتهمونه فيها بأنه تخلى عن معتقده وإيمانه المسيحي من أجل اليهود الذين حققوا له طموحاته السياسية بالمال.
سنة 1953 نقلت اسرائيل مركز وزارة الخارجية من تل أبيب الى القدس. ورأى الرئيس ايزنهاور في تلك الخطوة عملاً إستفزازياً مناقضاً لكل الأعراف الدولية. لذلك أبلغ طاقم السفارة بألا يطبّق قرار الانتقال. وبعد سنة تقريباً، قام السفير الاميركي لوسون بتقديم أوراق إعتماده في القدس، منهياً بهذا العمل قرار المقاطعة.
واللافت أنه عندما دشّنت الحكومة الاسرائيلية مبنى وزارة الخارجية في القدس سنة 1966 إمتنع الديبلوماسيون الاميركيون عن حضور حفل الافتتاح. في حين حرص عدد كبير من أعضاء الكونغرس على تلبية الدعوة. وكان هذا التباين والتعارض، بين موقف الادارة وموقف الكونغرس، موضع إستهجان الصحف التي وصفته بالسخافة والتفاهة.
وعندما تولى جيمس بايكر مهمات وزارة الخارجية الاميركية، في عهد الرئيس جورج بوش الأب، إنفجر الصراع بين العرب واليهود حول مشاريع التوطين في الجزء الشرقي من المدينة.
وكان من الطبيعي أن ينعكس ذلك الخلاف على دور بايكر الذي شعر بأن مسألة القدس ستنسف كل محاولاته بشأن فرض مفاوضات على الفريقين، خصوصاً عندما رفضت حكومة إسحق شامير قبول مشاركة أي عضو مقدسي في المفاوضات. وقد وجد بيريز لهذه المشكلة العصية مخرجاً ديبلوماسياً يقضي بالموافقة على مشاركة عضو مقدسي شرط أن تكون إقامته أو عنوانه خارج القدس.
وفي نهاية الأمر، رفض المقدسيون القبول بأي إقتراح مبهم، وأعلنوا المقاطعة باسم 150 ألف فلسطيني يعيشون في القدس الشرقية. وقد دأبت الحكومات الاسرائيلية على مضايقتهم، وإرغامهم على المغادرة، ومصادرة منازلهم وأملاكهم.
الأسبوع الماضي، إقتحم أكثر من ألف جندي اسرائيلي باحة المسجد الأقصى، وأطلقوا الغاز المسيّل للدموع على المصلين. واعتبرت الهئية الاسلامية-المسيحية في القدس أن هذه الانتهاكات تمثل إستفزازاً خطيراً، وتهديداً متواصلاً، لكل المقدّسات الاسلامية والمسيحية في المدينة المحتلة.
وبدأت محاولة الاقتحام عندما قامت قوات الاحتلال بادخال مجموعة من السيّاح برفقة عدد كبير من المستوطنين من "جماعة نساء الهيكل." وقال مدير المسجد الأقصى المبارك، عمر الكسواني، إن المواجهات دارت في باحات الأقصى. في حين قامت قوات الاحتلال بمحاصرة المصلين المعتكفين داخل المسجد القبلي المسقوف وإطلاق القنابل الصوتية والغازية في اتجاههم واتجاه موظفي الأوقاف.
وفي رأي شيوخ المدينة، فإن توقيت الحادث مرتبط بعيد الفصح المجيد. أي عندما يحتفل المسيحيون بالعيد في كنيسة القيامة. ويغتنم الفلسطينيون المسلمون هذه المناسبة لمشاركتهم في احتفالات شعبية داخل المسجد الأقصى. وبما أن هذه الاحتفالات تُضفي على القدس طابعاً غير يهودي، فإن حكومة بنيامين نتنياهو قررت التصدي لها ومنع حدوثها.
الاجابة الوحيدة على إستفزازات القوى المحتلة تتمثل عادة في تظاهرات الاستنكار والاعتراض والتحدي. ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه في القدس وسط ظروف مكررة تجمع بينها أسباب متشابهة.
والواقع، ان أحداث العنف التي أعقبت عمليات الاستيطان في "حي النصارى"، ترجع في جذورها التاريخية الى تظاهرات قديمة مشابهة جرت في آذار 1919. ويتذكر زعماء فلسطين أن "الجمعية الاسلامية-المسيحية" في القدس أصدرت بياناً دعت فيه الشعب الى التظاهر، إحتجاجاً على هجرة اليهود.
وفي الموعد المحدد إنطلقت الحشود من ساحة المسجد الأقصى يتقدمها كاظم الحسيني وعارف الدجاني اللذان سلما مذكرة إحتجاج الى قناصل الولايات المتحدة وفرنسا وايطاليا وبلجيكا.
وبعد يومين قدّمت الطائفة اليهودية مذكرة إعتراض الى السلطات البريطانية تطلب فيها حصر الاضرابات والتظاهرات بالأحياء العربية.
الجمعيات العربية دعت الى التظاهر مرة ثانية. وبدأ التجمع في ساحة الحرم الشريف، ثم إتجهت الى "الساحة المسكوبية" حيث إستُقبِلت بخطب حماسية تناوب على إلقائها: خليل بيدس ومحمود عزيز الخالدي وعبدالفتاح درويش وموسى كاظم الحسيني. وقبل أن تتفرق الحشود، ألقى فيها الشاعر العراقي معروف الرصافي قصيدة حيّا فيها التلاحم الاسلامي-المسيحي في مواجهة عمليات الاغتصاب وموجات الاستيطان.
أخطر التظاهرات وأكثرها حدة كانت التظاهرة الثالثة التي وصفتها الصحافة الاوروبية يومها بـ"ثورة القدس." والسبب أنها جمعت أضخم حشد شعبي، ودفعت المواطنين الى مقاومة مشروع التوطين بوسائل أكثر عنفاً. وحدث بعد إكتمال التجمع (4 نيسان 1920) أن أطل على المتظاهرين الحاج أمين الحسيني من فوق شرفة عمارة "دير الروم." وحذر في خطابه من الممارسات الاسرائيلية، ومن خطر تواطؤ الدول الغربية، وخصوصاً بريطانيا التي قدّمت وعد بلفور ودعمت سبل تحقيقه.
وفجأة، أطلت على الساحة تظاهرة يهودية ضخمة يقودها الارهابي المعروف فلاديمير جابوتنسكي، معلم مناحيم بيغن وإسحق شامير. وعلى الفور، فتح أفرادها النار على الجماهير الفلسطينية بدون تمييز. وإنقضّ عليهم هؤلاء بالسكاكين والعصي. وبادر الجنود البريطانيون الى إطلاق النار على الفلسطينيين لحماية اليهود. ثم سارعوا الى سدّ منافذ المدينة ليمنعوا التسلل والمؤازرة من الخارج.
بعد يومين، هاجم شبّان القدس وطلابها حارة اليهود، وإصطدموا مع القوات البريطانية في عراك طويل. ولما إزدادت حدة الاشتباكات فرضت سلطات الانتداب نظام منع التجول على الأحياء العربية في القدس، وأمرت باعتقال الحاج أمين الحسيني. ولكن أنصاره نجحوا في إنقاذه بينما كان يُقاد مخفوراً الى السجن، ثم نقلوه تحت جنح الظلام الى شاطىء البحر الميت، قرب أريحا.
وهكذا إعتُبِرَت "ثورة القدس"، مع كل ما رافقها من اضطرابات، المدخل السياسي لثورة فلسطين الأولى.
لوحظ بعد فشل الوزير الاميركي جون كيري في مفاوضات السلام الأخيرة، أن العقدة الأساسية كانت تكمن في رفض نتنياهو بأن تكون القدس الشرقية عاصمة دولة فلسطين.
ونقلت صحيفة "هارتس" على لسان رئيس الحكومة، إنه لن يوقع على إتفاق إطار تُذكر فيه، ولو بصورة عامة، عاصمة فلسطينية في منطقة من مناطق القدس. ولما سئل عن الحل الطبيعي لهذه الأزمة، قال "إن رام الله إتخذها ياسر عرفات عاصمة لحكمه. وأنا بدوري أزكي هذا الخيار لأنني أبلغت الوزير كيري بأن الحديث عن "القدس الشرقية"، كعاصمة للدولة الفلسطينية، هو أمر من رابع المستحيلات".
لذلك كتب صموئيل باركوفيتش، خبير الشؤون المقدسية، مقالة قال فيها إن مستقبل "القدس الشرقية" كان الموضوع الأصعب في المفاوضات الأخيرة.
قبل حرب حزيران 1967 كانت مساحة القدس الغربية لا تتعدى الـ 38 كيلومترا مربعاً مربع، بينما مساحة القدس الشرقية لا تزيد على ستة كيلومترات مربعة. وبعد إنقضاء فترة قصيرة ضمّت اسرائيل الى "القدس الشرقية" 28 قرية إعتبرتها جزءاً من يهودا والسامرة. واليوم أصبحت مساحتها 127 كيلومترا مربعا، عقب ضم مناطق أخرى من غرب القدس. والسبب أن ارييل شارون إختار لعائلته منزلاً في القدس الشرقية (غير المنزل القائم في مزرعته الواسعة) كي يضمن تنفيذ ضم هذا الجزء من القدس الى القدس الغربية، بحيث تصبح العاصمة الموحدة الأبدية لدولة اليهود.

كاتب وصحافي لبناني

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard