فيليب عرقتنجي ضد غوليات

24 نيسان 2014 | 00:00

فيليب عرقتنجي.

المخرج اللبناني فيليب عرقتنجي، صاحب عدد من الأفلام الوثائقية والروائية، يحملنا في "ميراث" الى عالم فانتازي يبحر على أمواج التاريخ والحكايات الشخصية والآمال الصامدة والخيبات والألم والذاكرة المغتالة. في سيرته المصوّرة الموزعة بين المتخيل والواقع، يطرح على نفسه أسئلة عدة: ما هذه الحتمية العجيبة التي تعيد اللبناني دائماً الى نقطة الانطلاق أو نقطة الصفر؟ حيناً تعيده الى الميناء التركي الذي منه هاجرت جدته الى لبنان. وحيناً الى البلد (فرنسا) الذي ظل ملجأً له من القتل والدمار؟ ودائماً، الى الماضي المحمّل ذكريات بعيدة قريبة ليس من فكاك منها ما دام حيّاً؟ لقطة بعد أخرى، حكاية بعد ثانية، نرى كيف يكرر التاريخ نفسه ويفرز دائماً النتيجة نفسها: تشرد، ضياع، شقوق في الهوية. هناك العديد من القصص والذكريات في لبنان، هذا الفيلم يروي إحداها، معاناة الكثير من اللبنانيين الذين يعيشون حيرة البقاء أو الرحيل الأبدية التي تكاد تكون نصيباً جماعياً في بلد الهجرة المستمرة.

لسخرية القدر، يواجه الفيلم الرحيل ايضاً، ليس من لبنان الى الخارج، بل من الصالات التجارية التي تؤويه لأسابيع معدودة فقط؛ صالات لا يهمها الا الربح والكسب السريع ولا تميز بين منتوج وآخر ولا تملك ايّ خطة للنهوض بالسينما المحلية وتشجيعها. لا قانون يحمي الفيلم اللبناني للأسف، في عقر داره، وسط جشع التجارة. بلدان كثيرة تضع كوتا معينة لحماية منتوجها المحلي، أين نحن منها؟ في لبنان، لا يزال الفيلم المحلي خاضعا لأهواء السوق ومنطق العرض والطلب. الآلية المعتمدة عند مستثمري الصالات في لبنان هي استبدال ايّ فيلم بآخر عندما يكون هذا الفيلم الأقل ايراداً من بين الأفلام المعروضة في الصالة المعنية. يعني، بكلام آخر: الفيلم الذي يجذب أقل عدد من المشاهدين في الاسبوع هو الذي يغادر الشاشات. هذا يعني ايضاً ان على الفيلم اللبناني، ذي الموازنة الضئيلة والدعاية المحدودة، أن يصارع أعمالا هوليوودية كبرى تجذب ألوف المشاهدين ولديها خطة ترويجية وجمهور جاهز. المسألة أشبه بصراع بين داوود وغوليات! الفيلم اللبناني - أو عموماً الأفلام المستقلة، في حاجة الى فترة زمنية أطول لجذب جمهوره المحتمل. ولكن ما يحصل انه يُرغَم على مغادرة الشاشات، قبل أن يتسنى له ملاقاة جمهوره في منتصف الطريق. في غياب الدعاية، يعتمد السينمائي اللبناني على ما تتناقله الألسن من كلام ايجابي في حقّ الفيلم، وما يقوله الذي شاهد الفيلم الى صديقه وجاره وقريبه.
ما سبق أن حدث مع فيلم "عصفوري" لفؤاد عليوان، يتكرر اليوم مع فيلم عرقتنجي الذي استقطب 18 ألف مشاهد على مدار شهر من العرض في الصالات اللبنانية. نتيجة جيدة لفيلم وثائقي، علماً ان الأفلام الوثائقية القليلة التي نزلت الى السوق لم تستقطب الا حفنة من المشاهدين، ومن بينها "ليال بلا نوم" لإليان الراهب و"النادي اللبناني للصواريخ" لخليل جريج وجوانا حاجي توما، على الرغم من مساندة الصحافة لهذين الفيلمين. يستغرب عرقتنجي اصرار مستثمري الصالات على التضييق على الفيلم وحصره في عدد قليل من الصالات (انطلق في عشر منها). يقول: "من بين الأفلام الثلاثة التي يستمر عرضها، سجل "ميراث" أقل نسبة تراجع (18 في المئة) مقارنة بفيلمين آخرين سجلا تراجعاً بين 62 و68 في المئة، علماً ان الفيلم لا يُعرض الا في خمس صالات. ويذكر عرقتنجي أن فيلمه السابق، "تحت القصف"، استقطب 45 ألفا و472 مشاهداً، وظل مستمراً في الصالات لعشرين اسبوعاً، مع ان ايراده الاسبوعي لم يتجاوز ما يحقق "ميراث" الآن؟ فلماذا لا يُعطى الفيلم كل احتمالات النجاح؟ لا يكفي ان السينمائيين يلجأون الى الخارج لتمويل أعمالهم في ظلّ غياب أي مصدر لبناني للتمويل؛ عليهم ايضاً شحذ مكان لهم على شاشات بلادهم. الطريق لا تزال طويلة...

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard