اعترافات معماري في مرآة تجربة عاصم سلام التراجيدية

26 نيسان 2014 | 00:00

خلال اللقاءات القليلة التي لا تنسى مع المهندس عاصم سلام، لم يتضح لي ما إذا كان يعتقد أن حملته ضد عشوائية البناء في بيروت ستحسّن مجرى الأمور. ما كان واضحا هو عزيمته وجرأته على قول "لا"، مهما صعبت الظروف خلال حياة مهنية طويلة ومتنوعة. وضع سلام معياراً أخلاقياً لنا جميعاً، نحن الذين نحمل مسألة العمارة. مع وفاته، قبل أكثر من عام، فقدت بيروت بطلها التراجيدي في ملحمة الكفاح ضد سلسلة من طفرات البناء التي حولت وجهها جذرياً. مثل أبطال المآسي الإغريقية، خاض حربه مع آلهة العقارات حتى النهاية، حتى عندما كان مصير المعركة معروفاً سلفاً.

كان عاصم سلام مهندساً معمارياً مهتماً بتحسين المدينة. للوهلة الأولى قد تبدو ممارسة الهندسة المعمارية وتحسين المدينة من أكثر المهام تطابقاً. لكن عندما ننظر الى مهام المهندس المعماري اليومية، نجد تناقضاً أساسياً بين ممارسة الهندسة المعمارية وتحسين المدينة. يصمم المعماريون المباني منفردة، وليس المدن. في بلدٍ قطاعُه الخاص غنيٌّ نسبياً وقطاعه العام فقير، ينجذب المهندسون المعماريون غالباً نحو القطاع الخاص والتطوير العقاري. نشيّد مباني سكنية ثم مباني سكنية ثم مباني سكنية. تشكل هذه المباني العمل اليومي للمهندسين المعماريين في بيروت، ولحم المدينة وعظمها.

الأسوأ والأفضل
في حالاتنا الأسوأ، نتبنى قصر نظر المطور العقاري الجشع. نستغل كل ثغرة في قانون البناء (هناك الكثير منها) لنزيد أمتار الاستثمار. نغضّ النظر عن رداءة نوعية البناء، ونسرع من أجل اختصار الوقت والجهد طمعاً بزيادة الربح. لذا غالباً ما يُنظَر الى المهندسين المعماريين عن حق بأنهم متواطئون مع عمليات التطوير العقاري التي دمرت شوارع المدينة وشكلها، والحياة اليومية لسكانها.
لكننا في حالاتنا الأحسن، نتعامل مع مستثمر مستنير وننتج عملاً جيداً. نحاول أن نحافظ على معلم هنا، وعلى طبيعة قطعة أرض مهما صغر حجمها هناك، مع أن قانون البناء يشجعنا على عدم المحافظة عليها. نحاول خلق واجهة لائقة للبناء، حتى لو كان قانون البناء لا يشجع على تصور واجهة. نحاول أن نعبّر عن أنماط الحياة المتغيرة للأسرة البيروتية في تخطيط الشقق. نحاول جعل غرف نوم الموظفين أكثر إنسانية حتى لو كان البعض يسعى الى التقليص من حجمها من أجل الحصول على متر مربع لحمّامهم الخامس أو السادس الذي لن يستخدموه أبداً. نحاول تصميم مبان تغوي في جمالها، على أمل أن هذا من شأنه التشجيع على إنتاج المزيد من الجمال. نحاول.
إذا كانت لدينا محاولات ووسائل لتحسين صورة المدينة، فإننا غالباً ما نقتنع بالمشروع. فتتنوع المباني بتنوع التصورات التي هي واحدة من أهم سمات الحياة المدينية: التعددية. لكن علينا العمل على أن لا يتحول التنوع إلى فوضى، وهذه مهمة مختلفة تماماً عن الهندسة المعمارية. بصفتنا مهندسين لمشاريع فردية، لا نسيطر على هذا الجانب: لا مقدرة لنا على السيطرة على حركة السير الناتجة من مبانينا، ولا خطة لدينا لتصميم الشوارع، أو لأحجام الإفرازات العقارية وأشكالها، ولا حتى لطابع الرصيف على طول مبانينا. مهما كانت المباني جيدة التصميم، فإنها لا تحل هذه المشكلات المدينية. يمكننا أن نبني أجمل واجهة تحترم الشارع، ولكن إذا لم يكن هناك تواصل بين مشروعي والبناء المحاذي، فحال الشارع لن تكون جيدة. إن المسوؤلية في هذا المجال تكمن في تخطيط المناطق وقانون البناء اللذين ينظّمان العلاقة بين المباني، بين المباني والشوارع، وبين الشوارع والأماكن العامة.
غالباً ما تدفعنا قلة فاعليتنا الى الانضمام إلى جوقة المواطنين الذين لا حول لهم ولا قوة، لكي نشتكي معهم: "انظروا كيف دمّروا مدينتنا". نتناسى أننا جزء من الذين دمّروا، وأنه كان يمكننا أن نعمل على نحو أكثر فاعلية لحل مشكلات المدينة، حتى لو كانت هذه المشكلات خارج المفهوم الضيق والمريح لمهنتنا. لكن هذا لا يعني أننا لا نستطيع معالجتها بطرق مختلفة. ان مسؤوليتنا الكبرى كمهندسين معماريين تجاه المدينة، تكمن في كوننا مواطنين. فواجبنا كمواطنين معماريين، أن نظهر مهاراتنا ومعرفتنا بالبيئة العمرانية ونستخدمها أمام المواطنين والسياسيين، لإظهار النتائج المترتبة على إجراءات سيئة أو لطرح بدائل.

العام والخاص
لم يكتف عاصم سلام بالتحسينات الصغيرة والمحصورة في البناء الواحد. تخلّى عن إمكان تغيير عقلية المطوّرين العقاريين والقطاع الخاص، على الرغم من أنه صمم مشاريع سكنية ممتازة. قلل هذا النوع من المشاريع في مكتبه وسعى إلى العمل من أجل المجتمع المدني والقطاع العام، حيث المباني المؤسساتية. لا تزال تصاميمه لأبنية عامة، كوزارة السياحة ومسجد الخاشقجي، تثير الاعجاب وتقف شاهداً على أن القطاع العام والمجتمع المدني هما أكثر فاعلية في تحسين وجه المدينة. نحن نتوق كمهندسين معماريين الى مثل هذه المشاريع. لكن مع نقل الكثير من مسؤوليات المجال العام إلى القطاع الخاص، كما حدث مع نقل وسط بيروت الى شركة "سوليدير"، تضاءل عدد هذه المشاريع، ومعها الرفاهية العامة التي كانت أولوية لدى عاصم سلام.
ربما كان هذا سببا آخر وراء اختيار سلام مجموعة مختلفة من الأساليب والوسائل لمعالجة المشكلات التي تعاني منها المدينة، بينها الطرق السياسية والتشريعية. بوصفه عضواً في الجمعية من أجل المحافظة على المباني والمواقع الأثرية، رفع معايير المحافظة على التراث العمراني وتقوية دور الدولة في التصنيف والاستملاك. في هذا المجال لا شك في ان سلام كان سيحزن حين يرى كيف أن المهندسين المعماريين العاملين في القطاع العام، اليوم، يقفون على الجانب الخطأ من المناقشات حول التراث والمحافظة عليه. كعضو في مجلس الإنماء والإعمار خلال سنواته الرؤيوية، أحضر معرفته في إعادة الإعمار بعد الحرب الثانية في أوروبا للتأثير في عمليات المشاريع الكبيرة. كرئيس لنقابة المهندسين، ساهم في إعادة كتابة قوانين المهنة، مركزاً على الأخلاقيات المهنية. في هذه المجالات، وفي كتاباته والمحاضرات العامة والمناقشات، لعب سلام دوراً فاعلاً في التنشئة الفكرية العامة، وألقى الضوء على التنمية الحضرية وحقوق المواطنين في المدينة. كناقد لسياسة "سوليدير"، أصر على مساءلة الشركة أمام الجمهور حول الصالح العام الذي كان من المفترض أن تحميه، وخصوصا في ما يتعلق بالأماكن العامة من وسط بيروت وحقوق المواطنين المحرومين من أملاكهم فيها.
تظهر الخيارات الصعبة والنبيلة التي اتخذها عاصم سلام في أنه شدَّد على الأمل الضئيل جداً في التوفيق بين الهندسة المعمارية والتحسين المديني. لخوض معركة المدينة، على المعماري أن يخطو خارج المهنة، وأن يستخدم الخبرات المهنية للتأثير في التشريع والعمل النقابي. لم يكن سلام وحيداً في اتخاذ الخيارات الصعبة أو في إدراكه أن على المهندس المعماري ارتداء قبعات مختلفة، من أجل أن يكون فعالاً في المجال العام. بين البارزين في مجال عملنا والذين لعبوا مثل هذا الدور، نذكر أمثال أنطون ثابت، بيار الخوري، واثق أديب، ريمون غصن، غريغوار سيروف، وبيار نعمة. على شرفهم، ينبغي أن نرسخ إرثاً أفضل للمهندسين المعماريين وللهندسة المعمارية في لبنان. في هذا الصدد ينبغي أيضاً الثناء على الجهود التي يبذلها المركز العربي للعمارة الذي أنشئ حديثاً لهذه الغاية.
لكن ديننا الأكبر لتركة سلام يكمن في العمل بجد لمصالحة الهندسة المعمارية مع المدينة، والوصول الى أن لا يكون خيارنا صعباً كخياره.

مختبر للتطوير العمراني
في إطار نقابة المهندسين والمهندسين المعماريين، وهي المؤسسة التي كرمت إرث سلام، من خلال نشر كتاب مهم عن حياته المهنية، يمكن أن نخلق مختبراً دائماً لتقييم قانون البناء وقانون تخطيط المناطق اللذين كانا السبب الأكبر في تردي حال المدينة. في هذا المحفل المهني، وبالتنسيق مع مؤسسات الدولة، نتمكن من أن ندرس كيف نجعل تراجعات الأبنية المنفردة عن الشارع منسقة أكثر، بعضها مع البعض الآخر، ومع الشارع. فقانون البناء سمح بالتراجع عن الشارع، لكنه لا يوحّد واجهة الشارع. يمكننا أيضاً في إطار مثل هذا المختبر، أن نطور قانون بناء للأراضي المسطحة، لكي يتفاعل بشكل أفضل مع المواقع المنحدرة. إن التبادلات بين الخبرات اليومية والأطر التي توجهها، ضرورية، إذا كنا نريد أن نجعل خبراتنا الفردية كمهندسين معماريين أكثر تأثيراً في هيبة المدينة. هذا المختبر يمكن أن يساهم أيضاً في جعل التنوع في المدينة أكثر انسجاماً وأقل فوضوية.
اذا لم تعد الدولة قادرة على حفظ الإرث التراثي، فإن المجتمع المدني أثبت أنه قادر على مواجهة الإهمال والتدمير. يكون عاصم سلام سعيداً اليوم لو رأى المهندسين المعماريين الشباب يلعبون دوراً مهماً في تعبئة المنظمات غير الحكومية المحلية وتزويدها المهارات والخبرات اللازمة لتصور بدائل للمشاريع المطروحة، مثل جسر فؤاد بطرس وحديقة اليسوعية.
كان لقائي الاخير مع عاصم سلام منذ أربعة اعوام في منتدى حول التعليم المعماري في لبنان والشرق الاوسط. من المهم أن نذكر هنا مساهمته الكبيرة في تعليم العمارة، ليس فقط في المجال المهني (والأخلاقي)، ولكن في تثقيف الجمهور حول القيم الحضارية والبيئية التي تتجسد في الهندسة المعمارية أيضاً.
خلال هذا المنتدى، جاءني طالب موهوب مستفسراً عن مدارس التخطيط المديني في الولايات المتحدة. عندما سألته لماذا يريد شخص في موهبته التحول عن العمارة إلى التخطيط، أجاب أن العمارة في لبنان أضحت للأغنياء، وأنه يريد أن يخدم الفقراء. ذهب هذا الطالب لدراسة التخطيط في أحسن جامعات الولايات المتحدة، لكنه عندما عاد إلى بيروت وحاول العثور على عمل في المجال العام، لم يجد مدخولاً كافياً لإعالة أسرته، فانتهى به الأمر الى العمل لحساب شركات التطوير العقاري الخاصة. كان اختيار هذا الطالب أصعب من اختيار عاصم سلام، لأن الأخير كان يؤمن بقدرة القطاع العام وحصريته. آمل أن نتمكن من أن نخلق لمثل هذا الطالب خيارات أفضل وغير متناقضة في حياته المهنية التي يمكن أن تخلق خيارات أفضل لبيروت.

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني